“التكليف المدفوع” باب لنزع الفواصل بين السلطات: التنافس بين القضاة الإداريين لكسب رضا الإدارة ورئيس المجلس


2020-06-22    |   

“التكليف المدفوع” باب لنزع الفواصل بين السلطات: التنافس بين القضاة الإداريين لكسب رضا الإدارة ورئيس المجلس

هنا، نتناول أحد أبرز أوجه الخلل في تنظيم مجلس شورى الدولة، وهو يتمثل في تكليف قضاة المجلس بأعمال استشارية لدى إدارات عامة بقرار من رئيس المجلس لقاء بدل إضافي يسدّد من موازنة الإدارة المستفيدة من هذا التكليف (المادة 15 من نظام مجلس شورى الدولة). فعدا عن أنّ هذه التكليفات تنزع الفواصل بين السلطتين القضائية والتنفيذية وتمنح سلطة هرمية مبالغاً بها لرئيس المجلس، فإنّه يشكل باباً للتمييز بين القضاة واستتباعهم[1].

وقبل المضي في استعراض مخاطر هذه الممارسة، سنعرض بداية بعض أشكال التكليف التي أمكن رصدها.

التكليف في الممارسة

رغم اختلاف أشكال التكليف والجهات التي قد تبادر لاستصداره، فإنّه يصدر حصراً عن رئيس مجلس شورى الدولة الذي بإمكانه أن يضع معايير له أو أن يخضعه لمشيئته الإستنسابية، بحيث يمنحه لمن يشاء أو يحجبه عمّن يشاء. وما يزيد من الإستنسابية في هذا المجال، أنّ جواز التكليف ينسحب على جميع قضاة مجلس شورى الدولة بمن فيهم رؤساء الغرف ومعاوني مفوّض الحكومة وأنّه لا يوجد أيّ سجلّ عامّ علني للتكليفات أو التراخيص الممنوحة للقضاة الإداريين والبدلات التي يتقاضونها من جرّائها. هذا فضلاً عن أنّ بدل اشتراك القاضي في أعمال لدى إدارة عامة أو لجنة، يختلف بين وزارة وأخرى، وقاض وآخر، من دون أي ضوابط.

وقد تمّ رصد ثلاثة أشكال للتكليف: التكليف لمدة محددة (سنة مثلاً)، التكليف طوال بقاء الوزير أو رئيس الهيئة المعني في الوزارة، التكليف لمدة غير محددة. وقد يحظى البعض بعدد كبير من التكليفات، فيما لا يحظى آخرون (غير مرضى عليهم) على أيّ تكليف، مما يؤدّي إلى إيجاد هوّة كبيرة بين مداخيل قضاة وآخرين من الدرجة نفسها. هذا مع العلم أنّ العديد من الوزراء اعتادوا أن يسمّوا القضاة الذين يرغبون في تكليفهم بأعمال استشارية في وزاراتهم في طلبات التكليف الموجّهة إلى رئيس مجلس شورى الدولة شفهياً أو خطياً.

وفيما يبقى عدد التكليفات وقفاً على السياسة المتّبعة من قبل رئيس المجلس، فمن الثابت أنّ فتح هذه الإمكانية يشكل محفّزاً لعدد كبير من القضاة الإداريين للحصول على مزيد من التكليفات بهدف زيادة مداخيلهم. وفي أحد لقاءات “المفكرة” مع أحد القضاة الإداريين في 2018، أسرّ لنا بأنّ بعض قضاة المجلس يحصلون على 12 إلى 20 مليون ليرة لبنانية شهرياً بنتيجة هذه التكليفات، بالإضافة إلى رواتبهم وأنّ بعض هذه التكليفات إنما يهدف إلى استرضاء القاضي المعني أو تنفيعه من دون أن يقترن بأي عمل فعليّ. كما أسرّ لنا أنه اشتكى ذات مرة لدى رئيس المجلس من حدة التمييز بين القضاة، فاكتفى الأخير بالقول: “قَطْع الأرزاق من قَطْع الأعناق”.

بالإضافة إلى ما تقدّم، وثّقت “المفكرة” تعسّف بعض الجهات التي كُلّف قضاة العمل لديها، بحيث عمدت إلى تكليف هؤلاء بمهام إضافية (أو ما يصحّ تسميته التكليف على التكليف) في لجان منشأة منها أو داخلها، ومنها مهام لا تتصل بالخبرة أو المعرفة القانونية، ومن دون العودة إلى رئاسة المجلس. ومن أبرز الحالات التي تمّ توثيقها في هذا المضمار، قيام وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق بتكليف أحد القضاة المكلّفين للعمل في وزارة الداخلية بترؤس لجنة فنّية للنظر في مناقصة الميكانيك. وتكون هذه التكليفات عموماً غير قانونية طالما أنّها تتم بخلاف المادة 15 من نظام مجلس شورى الدولة التي تشترط حصول التكليف بقرار من رئيس المجلس، كما تشترط أن يكون التكليف محصوراً بأعمال استشارة قانونية. ورغم أنّ القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة في إبطال مناقصة الميكانيك بتاريخ 9 تموز 2018 أثبت المخالفة الحاصلة، فإنه لم يتّخذ أيّ إجراء تأديبي بحق القاضي المذكور، على حدّ علمنا.

مخاطر التكليف

من أبرز مخاطر التكليف، الآتية:

  • أنه يمسّ بمبدأ الفصل بين السلطات. فبدل أن تقوم السلطة التنفيذية والإدارات العامة بأعمالها تحت إشراف القضاء الإداري ورقابته وربما بعد استشارته، يقود “التكليف بأعمال” إلى دمج القضاة الإداريين المكلّفين ضمن فرق عملها وعملياً استتباع من يفترض به أن يراقبها. وما يفاقم من ذلك هو أنّ الإدارة العامة هي التي تسدّد لهم بدلاتهم وأنّ بإمكانها حرمانهم منها من خلال وضع حدّ لتكليفهم، فيما أن مبدأ فصل السلطات يفترض أن يحدّد راتب القاضي بقانون ووفق معايير محددة، من دون أن يكون للإدارة أي استنسابية في زيادتها أو خفضها. ومن شأن هذا الأمر أن ينعكس سلباً على شرعية القرارات طالما أنّ من طبائع السلطات أن تتعسف في ممارسة صلاحياتها كلما استشعرت أنّ لا سلطة تحدّ منها.
  • أنه يمسّ بمبدأ استقلالية القضاة ويشكل حالة تضارب مصالح فاقعة. فبنتيجة شيوع التكليفات، يصبح القاضي الإداري عموماً وكأنّ له قدمٌ في القضاء الذي يشارك في أعماله حتى الظهيرة وقدمٌ في الإدارة العامّة التي يخدمها من بعدها. كما يصبح له راتبان أو أكثر: راتب من عمله كقاضٍ وراتب أو أكثر من التكليفات، مما يمس بمبدأ استقلاليته المالية كما سبق بيانه ويشكل تضارباً فاقعاً في المصالح. وفيما يمكن إدارة تضارب المصالح نظرياً من خلال تنحّي القاضي عن النظر في صحة القرارات التي استشير بشأنها، فإن ذلك غالباً ما يكون متعذّراً في حال كان القاضي المكلّف هو رئيس غرفة، فلا يصدر قرارٌ عنها إلّا ممهوراً بتوقيعه، ويتولّى هو تعيين أعضاء هيئة الحكم بما فيهم المقرر.
  • أنه يشرّع الإجراءات التمييزية بين القضاة خلافاً لمبدأ المساواة فيما بينهم. وينعكس هذا الأمر ليس فقط في حصول القضاة على مداخيل من جراء هذه التكليفات قد تتفاوت من 1 إلى 5،[2] إنما أيضاً في توزيع غير عادل للعمل، حيث غالباً ما يضطر القضاة غير الحائزين على تكليفات على إنجاز الأعمال الأكثر تعقيداً بفعل ارتباطات الأعضاء الآخرين. ومن شأن هذا الأمر أن يزيد مشاعر الإحباط والغبن لديهم وأن يقوّض حوافزهم على العمل. فكأنما من يعمل هو غير الذي يستفيد من امتيازات الوظيفة. ومن شأن هذا الأمر أن يولّد مجموعة من الميول والمشاعر السلبية لدى القضاة، أبرزها الآتية:

– ميل إلى التنافس على كسب رضا الإدارات العامة ورئيس مجلس شورى الدولة للحصول على تكليف أو مزيد من التكليفات مع ما يتيحه ذلك من مداخيل إضافية. وبذلك، يتحوّل كل قاضٍ إداري إلى منافس لسائر زملائه، مما يولّد مشاعر تباعد ولا ثقة فيما بينهم.

– شعور بالإحباط والفشل وربما الغبن بالنسبة إلى القضاة غير المرضى عليهم والذين قلّما يحظون بتكليف. وقد أسرّ لنا أحد القضاة أنّ إبنه ذا الـ13 ربيعاً كان يلومه على خلفية أنه لا يملك ما يملكه زملاؤه في العمل الذين يستفيدون من باقة من التكليفات.

  • أنه يعزز من السلطة الهرمية لرئيس المجلس الذي بإمكانه أن يكلّف من يشاء وأن يحجب التكليف عمّن يشاء، وهي سلطة تُضاف إلى سلطته في التحقيق في المخالفات المسلكيّة والتأديب وامتيازات ترؤّس الغرفة الأولى والنقل وتوزيع الأعمال. ومن شأن هذا الأمر أن يولّد مخاوف مشروعة إزاء استغلال هذه السلطة للتحكّم في قرارات المجلس.
  • أنه يؤثر على الثقة العامة بمجلس شورى الدولة، وذلك بنتيجة ازدياد عدد التكليفات والقضاة المكلّفين ومنهم رؤساء غرف وتالياً اندماجهم في الإدارات العامة إلى درجة التماهي. ولا نبالغ إذا قلنا أنّ تراجع الثقة يصل بنتيجة ذلك إلى مستوى الارتياب المشروع المعمم.
  • أنه يؤثر على ضمانات المحاكمة العادلة. فإلى جانب الأثر السلبي على استقلالية القضاء وما يستتبعه على صعيد ضمانات المحاكمة العادلة، يجدر التذكير أنّ أسماء المستشارين في هيئة الحكم الناظرة في مراجعة ما، تبقى في الغالب مجهولة من المتقاضين، مما يحرمهم من إمكانية طلب ردّهم على خلفية عملهم في الإدارة المعنية بها. هذا مع العلم أن المتقاضين غالباً ما يجهلون ماهية التكليفات الممنوحة بفعل عدم الإعلان عنها.
  • أنه يؤثر على فاعلية عمل المحاكم وبخاصة في ظل الشغور الحالي. وهذا الأمر ينتج بشكل طبيعي عن تخصيص عدد كبير من القضاة لجزء هامّ من وقتهم لتقديم خدمات استشارية للإدارات العامة. وما يزيد من خطورة هذا الأمر هو جواز تعدد التكليفات وارتفاع البدلات التي قد تنجم عنها بما يتجاوز الراتب نفسه، فضلاً عن انعدام آليات التقييم في المجلس. وتزداد مخاطر التأثير السلبي على الإنتاجية في ظل اشتمال التكليفات رؤساء الغرف الذين يكون اشتراكهم في إصدار القرارات الصادرة عنها لازماً.
  • أنه يبقى غير مبرر. فالعمل المناط بالقاضي في الإدارة أو المؤسسة العامة أو البلدية لا يتصل بممارسة وظيفة قضائية ولا يفترض التمتع بمواصفات قاض وضماناته، بل يمكن لأي موظف له خبرة في القانون أو محام أو مستشار قانوني القيام به. وفيما أنّ من شأن تواجد القضاة في هذه الإدارات أن يُحسّن من حيث المبدأ نوعية مقرراتها، فإنه يُخشى في المقابل أن يولّد اندماجهم في الإدارات العامة إلى حدّ التماهي أثراً عكسياً على نوعية هذه القرارات بفعل زوال الشعور بالمساءلة.
  • نشر هذا المقال في العدد | 65 | حزيران 2020، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

القضاء الإداري: من يحمي الدولة ومن يدافع عنها؟

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا هنا

[1]  يلحظ أن نظام التكليف يختلف تماما عن نظام الإنتداب: فبموجب التكليف، يتولّى القاضي المهمة التي كُلّف بها في موازاة استمراره في أداء مهامه القضائية، فيما أن القاضي المنتدب ينقطع تماما عن أداء مهامه القضائية طوال فترة انتدابه.

[2]  أدخلت موازنة 2019 إصلاحا في هذا المجال بحيث نصت على أن يحدد سقف مجموع المبالغ الشهرية التي تدفع للقضاة كبدلات أتعاب عن الخدمات التي يقدمونها للإدارات والمؤسسات العامة كاستشارات وما شابه بحسب القوانين المرعية الإجراء بثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور كحد أقصى. ولكن لم يتسن لنا التثبت من مدى احترام هذه المادة وفيما إذا كانت تطبق على كل تكليف أو أيا كان عدد التكليفات.

انشر المقال

متوفر خلال:

غير مصنف ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *