الاستعانة مجاناً بمحام خلال التحقيقات الأولية (1): مسار تكريس الحق


2023-01-04    |   

الاستعانة مجاناً بمحام خلال التحقيقات الأولية (1): مسار تكريس الحق

في تشرين الأول من العام 2020، أصدر مجلس النواب اللبناني القانون رقم 191/2020 الذي عدّل أصول المحاكمات الجزائية، لا سيما المادة /47/ منه، من أجل توسيع ضمانات الدفاع للمشتبه فيهم في مرحلة التحقيقات الأولية. وفرض إلزامية حضور محام خاص أو مُكلَّف من قبل إحدى نقابتيْ المحامين في بيروت وطرابلس، بعد أن كان المشتبه فيهم يُحرمون من هذا الحق الأساسي خلال الاستماع إلى أقوالهم من قِبل الضابطة العدلية. وفيما بدا هذا الإصلاح بمثابة خطوة هامّة في اتجاه تكريس الممارسات الفضلى لحقوق الدفاع وضمان نزاهة التحقيقات الجزائية، فإنّ تطبيق أحكامه يواجه صعوبات كبيرة في ظل سوء إدارة المال العام وواقع المؤسسات المعنية بتطبيقه وعدم ترافقه بتطوير نظام المساعدة القانونية.

في العام 2022، أعدّت المفكرة القانونية ورقة بحثية تحت عنوان “الاستعانة مجاناً بمحام خلال التحقيقات الأولية في لبنان: العوائق أمام التنفيذ” تهدف إلى تقييم الصعوبات التي تعيق تنفيذ هذا الحقّ. تبحث الورقة في تعامل الجهات المعنية بمرفق العدالة الجزائية مع الإصلاح التشريعي بعد مرور عامين على إقراره، مع التركيز على دور النيابات العامة وقوى الأمن الداخلي وأمن الدولة ونقابتيْ المحامين في بيروت وطرابلس. وأظهرت الورقة أن استفادة المشتبه فيهم من هذا الحق لا تزال محدودة، لا سيما بالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود منهم، بسبب عدم تفعيل آلية استعانة المشتبه فيهم المحتجزين مجاناً بمحام مُكلَّف من قِبل نقابة المحامين.

ننشر تباعاً الأقسام الرئيسية التي تتألّف منها هذه الورقة البحثية بشكل منفصل كي يتمكّن القارئ من الاطّلاع عليها بسهولة. في القسم الأوّل، نرصد الإطار القانوني للحق في المساعدة القانونية المجانية ومسار توسيع ضمانات الدفاع خلال التحقيقات الأولية في لبنان منذ التعديل الشامل لأصول المحاكمات الجزائية في العام 2001 وصولاً إلى الإصلاح التشريعي في العام 2020. وفي القسم الثاني، نبحث في أبرز القصور والثغرات القانونية التي تضمّنها إصلاح العام 2020 والاعتراضات التي رافقت صدوره. وفي القسم الثالث، نعرض الخطوات التنفيذية التي اتخذتها الجهات المعنية بتطبيق القانون من أجل تفعيل آلية الاستعانة مجاناً بمحام مكلَّف من قبل إحدى نقابتيْ المحامين في بيروت وطرابلس.

1.  المساعدة القانونية المجانية: الإطار القانوني

حق أساسي للمشتبه فيه وضمانة ضد التعذيب

يرتبط الحق في الحصول على المساعدة القانونية المجانية بالعديد من الحقوق والمبادئ القانونية المتعلقة بدولة القانون والعدالة الاجتماعية. فهو من أهم ركائز الحق في الوصول إلى العدالة والمحاكمة العادلة ومبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليها في الدستور اللبناني والمواثيق الدولية الأساسية، بخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادتين /7/ و/10/) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة /14/) اللذين يتمتعان بقوة دستورية في لبنان بموجب الفقرة (ب) من مقدمة الدستور.

نص الدستور اللبناني على أنّ “كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم” (المادة /7/)، وعلى وجوب حفظ الضمانات اللازمة للمتقاضين ضمن نظام ينص عليه القانون (المادة /20/). ويُعتبر حق الدفاع من الحقوق الطبيعية والدستورية الأساسية[1]، حيث كرست المادة 14 من العهد الدولي الحق في المحاكمة العادلة الذي يشمل حق المتهمين بارتكاب جرائم بالتمتع على قدم المساواة بضمانات أساسية، منها حق الدفاع والحق في الاستعانة بمحام.

انطلاقاً من الحق بالتمتع بضمانات الدفاع على قدم المساواة، تضمن المواثيق الأساسية حق المشتبه فيهم بالاستعانة بمحام من دون أجر. فقد شددت المادة /14/ من العهد الدولي على حق المتهم بـ “أن تزوده المحكمة حكماً، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحام يدافع عنه، دون تحميله أجراً على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر”. كما نصت المادة /13/ من الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي صادق عليه لبنان في العام 2008 على أن “تكفل كل دولة طرف لغير القادرين مالياً الإعانة العدلية للدفاع عن حقوقهم”. وشددت المادة /16/ منه التي نصت على الحقوق والضمانات خلال إجراءات التحقيق على “حق (المتهم) في الاستعانة مجاناً بمحامٍ يدافع عنه إذا تعذّر عليه القيام بذلك بنفسه أو إذا اقتضتْ مصلحة العدالة ذلك”[2].

وقد عرّفت مبادئ الأمم المتحدة وتوجيهاتها بشأن سبل الحصول على المساعدة القانونية في نظام العدالة الجنائية مفهوم المساعدة القانونية على أنه يشمل: “المشورة والمساعدة والتمثيل القانوني للأشخاص المحتجزين أو المقبوض عليهم أو المسجونين أو المشتبه بهم أو المتهمين بارتكاب جرائم، (…) وتقدم هذه المساعدة دون فرض أي تكاليف على من لا يملكون وسائل مالية كافية أو متى اقتضتْ مصلحة العدالة ذلك”[3]. كما يشمل التثقيف القانوني والحصول على المعلومات والخدمات القانونية. وشددت المبادئ على ضرورة أن تكفل الدول “التمتع بالحق في الحصول على المساعدة القانونية في نظمها القانونية على أعلى مستوى ممكن، بما في ذلك في الدستور، إقراراً منها بأنّ المساعدة القانونية تمثل عنصراً أساسياً لأداء نظم العدالة الجنائية التي تقوم على سيادة القانون، وأساساً للتمتع بحقوق أخرى تشمل الحق في محاكمة عادلة، وضمانة مهمة لكفالة مبدأ الإنصاف الأساسي وثقة الجمهور في إجراءات العدالة الجنائية” [4].

تؤكد المعايير الدولية، لا سيما المبادئ المتعلقة بالمساعدة القانونية وبدور المحامين، حق المشتبه فيه بأن يطلب المساعدة القانونية المجانية في جميع مراحل الإجراءات الجزائية، بما يشمل مرحلة التحقيقات الأولية، وذلك بغضّ النظر عن الوسائل المادية المتاحة له[5]. وتُعدّ مرحلة التحقيقات الأولية من المراحل الجوهرية ضمن نظام العدالة الجزائية كونها تهدف إلى جمع الأدلة التي سيُبنى عليها لاحقاً الادعاء والمحاكمة وتترافق مع حجز الحرية، وتالياً تتضمن خطورة أكبر بالتعرض للتعذيب والشدة، لا سيما لانتزاع الاعترافات والتنازلات عن الحقوق.

لذلك، تُعتبر ممارسة الحق في الحصول على المساعدة القانونية إحدى الضمانات الأساسية لمنع أعمال التعذيب والشدة في مراكز التحقيق. وقد أكدت لجنة مناهضة التعذيب أن “الوصول إلى محام والحصول على مساعدة محام وكذلك توفير المساعدة القانونية، عند الضرورة، من لحظة سلب الحرية وطوال مراحل الإجراءات هي من الضمانات القانونية الأساسية لمنع التعذيب ومعاملة الشدّة أثناء الاحتجاز”، وشددت على أهمية الوصول إلى المساعدة القانونية بشكل خاص في مرحلة التحقيق والاستجواب[6].

وتالياً يسمح الوصول إلى محام بتمكين المشتبه فيه من ممارسة حقوقه بالدفاع، وكسر العزلة الجسدية والمعنوية التي تنتج عن الاحتجاز، والتنبُّه إلى وضعه الصحي والحد من ممارسات الاحتجاز السري أو الإخفاء القسري. وهو ما يؤدي بشكل عام إلى الانتقال من ثقافة السرية، التي غالباً ما تسود في مراكز التحقيق، إلى ثقافة الشفافية التي تبني ثقة المجتمع بعدالة الإجراءات الجزائية.

انطلاقاً من ذلك، يشكل احترام الحق في الاستعانة بمحام مجاناً في مرحلة التحقيقات الأولية من أهم الوسائل القانونية لحماية الحرية الشخصية (المادة /8/ من الدستور) والحق في قرينة البراءة (المادة /11/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) ومنع جرائم الإخفاء القسري وحجز الحرية وأعمال التعذيب والإكراه.

موجب مشترك على الدولة اللبنانية ونقابتيْ المحامين

تُجمع المعايير الدولية على أن مسؤولية ضمان الحصول على المساعدة القانونية المجانية تقع على عاتق الدولة بالتعاون مع رابطات المهن القانونية[7]. وأكّدت المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين لعام 1990 على أن الحكومات تكفل “توفير التمويل الكافي والموارد الأخرى اللازمة لتقديم الخدمات القانونية للفقراء ولغيرهم من الأشخاص المحرومين، حسب الاقتضاء، وتتعاون الرابطات المهنية للمحامين في تنظيم وتوفير الخدمات والتسهيلات وغيرها من الموارد”. كما اعتبرت لجنة مناهضة التعذيب أن وجود نظام معونة قانونية فعال يشكل وسيلة لضمان فعالية ضمانات منع التعذيب (المادتين 2 و11 من اتفاقية مناهضة التعذيب) بالنسبة إلى المحتجزين غير المقتدرين[8].

في لبنان، تقاعستْ الدولة عن إنشاء نظام شامل للمساعدة القانونية المجانية، كما لم تعتمد أيّ سياسة أو خطة في هذا الخصوص. وقد وقع عبء تأمين المعونة المؤسساتية على نقابتيْ المحامين في بيروت وطرابلس من دون أن تساهم الدولة في تأمين الموارد اللازمة لهذه الخدمة العامة، باستثناء إعفاء طالبي المعونة من الرسوم القضائية. وفي القضايا الجزائية، لم يكن القانون يفرض قبل العام 2020 إلزامية تكليف محام مجاناً للمشتبه فيه الذي يتعذّر عليه ذلك إلا لدى مثوله أمام قاضي التحقيق[9] أو محكمة الجنايات[10] أو المحاكم العسكرية[11] أو خلال محاكمة الأحداث[12]. وفي العام 2017، أوصتْ لجنة مناهضة التعذيب لبنان بإنشاء نظام شامل للمساعدة القانونية في المجال الجزائي يضمن المجانية للأشخاص غير القادرين على التكلّف بنفقات التمثيل القانوني[13].

يستند إذن نظام المساعدة القانونية في لبنان بشكل أساسي إلى نقابتيْ المحامين. تنحصر الصلاحية الجغرافية لنقابة طرابلس في محافظتيْ الشمال وعكار، فيما تشمل صلاحية نقابة بيروت المحافظات السبع الأخرى (بيروت، الجنوب، النبطية، جبل لبنان، كسروان-جبيل، البقاع، بعلبك-الهرمل). وتتمحور خدمات “لجنة المعونة القضائية” في نقابة بيروت حول التمثيل القانوني أمام المحاكم والوساطة في القضايا المدنية والجزائية، في حين تشمل مهام “مركز المعونة القضائية والمساعدة القانونية” الذي تأسس في العام 2018 في نقابة طرابلس[14] تقديم خدمات التمثيل والمشورة والتوعية القانونية. وتستند النقابتان لتقديم هذه الخدمات إلى تبرعات من منظمات دولية وأجنبية بشكل أساسي، نظراً إلى ضعف الموارد المخصصة لها ضمن ميزانيتيْ النقابتين[15].

بالإضافة إلى المعونة القضائية المؤسساتية التي تقدمها النقابتان، يقوم نظام المساعدة القانونية في لبنان على المبادرات الفردية للمحامين الذين يقدمون الخدمات القانونية المجانية ضمن دوائرهم الصغيرة، والعيادات القانونية في بعض الجامعات[16]، فضلاً عن برامج المساعدة القانونية التي تقدمها منظمات المجتمع المدني والتي غالباً ما تكون مخصصة لفئات مجتمعية معينة ومكبلة بالمعايير والأطر الزمنية التي تفرضها المشاريع التمويلية المتوفرة[17]. وتعترف مبادئ الأمم المتحدة بمساهمة مقدمي الخدمات كالمساعدين القانونيين وطلاب الحقوق والجامعات ومنظمات المجتمع المدني في منح المساعدة القانونية وتشجع الدولة على إشراكها في تأمين هذه الخدمة العامة[18].

وفي ظل انكفاء الدولة عن واجباتها في مجال المساعدة القانونية وغياب التنسيق الرسمي بين مختلف مقدمي الخدمات القانونية، أطلقتْ وزارة العدل مشــروعاً يهــدف إلى تطوير نظــام المســاعدة القانونيــة فــي لبنــان بالشراكة مع برنامــج الأمــم المتحــدة الإنمائــي والمفوضيــة الســامية للأمــم المتحــدة لشــؤون اللاجئيــن ونقابتــيْ المحاميــن فــي بيــروت وطرابلــس، ويتضمن إنشاء مكاتب للمساعدة القانونية في عدد من المناطق اللبنانية لتقديم الخدمات المجانية للفئات الأكثر حرماناً. وقد انطلق المشروع في العام 2021 حيث تولت نقابة طرابلس (عبر مركز المعونة القضائية والمساعدة القانونية) هذه المهام في منطقة الشمال. كما أُنشئ مكتبان للمساعدة القانونية في صيدا[19] بالتعاون مع جمعية التنمية للإنسان والبيئة وفي بعلبك[20] بالتعاون مع جمعية الميثاق.

في ظل هذا المشهد، جاء الإصلاح التشريعي في العام 2020 لتوسيع موجب المساعدة القانونية أمام القضاء الجزائي من خلال فرض إلزامية حضور المحامي في مرحلة التحقيقات الأولية، من دون أن يترافق مع أيّ خطوات تهدف إلى تطوير نظام المساعدة القانونية الذي يسوده غياب الشمولية والتخطيط على الصعيد الوطني.

2.  تكريس الحق في الاستعانة بمحام خلال التحقيقات الأولية في لبنان

الاستعانة بمحام قبل العام 2020: تطبيق استنسابي

قبل العام 2020، كانت المادة /47/ من أصول المحاكمات الجزائية تنص على حق المشتبه فيه بالاتصال بمحام ومقابلته فور احتجازه. تشكل هذه المادة حجر الأساس لحق الدفاع الدستوري كونها النص القانوني اللبناني الصريح الذي يكرس الحد الأدنى من الضمانات لأيّ شخص مشتبه فيه بارتكاب جريمة، بدءاً من اللحظة الأولى لاحتجازه وطيلة فترة التحقيقات التي تقوم بها الضابطة العدلية.

دخلت المادة /47/ إلى النظام القانوني في لبنان في سياق التعديل الشامل لقانون أصول المحاكمات الجزائية الذي حصل في عام 2001 بهدف “التوفيق بين حقوق الفرد التي كرّسها الدستور اللبناني وبين حقوق المجتمع في الأمن والاستقرار والعيش بطمأنينة”، وفقاً لما جاء في الأسباب الموجبة حينها[21]. ونصت المادة على إلزام الضابطة العدلية بإبلاغ المشتبه فيه بحقوقه، كما وتسهيل ممارستها من قِبله. من أهم هذه الحقوق والضمانات: منع الضابطة العدلية من احتجاز المشتبه فيه إلا بقرار من النيابة العامة ضمن مهلة لا تزيد على 48 ساعة، يمكن تمديدها لمدة مماثلة فقط بناءً على موافقة النيابة العامة، الحق في التزام الصمت وعدم إكراه المشتبه فيه على الكلام (وتالياً حقه في عدم تقديم أدلة ضد نفسه)، الحق في الاتصال بأحد معارفه أو بمحام (وتالياً إعلامهم بتوقيفه ومكان احتجازه)، الحق في مقابلة محام يعيّنه المشتبه فيه بتصريح يدوَّن على المحضر من دون الحاجة إلى وكالة (وتالياً الحصول على استشارة قانونية قبل الاستماع إلى أقواله)، الحق في الحصول على معاينة طبية (وتالياً معاينة الحالة الصحية وتوثيق آثار العنف في حال وجودها).

رغم هذا الإصلاح التشريعي الأساسي، أظهر رصد “المفكّرة القانونية” أن النيابات العامة والضابطة العدلية اتجهت عملياً إلى تعطيل الضمانات القانونية التي تحمي المشتبه فيهم من خلال الامتناع عن التطبيق التلقائي والتام للحقوق المنصوص عليها في المادة /47/، لا سيما الحق بمقابلة محام فور الاحتجاز للحصول على الاستشارة القانونية[22].

رغم وضوح نص القانون حول وجوب ممارسة المحتجز حقَّه بالاتصال ومقابلة محام فور احتجازه، قامتْ سلطات الاحتجاز بتفسيره بشكل مخالف لصراحته، رغم اعتراضات الحقوقيين والمعنيين بالعدالة الجزائية، لا سيّما من زاويتين: الأولى، اتجهت سلطات الاحتجاز إلى منع المحامين من حضور التحقيقات الأولية في حين أن القانون لم يمنع ذلك صراحة، بل على العكس اتجه عدد من الآراء الفقهية إلى تفسير القانون على نحو يسمح للمحامين بحضور هذه التحقيقات من خلال عطف المادة /40/ على المادة /32/ من أصول المحاكمات الجزائية. وتستند هذه القراءة إلى مبدأ التفسير الضيق للنصوص القانونية التي تُقيِّد الحقوق الدستورية (حقوق الدفاع والحرية الشخصية وقرينة البراءة) بهدف تأمين أوسع الضمانات لحمايتها. والثانية، اتجهت سلطات الاحتجاز إلى اعتبار أن ضمانات الدفاع لا تُطبَّق إلا بعد انتهاء التحقيقات الأولية وليس “فور الاحتجاز” كما ينص عليه القانون. وإذ تجاهل الجيش والأمن العام وأمن الدولة الحق بمقابلة محام بشكل واسع، غالباً ما أخّرت قوى الأمن الداخلي ممارسة هذا الحق وفقاً لتقديرها لمدى خطورة الجريمة المشتبه بارتكابها، فلم تسمح للمشتبه فيه بالحصول على استشارة قانونية إلا بعد الاستماع إلى أقواله. في المقابل، لم تتحرك النيابات العامة لفرض تطبيق المادة /47/ في أماكن التحقيق والاحتجاز كسياسة عامة، بل أبقتْ ممارسة الحقوق مرهونة بقراراتها الاعتباطية وفقاً لما ترتئيه في كل حالة، خلافاً لمبدأ المساواة في ممارسة حق الدفاع.

وكما هي الحال بشأن معظم المحظورات أو الحقوق غير المضمونة في لبنان، فإن إغلاق المخافر على المشتبه فيهم وبوجه المحامين يعني عملياً حصر الدخول إليها بأصحاب النفوذ ووكلائهم الذين يتمكنون من التواصل مع النائب العام أو الضابط المسؤول عن مركز الاحتجاز وإقناعهم بالسماح لهم بمقابلة المشتبه فيهم ومرافقتهم في التحقيق. ومؤدّى ذلك أنّ تمتُّع المشتبه فيه بحقوقه كان مرهوناً بموقعه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من دون أن يكون بوسع جميع المشتبه فيهم التمتع به على قدم المساواة من دون أيّ تمييز.

في موازاة ذلك، غالباً ما رفضت المحاكم الجزائية ترتيب أيّ نتائج قانونية على مخالفة النيابات العامة والضابطة العدلية لضمانات الاحتجاز، بخاصة نظراً إلى صعوبة إثبات حصول هذه المخالفة. وعليه، نادراً ما وافقت المحاكم على إبطال محاضر التحقيقات الأولية في الحالات التي خالفت فيها الضابطة العدلية أحكام المادة /47/. وعليه، ورغم التغيير القانوني الحاصل في العام 2001، استمر التعدي على حقوق المشتبه فيهم خلال التحقيقات الأولية بمنأى عن أيّ محاسبة.

وفي العام 2017، أوصتْ لجنة مناهضة التعذيب بوجوب اتخاذ الدولة اللبنانية إجراءات لتعزيز الضمانات الأساسية للموقوفين فور احتجازهم، في القانون وفي الممارسة، لا سيما الحق في الوصول إلى محام خلال التحقيق الأولي أمام الضابطة العدلية والحفاظ على السرية بينه وبين المحامي وتصوير جلسات التحقيق بالصوت والصورة وتمكين القضاة والمحامين والمتهمين من الاستحصال عليها[23].

تضاعفت جهود المجتمع الحقوقي لضمان تطبيق المادة /47/ بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 التي شهدتْ خلال أشهرها الأولى توقيفات عديدة خلال التظاهرات وصلت إلى احتجاز ما يقارب 1000 متظاهر لغاية 15 آذار 2020 أي بمعدل تجاوز 6 توقيفات في اليوم[24]. وأدى حراك المحامين ومطالبات نقابة المحامين في بيروت[25] إلى فرض تطبيق حق المتظاهرين بمقابلة محام فور احتجازهم في العديد من الحالات وإلى إصدار النائب العام التمييزي، الذي يشرف على أعمال الضابطة العدلية العادية والعسكرية، تعميماً بتاريخ 3 كانون الأول 2019 يهدف إلى تعزيز حقوق المشتبه فيهم المحتجزين[26].

ذكّر التعميم بضمانات حقوق المشتبه فيه التي تنص عليها المادة /47/ لا سيما أنه “يجب إعلامه فور احتجازه إمكانية مقابلة محام مع ما يستتبع ذلك من تبادل للمعلومات بينه وبين وكيله حول الجرم المنسوب إليه”. وتضمّن التعميم ثلاثة بنود موجَّهة إلى الضابطة العدلية، أهمها البند الأول الذي نص على “تمكين المحامين من تأدية رسالتهم وتمكينهم من القيام بمراجعاتهم على وجه السرعة لمجرد إبراز بطاقة انتسابهم إلى النقابة”. بذلك، أصبح للمشتبه فيهم والمحامين قرار يذكّر الضابطة العدلية بوجود القانون وبإلزامية تنفيذه، مما يسهل عمليات التفاوض مع القائمين على مراكز التحقيق بمعزل عن موازين القوى التي تحكم إمكانية الدخول إليها ومقابلة المحتجزين لمنحهم الاستشارة القانونية.

لكن في المقابل، تضمّن هذا البند إرساء قاعدة جديدة تقضي بمنع المحامين من حضور التحقيقات الأولية أمام الضابطة العدلية. فقد طلب التعميم تمكين المحامين من إجراء مراجعاتهم في المخافر “من دون أن يستتبع ذلك السماح لهم بحضور التحقيقات الأولية التي تجري بمعزل عنهم”. ولم يخالف التعميم من خلال تأكيده عدم جواز حضور المحامين، فقط مطالب نقابة المحامين، إنما أيضاً أحكام القانون والمبادئ الدستورية على نحو أدى إلى إضعاف ضمانات الدفاع للمحتجزين. إلا أن مجلس النواب جاء بعد عام ليرفع هذا المنع ويفرض إلزامية حضور المحامي خلال التحقيقات الأولية.

الإصلاح التشريعي في العام 2020: توسيع لضمانات الدفاع

بتاريخ 22/10/2020، صدر القانون رقم 191 “الرامي إلى تعزيز الضمانات الأساسية وتفعيل حقوق الدفاع” بعد أن أقره مجلس النواب في 30/9/2020، وهو القانون الذي عدّل أصول المحاكمات الجزائية لا سيما المادة /47/ منه من أجل توسيع حقوق الدفاع خلال التحقيقات الأولية. ومن أهم الحقوق التي كرسها القانون: حق المشتبه فيه بالاستعانة بمحام خلال التحقيقات الأولية، وحقه بالحصول على معاينة طبية جسدية ونفسية مجانية، وحقه بمعرفة الشبهات والأدلة القائمة ضده، وإلزامية تسجيل الاستجوابات بالصوت والصورة.

استند هذا القانون في أسبابه الموجبة إلى أن الضمانات الأساسية للمشتبه فيه المكرسة في المواثيق الدولية التي صادق عليها لبنان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحق الدفاع المقدس، وأن تفعيل حقوق الدفاع يوجب تفعيل هذه الضمانات في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة. كما استند إلى المادة /11/ من اتفاقية مناهضة التعذيب التي توجب على الدولة اللبنانية أن تبقي قواعد الاستجواب قيد المراجعة المنظمة بهدف منع حدوث التعذيب وعلى توصيات لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة الصادرة في العام 2017.

انطلاقاً من هذه الأسباب، جاء القانون لتعديل المواد /32/ و/41/ و/47/ و/49/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، فعزز ضمانات الدفاع للمشتبه فيهم خلال إجراءات التحقيق الأولي سواء أجرته النيابات العامة أو الضابطة العدلية، وسواء كانت الجريمة مشهودة أو غير مشهودة. وقد سمحت هذه التعديلات للمشتبه فيه بالاستعانة بمحام خلال الاستماع إلى أقواله، وفرضتْ على النيابة العامة والضابطة العدلية تصوير التحقيقات بالصوت والصورة تحت طائلة بطلان المحضر، أي أمكانية رفضه كدليل خلال المحاكمة. وفي حال تعذر على المشتبه فيه توكيل محام لأسباب مادية، فرض القانون الاستعانة مجاناً بمحام مُكلَّف من قِبل إحدى نقابتيْ المحامين في بيروت وطرابلس.

من هذا المنطلق، شكل هذا القانون أهم الإصلاحات القانونية التي أُقرَّت مؤخراً في النظام الجزائي اللبناني تصويباً لمكامن الخلل فيه، خصوصاً في أداء قضاة الملاحقة أي النيابات العامة. فيضمن هذا الإصلاح المساواة في الأسلحة بين قضاة الملاحقة ومحامي الدفاع، بما يضع حداً للواقع السائد لدى إقراره حيث يسيطر قضاة الملاحقة على مسار التحقيق مع هامش ضيق لتدخُّل محامي الدفاع لحماية حقوق المشتبه فيهم.

وفي التفاصيل، نصت المادة /47/ المعدَّلة على حقَّيْ المشتبه فيه في “الاتصال بمحام يختاره وبأحد افراد عائلته أو بصاحب العمل او بأحد معارفه” و”الاستعانة بمحام لحضور استجوابه أو الاستماع إلى أقواله ومقابلته”، وعلى موجب الضابطة العدلية بإعلام المشتبه فيه بهذين الحقين فور احتجازه وقبل المباشرة بالاستماع إليه وتحديد موقفه من الاستفادة منها أو عدمه تحت طائلة بطلان المحضر. كما نصت على أنه “إذا تعذّر على المشتبه به أو المشكو منه تكليف محامٍ لأسباب مادية فيعيّن القاضي المشرف على التحقيق محاميا له بواسطة مندوب يعيّن خصيصاً لهذه الغاية من قبل كل من نقابتيْ المحامين في بيروت وطرابلس”.

وقد أدخل القانون ضمانتين لحسن تنفيذ هذه الحقوق: الأولى، هي إمكانية إبطال المحاضر في حال عدم تلاوة الحقين وتحديد موقفه منهما وفي حال عدم تسجيل التحقيقات، وهو ما يستتبعه عدم جواز استناد المحكمة على المحضر وإفادة المشتبه فيه كدليل للادعاء عليه أو محاكمته في حال وافقت على طلب الإبطال. والثانية، هي فتح المجال لمقاضاة قضاة النيابة العامة وعناصر الضابطة العدلية من دون إذن مسبق بالملاحقة في حال عدم مراعاتهم ضمانات المادة /47/.

لذلك، شكّل هذا القانون خطوة إصلاحية هامة وضرورية لحماية الدولة والعدالة في لبنان. فهو قدَّم ضمانات أساسية وعملية لتنفيذ الحقوق الدستورية التي غالباً ما تبقى حبراً على ورق، وأهمها حقوق الدفاع وقرينة البراءة والحماية من التعذيب والاحتجاز التعسفي والمحاكمة العادلة.


[1] قرار المجلس الدستوري رقم 3/1995 تاريخ 18/09/1955، قرار المجلس الدستوري رقم 5/2000 تاريخ 27/06/2000.

[2] الميثاق العربي لحقوق الإنسان، أُقِرّ في القمة السادسة عشرة لجامعة الدول العربية المنعقدة في تونس العاصمة في تاريخ 23/05/2004، دخل حيّز التنفيذ في 15/03/2008. وقع لبنان على الميثاق في 25/09/2006 وصادق عليه بموجب القانون رقم 1 تاريخ 05/09/2011.

[3] مبادئ الأمم المتحدة وتوجيهاتها بشأن سبل الحصول على المساعدة القانونية في نظم العدالة الجنائية، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، 28/03/2013، A/RES/67/187، الفقرة 8 (15 آذار 2022).

[4] مبادئ الأمم المتحدة وتوجيهاتها بشأن سبل الحصول على المساعدة القانونية في نظم العدالة الجنائية، المبدأ 1.

[5] مبادئ الأمم المتحدة وتوجيهاتها بشأن سبل الحصول على المساعدة القانونية في نظم العدالة الجنائية، المبدأ 3؛ المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في هافانا من 27 آب/أغسطس إلى 7 أيلول/سبتمبر 1990، المبدأ 1 (15 آذار 2022).

[6] UN Committee Against Torture (CAT), Observations of the Committee against Torture on the revision of the United Nations Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners (SMR), 16 December 2013, CAT/C/51/4, Para. 48-49, available at: https://www.refworld.org/docid/53429c014.html [accessed 14 March 2022].

[7] مبادئ الأمم المتحدة وتوجيهاتها بشأن سبل الحصول على المساعدة القانونية في نظم العدالة الجنائية، المبدأ 2.

[8] UN Committee Against Torture (CAT), Observations of the Committee against Torture on the revision of the United Nations Standard Minimum Rules for the Treatment of Prisoners (SMR), 16 December 2013, CAT/C/51/4, Para. 50, available at: https://www.refworld.org/docid/53429c014.html [accessed 14 March 2022].

[9] المادة 78 من أصول المحاكمات الجزائية.

[10] المادة 238 من أصول المحاكمات الجزائية.

[11] المادة 21 من قانون القضاء العسكري.

[12] المادة 42 من القانون رقم 422/2002 حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرّضين للخطر.

[13] UN Committee Against Torture (CAT), Concluding observations on the initial report of Lebanon, 30 May 2017, CAT/C/LBN/CO/1, Para. 17, available at: https://documents-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/G17/146/62/PDF/G1714662.pdf?OpenElement [accessed 15 March 2022].

[14] مركز المعونة القضائية والمساعدة القانونية، الموقع الإلكتروني (15 آذار 2022).

[15] المساعدة القانونية في لبنان: العوائق أمام قيام برنامج مساعدة شامل، المركز اللبناني لحقوق الانسان، 23 كانون الأول 2020 (15 آذار 2022).

[16] على سبيل المثال: المستوصف القانوني في جامعة القديس يوسف في بيروت، العيادة القانونية في جامعة بيروت العربية (15 آذار 2022).

[17] المساعدة القانونية في لبنان: العوائق أمام قيام برنامج مساعدة شامل.

[18] مبادئ الأمم المتحدة وتوجيهاتها بشأن سبل الحصول على المساعدة القانونية في نظم العدالة الجنائية، الفقرة 9، التوجيهات 11 و12 و16.

[19] مكتب المساعدة القانونية – صيدا، صفحة فيسبوك (15 آذار 2022).

[20] مكتب المساعدة القانونية – بعلبك، صفحة فيسبوك (15 آذار 2022).

[21] قانون رقم 328 تاريخ 02/08/2001 أصول المحاكمات الجزائية.

[22] غيدة فرنجية، معارك المادة 47: كيف انتزعت الانتفاضة حقوق الدفاع للمحتجزين؟ 01/10/2020، نُشر في العدد رقم 66 من مجلة “المفكّرة القانونية” – لبنان (15 آذار 2022).

[23] UN Committee Against Torture (CAT), Concluding observations on the initial report of Lebanon, 30 May 2017, Para. 17.

[24] غيدة فرنجية، نور حيدر، سارة ونسا، كيف استخدمت السلطة سلاح التوقيفات لقمع حرية التظاهر والاعتراض؟ نُشر في العدد رقم 66 من مجلة “المفكّرة القانونية” – لبنان (15 آذار 2022).

[25] عويدات يبحث والخطيب وكسبار حقوق المحتجزين، محكمة، 21/11/2019، اجتماع بين عويدات ونقابة المحامين لبحث حضور التحقيقات الأولية!، محكمة، 26/11/2019 (15 آذار 2022).

[26] التعميم رقم 104/ص/2019 تاريخ 03/12/2019 صادر عن النائب العام لدى محكمة التمييز غسّان منيف عويدات. متوفر على موقع الوكالة الوطنية للإعلام (15 آذار 2022).

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكم عسكرية ، تشريعات وقوانين ، فئات مهمشة ، لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، المهن القانونية ، قضاء ، احتجاز وتعذيب ، مساواة ، محاكمة عادلة ، المرصد القضائي ، أجهزة أمنية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية