الحراك الحقوقي في لبنان، 2018 (3): بروز حقّي التعليم والسكن


2019-06-14    |   

الحراك الحقوقي في لبنان، 2018 (3): بروز حقّي التعليم والسكن

في إطار عملها على توثيق الحياة القانونية في لبنان، تخصص المفكرةجزءا هاما من عملها لرصد الحراكات الحقوقية وتوثيقها في لبنان. ولهذا الرصد، أهداف عدة.

أولا، أنه يشكل شرطا للإحاطة بالحياة القانونية في لبنان، بحيث لا تقتصر هذه الحياة على ما تنتجه السلطات والمؤسسات العامة، إنما تشمل أيضا الحراكات والمطالب الاجتماعية، ومنها ما تعبر عنه المنظمات الحقوقية والعديد من الفئات الاجتماعية. والرصد يضمن من هذه الناحية قياس درجة الوعي أو الاهتمام الاجتماعي بحق معين في فترة معينة،

ثانيا، أنه يسمح بمقارنة الأولويات التي تعبّر عنها الحراكات الاجتماعية بأولويات السلطات والمؤسسات العامة. فهل تتشابه هذه الأولويات أم أنها تتباين فيما بينها؟ وفي حال التباين، أي دروس يمكن إذ ذاك أن نستنتجها على صعيد الحياة الديمقراطية ككل، وبخاصة على صعيد التشاركية وصحة التمثيل الانتخابي؟

ثالثا، أنه يسمح بمقارنة أولويات هذه المرحلة بمراحل أخرى من تاريخ لبنان، أو أيضا بأولويات مجتمعات أخرى وبخاصة في المنطقة التي نعيش فيها.

وقد شهدت سنة 2018 حراكات عدة. وفيما ارتبط بعضها بمواكبة الانتخابات النيابية، الحاصلة للمرة الأولى بعد 2009، أو الاستفادة منها (وهذا ما أسمته المفكرة مقتحمو الانتخابات“)، جاء بعضها من قبيل الحراك الذاتي الناشئ عن الحاجات الاجتماعية الملحة، كما هي المطالب المتصلة بالبيئة والعمران أو استقلال القضاء. كما برزت عدد من الحراكات المهنية على نحو غير مألوف ولا سيما في أوساط المهن القانونية، وفي مقدمتها القضاة الذين نجحوا في إنشاء ناد والمحامون الذين باشروا حراكا غير اعتيادي في مواجهة نقابتهم.

ولفهم هذه الأولويات، سعينا إلى تصنيف مضامين الحراكات على أساس نوع الحق موضوع الحراك، على نحو يسمح لنا باستخلاص أنواع الحقوق التي حظيت بالاهتمام الأوسع في هذه الحراكات. نشرنا خلال هذا الأسبوع الحلقة الأولى المتصلة بالحراكات البيئية، والحلقة الثانية المتصلة بالحراكات خول حرية التعبير وقمع الحريات. وننشر هنا أبرز الحراكات المتصلة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

التعليم والسكن حقّان أساسيّان يستمر الحراك المتعلق بهما بالتفاعل لعدد من السنوات على التوالي، إلا أن تبدلات أصابت الخطاب المتعلق بهما في إثر تبدل عوامل أساسية.

التعليم الخاص: أين المجالس التربوية؟

بعد الصعود البارز لحراك رفض رفع الأقساط في المدارس الخاصة خلال عام 2017، برز تحوّل على الخطاب نحو الدفع باتجاه تشكيل مجالس التحكيم التربوية وتفعيل دور لجان أهالي التلاميذ ووزارة التربية في مراقبة موازنات هذه المدارس. وقد تفاقم هذا النقاش في إثر سعي إدارات المدارس إلى ربط إقرار الزيادات على الأقساط بتسديد الأساتذة الزيادات المقررة على أجورهم تبعا لقانون 46/2017 المتعلق بسلسلة الرتب والرواتب. وقد ولد هذا الربط تنازعا في المصالح بين ذوي التلاميذ والجسم التعليمي.

في هذا السياق، برزت بشكل خاصّ قضية مدارس الليسيه التابعة للبعثة العلمانية الفرنسية في لبنان1. فقد لجأ عدد من لجان أهالي الطلاب في هذه المدارس إلى تطوير أدوات عملهم، ومن بينها اللجوء إلى القضاء وبشكل خاص إلى مجالس التحكيم التربوية، التي اتضح أن غالبها غير مفعل لعدم اكتمال أعضائها، وإلى القضاء المستعجل تبعا لتعطيل العديد من هذه المجالس.

من هنا بدأ الخطاب المتعلق بالتعليم الخاص، يتضمن إلتفاتات إلى ضرورة تشكيل هذه المجالس، على الرغم من أن هذا التطور لم يتحول إلى عنوان أساسي للحراك بعد. إلى ذلك، لم يتطرق حراك الأهالي في المدارس الخاصة للسنة الثانية على التوالي إلى واقع المدرسة الرسمية أو مسؤولية الدولة لناحية تأمين الحق بالتعليم الجيد. وهذا أمر سنشهد حصوله في بدايات العام 2019 وتحديدا بعد انتحار المواطن جورج زريق2، لكن هذه هي مسألة أخرى ندرسها في سياق حراكات 2019 لاحقا.

السكن: الحق بالمأوى

على صعيد الحق بالسكن، شهد عام 2018 أزمة جديدة في هذا المجال، تضاف إلى الأزمة الناتجة عن إقرار قانون الإيجارات الجديد عام 2014، تمثّلت بتوقف تعهدات قروض الإسكان في لبنان بدءاً من آذار 2018، الأمر الذي شكل صدمة لدى المتعهدين وأيضا لدى شريحة واسعة من الشباب اللبناني الذي يرى في قروض الإسكان المنفذ الوحيد لشراء منزل وتأسيس حياة في لبنان. وقد عاد رئيس مجلس الإدارة-المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان المهندس روني لحود وأصدر مذكرة داخلية توجه فيها إلى رئيس المصلحة الإدارية والقانونية في المؤسسة طالباً “وقف قبول أي طلب قرض سكني جديد إعتباراً من نهار الإثنين الواقع في 9/7/2018 وحتى إشعار آخر”3. وقد أتت هذه الأزمة لتفاقم أزمة السكن الناجمة عن تحرير الإيجارات القديمة والتي شهدت حراكات عدة في السنوات السابقة.

في هذا السياق، دعا “فرع الشباب” في الحزب الشيوعي اللبناني و”اتحاد الشباب الديمقراطي” إلى وقفة إحتجاجية أمام مبنى المصرف المركزي في العاصمة بيروت. هذا وقد تضمن البرنامج الإنتخابي للحزب الشيوعي، في سياق إنخراطه في انتخابات عام 2018، إلتزامات تتعلق بالحق بالسكن، تطرقت إلى وضع قانون إيجارات عادل يؤمن الحقوق والاستقرار للمستأجرين ويحفظ حقوق صغار المالكين. أيضاً تضمن مشروع الحزب وضع سياسة إسكانية جديدة لحل أزمة السكن، وإنشاء مساكن شعبية بأسعار في متناول الطبقات الفقيرة والشباب والخريجين الجدد في المدن والأرياف، كذا فرض ضرائب على الثروات المكدّسة في العقارات المرتفعة الأسعار تساهم في منع المضاربات العقارية وفي تحريك السوق التأجيرية4. ويشرح موقف “اتحاد الشباب الديمقراطي”، أحد منظمي الوقفة بشار بحسون لـلـ”المفكرة: “التحرك جاء للتعبير عن معارضة سياسة مصرف لبنان التي تربط الناس بقروض طويلة الأمد تستمر لـ 20 و30 عام، والتي تعطي المصارف إمتيازات وتحمي مصالحها على حساب حقوق المواطنين بالسكن”. يضيف بحسون أن “ما أردناه من هذا التحرك، بالإضافة إلى الإضاءة على كون الأزمة هي أزمة نظام متكامل وليست أزمة نفاذ أموال القروض فقط، أردنا أن نطالب الدولة بالقيام بدورها لناحية ومن خلال وضع سياسة إسكانية تؤمن السكن لكل المواطنين، مع ما يحتاجه الأمر من إنماء متوازن للمناطق وتطوير نقل عام من وإلى المدن، بالإضافة إلى إنشاء مساكن شعبية يمكن إستئجارها بأسعار منخفضة ولا دليل على مدى إمكانية تحقيق هذا الأمر أكثر من تجربة السكن الجامعي التابع للجامعة اللبنانية، أيضاً من خلال قانون إيجارات عادل، وإقرار ضرائب عن العقارات الفخمة غير المؤجرة، وما أكثرها”.

أبعد من المأوى: السكن من منظور الحق بالمدينة

التطور اللافت على صعيد مناقشة الحق بالسكن ودور الدولة في إطاره لعام 2018، يبرز في أعمال ستديو “أشغال عامة” الذي تناول “السكن اللائق” في سياق دراسته للتصاميم التوجيهية وأثرها على ظروف السكن وحياة السكّان في لبنان. فقام ستديو “أشغال عامة” بالتعاون مع “المفكرة القانونية” بدراسة الإطار القانوني القائم، والنظر بشكل نقديّ في خرائط استخدامات الأراضي (أي التصاميم التوجيهية) في 15 مدينة وبلدة في لبنان، ضمن مشروع “العمران والقانون في لبنان: التصاميم التوجيهية وتأثيرها على الحياة”5، ليبين كيف تم “تطوير تصاميم توجيهية على أسس طبقية حيث السكان غير المرغوب فيهم هم أولئك غير القادرين على تحمّل تكاليف السكن أو الدخول إلى هذه المشاريع الجديدة”.

يستعيد المشروع، الخطاب المتعلق بالسكن من منطق الملكية ومصالح السوق العقارية إلى الرؤية المجتمعية الحقوقية حيث تتحمّل الدولة مسؤولياتها إنطلاقاً من إلتزاماتها، لا سيما لناحية حماية الحقوق والمبادئ الأساسية المكرسة في المعاهدات الدولية الموقعة والمصدقة من لبنان. في هذا السياق يلقي ستديو “أشغال عامة” الضوء على المصادر الأساسية لإلتزامات الدولة اللبنانية، تحديداً “العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية” الذي نص على حق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، ومن ضمنه الحق في التمتع بمسكن ملائم يكون صالحاً للسكن ومحمياً من مختلف المخاطر على الصحة. تعتبر الدولة مؤتمنة بنيوياً على تصميم وتنظيم الأراضي اللبنانية من خلال دورها في وضع تصاميم وأنظمة توجيهية وتفصيلية للأراضي في لبنان، تحت إشراف المجلس الأعلى للتنظيم المدني وسائر الإدارات المعنية. وتكمن وظيفة الدولة هذه تحديداً في رسم النطاق العام لترتيب وتحديد القواعد والاتجاهات الأساسية لتنظيم منطقة ما وعلى الأخص إمتداد المناطق السكانية والتوازن الذي يتوجب المحافظة عليه بينها وبين مناطق امتداد العمران الصناعي والتجاري والمحافظة على المواقع الطبيعية والنشاطات الزراعية وكل ذلك على ضوء المصلحة العامة.6

أبرزَ ستديو “أشغال عامة” في مشروعه الأولويات الواجب معالجتها في المخططات التوجيهية، لتأمين حق السكن بالمعايير الحقوقية، التي تجعل “جغرافيا العيش اليومي” ملائمة. ولا يقتصر ذلك على إتاحة الوصول إلى الحق بالسكن بمعنى المأوى، بل يتصل أيضاً بالطرق والمناطق الصناعية وإعادة الإعمار.

وقد أطلق في ستديو “أشغال عامة” خلال شهر تموز 2018 مسابقة تحت عنوان “فكّر إسكان” بالتعاون مع نقابة المُهندسين وبرنامج الأمم المتحدّة للمستوطنات البشرية، وبرعاية المؤسسة العامة للإسكان. وهي تستهدف “أصحاب المهن المختصّة والمؤسسات الأكاديمية وتلامذة الدراسات العليا للاستعانة بخبراتهم وخلفياتهم المتنوعة في تقديم مقترحات تتجاوب مع المعايير التي وضعتها اللجنة التوجيهية للمشروع”. ومن أبرز هذه المعايير وجود مخطط مدن أو خبير حضري داخل كل فريق مُشارك. وقد تم اختيار الفائزين في كانون الأول 2018.

  • نشر هذا المقال في العدد | 59 |  نيسان 2019، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

 لمن القانون في لبنان؟

1 إلهام برجس، القضاء يحمي طلاب الليسيه – حبوش متسلحاً باتفاقية حقوق الطفل: حرس المدرسة يصفع تلميذة تعتصم ضد زيادة الأقساط، المفكرة القانونية، 25 أيار 2018.

2- رانيا حمزة، وزير التربية تعالى على المعتصمين ورفض لقاءهم.. التضامن مع جورج زريق: تضامن حول التعليم الرسمي، المفكرة القانونية،12 شباط 2019

3 – رانيا حمزة، جدل نيابي بشأن القروض السكنية في لبنان: اليوم نبيض وجهنا مع الناس، وغدا نفكر في السياسة الإسكانية، المفكرة القانونية، 15 تشرين الأول 2018

4 -برنامج الحزب الشيوعي اللبناني للانتخابات النيابية 2018

5 – استديو اشغال عامة، انتاج اللامساواة في تنظيم الأراضي اللبنانية، المفكرة القانونية، 2 تشرين الأول 2018

6 كريم نمور، رحلة في الفضاء العام بحثاً عن أمنيته: مسؤولية الدولة في الحفاظ على سلامة الفضاء العام المشترك، المفكرة القانونية، 28 حزيران 2018

انشر المقال

متوفر خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *