معارك المادة 47: كيف انتزعت الانتفاضة حقوق الدّفاع للمحتجزين؟


2020-10-01    |   

معارك المادة 47: كيف انتزعت الانتفاضة حقوق الدّفاع للمحتجزين؟
رسم رواند عيسى

نشر هذا المقال ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو يتضمّن سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية. وفي هذا المقال، نبحث في كيفية استخدام القانون، وتحديداً القوانين التي تكرّس حقوق الدفاع والحماية من الإخفاء القسري، لمواجهة تعسّف السلطة بحق المنتفضين.

وقف طارق عوّاد أمام مدخل “ثكنة إميل الحلو” في شارع مار الياس ببيروت، فرّغ زجاجة من البنزين فوق رأسه وعلى ثيابه، وحاول أن يحرق نفسه. تجمهر حوله المتظاهرون ومنعوه من ذلك ثم غسلوا جسده بالماء قبل أن يسألوه عن أسباب رغبته في إحراق نفسه. فأجابهم طارق بسؤال أيضاً: “أين إبني جميل؟” فجميل كان واحداً من عشرات الشبّان الذين ألقي القبض عليهم في اليومين الأوّلين من انتفاضة 17 تشرين 2019 خلال الاحتجاجات في وسط بيروت من دون أن تسمح لهم السلطات إجراء أيّ اتصال أو مقابلة محام خلافاً لما يكرّسه القانون في المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية. قد لا يعلم طارق عوّاد بوجود هذا النص القانوني، لكنه شعر أنّه لا بدّ أن يكون هناك حق طبيعي يتيح له معرفة مكان احتجاز ابنه والاطمئنان عليه، بخاصة بعد مشاهدته على شاشات التلفزة إفراط الأجهزة الأمنية في استخدام القوة لفضّ الاحتجاجات. وبالتالي، أمام حالة عدم اليقين هذه وامتناع السلطات عن الإفصاح عن مكان احتجاز ابنه، جاء فعل طارق الصّادم بمثابة مطالبة يائسة بتطبيق المادة 47.

على الرصيف المقابل لـ”ثكنة إميل الحلو”، كان المحاميان “عبد الله” و”لور” يشاهدان طارق عوّاد غارقاً في مزيج من البنزين والماء وشعور الغضب يجتاحهما. فهما يدركان جيداً أهمية المادة 47 وما تشكّله من ضمانة أساسية للحقوق المدنية الجوهرية، كالحرية الشخصية وحقوق الدفاع وقرينة البراءة والحماية من ممارسات العنف والتعذيب وبشكل أعمّ التعسّف في استعمال السلطة. كما يعلمان مدى صعوبة إلزام القوى الأمنية بالإلتزام به على مر السنوات. دخلا إلى “ثكنة الحلو” عازمَين على خوض معركة المادة 47 مجدداً. في هذه المقالة يمثّل “عبد الله” و”لور” المحاميين اللذين سننسب إليهما تجارب مجمل المحاميات والحقوقيات ذكوراً وإناثاً والذين تطوّعوا للدفاع عن موقوفي انتفاضة تشرين، لا سيما في إطار “لجنة الدفاع عن المتظاهرين” التي تأسست بالشراكة مع “المفكرة القانونية” في العام 2015. انطلاقاً من ذلك، سنروي من خلالهما معارك جميع هؤلاء مع سلطات الاحتجاز (النيابات العامّة والقوى الأمنية) من أجل تكريس ضمانات الدفاع للمحتجزين. فبعدما كانت هذه السلطات تتلكّأ في تطبيق المادة 47، جاءت انتفاضة 17 تشرين لتبعث الروح في هذا النص القانوني والذي شكّل محور إحدى أبرز المعارك الحقوقية خلال الانتفاضة. وإذ نجحت الانتفاضة بفضل تفاعلاتها وقوة حراك المحامين فيها (وبخاصة “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين”) في كسب العديد من هذه المعارك وتالياً تحقيق مكسب حقوقي بالغ الأهمية، يبقى أنّ المعركة لا تزال مستمرّة لترسيخ هذه المكاسب وتحصينها. ولعلّ آخر مؤشّر على هذا الإنجاز، هو إقرار مجلس النوّاب في 30 أيلول 2020 قانون لتعديل هذه المادة في اتجاه يحيط تطبيقها بضمانات إضافية.

 

الجزء الأوّل: المادة 47 قبل 17 تشرين

رسم رواند عيسى

 

رواية المادة 47: ما أهميّتها في ضمان حقوق الدفاع؟

تشكّل المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية حجر الأساس لحق الدفاع المقدّس الذي يعدّ من دون مجال للشكّ أحد الحقوق الطبيعية والدستورية والدولية. فهو النصّ القانوني الصريح الذي يكرّس الحدّ الأدنى من الضمانات لأيّ شخص مشتبه فيه بارتكاب جريمة، بدءاً من اللحظة الأولى لاحتجازه وطيلة فترة التحقيقات التي تقوم بها الضابطة العدلية، أي القوى الأمنية التي تحقق في الجرائم خلال المرحلة الأولى من الملاحقة الجزائية. وتفرض المادة 47 على هذه القوى واجب إبلاغ المحتجز بحقوقه، كما تفرض تسهيل ممارستها من قبله. ومن أهم هذه الحقوق والضمانات[1]:

  • منع الضابطة العدلية من احتجاز المشتبه فيه إلّا بقرار من النيابة العامّة ضمن مهلة لا تزيد على 48 ساعة، يمكن تمديدها لمدّة مماثلة فقط بناءً على موافقة النيابة العامّة،
  • الحق في التزام الصمت وعدم إكراه المشتبه فيه على الكلام (وتالياً حقّه في عدم تقديم أدلّة ضد نفسه)،
  • الحق في الاتصال بأحد معارفه أو بمحام (وتالياً إعلامهم بتوقيفه ومكان احتجازه)،
  • الحق في مقابلة محام يعيّنه المحتجز بتصريح يدوّن على المحضر بدون الحاجة إلى وكالة (وتالياً الحصول على استشارة قانونية)،
  • الحق في الحصول على معاينة طبية (وتالياً معاينة الحالة الصحيّة وتوثيق آثار العنف في حال وجودها).

هذه الضمانات ليست شكليّة. فضمان احترامها هو الذي يمكّننا من ممارسة حقوقنا في الدّفاع عن النفس وبخاصة حيال ممارسات الاستضعاف والاستفراد خلال مرحلة التحقيقات الأوّلية، كلّما قرّرت السلطة، من خلال النظام الجزائي، بسط يدها على أجسادنا وحرماننا من حريّتنا الشخصيّة المحميّة بموجب المادة 8 من الدّستور. فهذه الضمانات تشكّل أهمّ الوسائل القانونية لحماية حقّنا في قرينة البراءة (المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) ولمنع جرائم الإخفاء القسري وحجز الحرية وأعمال التعذيب والإكراه، كما ولكسر العزلة الجسدية والمعنويّة التي تنتج عن احتجازنا.

وإذْ دخلت هذه المادة إلى النظام القانوني في لبنان في سياق التعديل الشامل لقانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الذي حصل في سنة 2001، فإنّ الانقسام حول هذا القانون وضمناً هذه المادة شكّل في ظل الانقسام السياسي آنذاك، إحدى أبرز المعارك السياسية-القانونية لمواجهة سطوة الوصاية السورية والقوى السياسية المهيمنة على القضاء. وقد تمحورت المعركة حول أمرين أساسيين: الأوّل، هو الحد من صلاحيات النيابة العامة التمييزية المتنامية التي اتخذت دوراً محورياً في زمن الوصاية،[2] والثاني هو ضبط عمل الضابطة العدلية منعاً لتجاوزاتها المستمرّة لحدود السلطة والتي أدّت إلى انتهاكات متكرّرة وجسيمة لحقوق الناس وحريّتهم، ومن ضمنها أعمال التعذيب.

قبل العام 2001، لم يكن للضابطة العدلية الحق في استجواب المشتبه فيهم إلّا في بعض الحالات الاستثنائية (الجنايات المشهودة)، حيث كانت هذه الصلاحية محصورة بقضاة النيابة العامة. أكثر من ذلك، منعت المادة 47 القديمة هؤلاء القضاة من تكليف الضابطة العدلية بإجراء الاستجوابات،[3] ولم يكن القانون ينصّ على ضمانات واضحة لحقوق المحتجزين في الدفاع. وقد رأى الفقهاء أنّ السبب الذي منع المشترع من تكليف الضابطة العدلية استجواب المشتبه فيهم هو تحديداً غياب الضمانات اللازمة التي تحمي حقوقهم في الدفاع عن أنفسهم في هذه المرحلة الأوّلية، لا سيما في غياب محام يقف إلى جانبهم.[4]

لكن ورغم الإطار القانوني السائد آنذاك، درجت ممارسات قضائية على تكليف الضابطة العدلية بإجراء التحقيقات الأوّلية في العديد من القضايا (ومن ضمنها الجرائم غير المشهودة) نظراً لتطوّر المجتمع واحتياجاته، مما أدّى إلى قيام نظام عرفي غير مستقر ومن دون أيّة ضوابط وخارج أيّ نصّ قانوني يستند بشكل واسع إلى انتزاع الاعترافات بوسائل إكراه وعنف وصولاً إلى التعذيب. آنذاك، اعترض الحقوقيون على هذه التجاوزات والتعديات الجسيمة على الحقوق المدنية، وأبرزهم “الجمعية اللبنانية لحقوق الانسان” التي أسّسها الثنائي الرّاحل لور وجوزيف مغيزل، ويصادف أنّ مقرّ “المفكرة” كان يقع في الشارع الذي مُنح اسمهما في منطقة بدارو في بيروت.

في هذا السياق، جاء قانون العام 2001 لإقرار ضمانات المادة 47 الجديدة مقابل تشريع صلاحيات الضابطة العدلية في التحقيق بالجرائم وبهدف “التوفيق بين حقوق الفرد التي كرّسها الدستور اللبناني وبين حقوق المجتمع في الأمن والاستقرار والعيش بطمأنينة”، وفقاً لأسبابه الموجبة. من هذا المنطلق واستناداً الى إرادة المشترع، بات حق الضابطة العدلية في استجواب المشتبه فيهم وقفاً على التزامها بالمادة 47 لضمان الحد الأدنى من حقوق الدفاع.

هذا ما أكّد عليه صراحةً المجلس الدستوري في قراره رقم 4/2001 حين ردّ الطعن المقدّم من مجموعة من النوّاب في شقّه المتعلّق بمواد القانون الجديد التي مدّدت مهلة الاحتجاز على ذمّة التحقيق من 24 ساعة إلى 48 ساعة. فقد برّر المجلس قراره بأنّ التمديد لا يشكّل مخالفة للحقوق الأساسية “طالما أنّ هذا التمديد لا ينفي الضمانات التي وضعها المشترع صوناً لحقوق المشتبه بهم وحفاظاً على قرينة البراءة التي ترافقهم حتى مراحل انتهاء المحاكمة”،[5] مضيفاً أنّ “كل خروج على القانون وتجاوز له في معاملة المشتبه بهم، مهما كانت مدة التوقيف الاحتياطي، إنّما يشكل جرماً يعاقب عليه القانون”. وبالفعل، نصّ المشترع صراحة أنّ مخالفة الأصول المتعلّقة بالاحتجاز، ومن ضمنها الأصول والضمانات المفروضة بموجب المادة 47، تشكّل جريمة حجز الحرية المنصوص عليها في المادة 367 من قانون العقوبات والتي تعاقب بالأشغال الشاقة الموقّتة “كل موظف أوقف أو حبس شخصاً في غير الحالات التي ينصّ عليها القانون”.

 هكذا إذاً نشأت مؤسّسة المادة 47 انطلاقاً من إرادة المشترع بحماية حقوقنا المدنية مع تأكيد المجلس الدستوري على أنّ أيّ مخالفة لها هو جرم يعاقب عليه القانون “إذ لا حصانة لأحد عند خرقه القانون في ممارسة عمله، وعلى الأخصّ إذا كان هذا العمل يتعلّق بالتحقيق مع المشتبه”. لكن هل تقيّدت سلطات الاحتجاز من نيابات عامّة وأجهزة أمنيّة بتطبيقه؟

 

المادة 47 في اليومين الأوّلين من الانتفاضة: حبر على ورق

أغلق المحامي “عبد الله” جهاز التلفزيون في غرفته الذي ينقل التظاهرات مباشرة من ساحات الاحتجاج في وسط بيروت. أثار مشهد العناصر الأمنية وهي تسحل أحد المتظاهرين على أرض ساحة رياض الصلح مشاعر الغضب والرّفض لديه. وما زاد من غضبه الصّورة التي أرسلتها له زميلته المحامية “لور” من خلال “واتساب” لعشرات الشبّان الممدّدين على بطونهم، واحداً إلى جانب الآخر، على طريق فرعية في وسط بيروت، وأياديهم مكبّلة خلف ظهورهم، وجزمة عسكرية بالقرب من رؤوسهم. كانت تلك الصورة كافية لتُرشده إلى ما عليه فعله. اتّصل بـ”المفكرة” وسألها عن الخط الساخن الذي كان في خدمة “لجنة الدفاع” في العام 2015. فاجأه الجواب بأنّ الاتّصالات قد بدأت ترد على رقم الخط الساخن. بالفعل، فبدءاً من 18 تشرين الأوّل 2019، انهالت الاتصالات من عائلات الموقوفين ومن المتظاهرين بعد مشاهدتهم لعمليات إلقاء القبض على المتظاهرين التي طالت أكثر من 129 متظاهراً في اليومين الأوّلين لاندلاع الانتفاضة. تشابهت معظم الاتصالات التي تناولت كمّا هائل من المخالفات القانونية: تعرّض المتظاهرون للضرب العنيف والمفرط من قبل قوى مكافحة الشغب والجيش، والتوقيفات العشوائية والتعسّفية، وعدم التصريح عن مكان احتجاز المتظاهرين لأفراد أسرهم الذين قضوا يومين يتنقّلون من مخفر إلى آخر بحثاً عن أولادها المحتجزين والمصابين كما حصل مع طارق عوّاد.

قرر “عبد الله” و”لور” أن يتجنّدا مجدداً للدفاع عن الموقوفين من المتظاهرين ولخوض معركة المادة 47. فقد تميّز حراك المحامين خلال الانتفاضة، أسوة بما حصل في العام 2015،[6] بالعمل الجماعي المنسّق لمواكبة الاحتياجات القانونية للشعب المنتفض. وتعاون هؤلاء المحامون مع نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس واتّحاد حماية الأحداث وعدد من المنظمات الحقوقية بالإضافة إلى مجموعات 17 تشرين المختلفة، بما شكّل حراكاً حقوقياً واسعاً لضمان حقوق المحتجزين ونموذجاً عن تسخير الطاقات المهنية الطوعية للدفاع عن الناس.

في 18 تشرين الأوّل 2019، اتفق المحاميان “عبد الله” و”لور” على اللقاء في مخفر وسط بيروت (البرج سابقاً) بهدف مقابلة الموقوفين كما تنصّ عليه المادة 47. توجّه عبد الله بسيارته إلى المخفر لكنه اصطدم بتسكير معظم طرقات العاصمة من قبل بعض المنتفضين في محاولة منهم لاستعادة بعض من الفضاء العام من السلطة. تذكرّ أنّ جارته “نزهة” كانت قد اقتنت دراجة نارية قبل أسابيع قليلة، اتصل بها واستغرب موافقتها السريعة على السماح له باستعارة الدراجة: “هؤلاء يدافعون عنّا جميعاً”، شرحت له، “أقلّ ما يمكنني أن أفعله هو مساعدتك للدفاع عنهم”. استقلّ عبد الله الدراجة النارية، تجاوز مستوعبات النفايات المشتعلة التي استخدمها بعض الشبّان لإغلاق الطرقات، ورائحة الحرائق تمتزج بنسمة تشرين الخريفية، وذهب للقاء “لور”. على مدى عدة ساعات، تنقّل “عبد الله” و”لور” بين مخافر العاصمة، لكنهما ووجها بالرفض في كل مخفر: رفضت قوى الأمن الداخلي السماح لهما بمقابلة المحتجزين أو إعطاءهما أيّة معلومة عنهم، كما رفضت تسليمهما لائحة بأسمائهم كما كان العرف السائد في العام 2015.

كاد “عبد الله” و”لور” أن ييأسا قبل أن يرد اتّصال من عمّ عبد الله، أبو ثائر (اسم مستعار) أعلمه فيه بأنّ ثائر قد أوقف مع المتظاهرين وهناك معلومات تشير إلى أنّه نُقل إلى “ثكنة إميل الحلو” في مار الياس. تذكّر عبد الله أنّ ثائر كان قد نظّم له وكالة قضائية على أثر توقيفه خلال احتجاجات العام 2015. يعلم عبد الله أنّ المادة 47 لا تفرض وجود وكالة قضائية لكي يتمكّن المحتجز من مقابلة محامٍ بل على العكس تماماً تنصّ صراحة على عدم اشتراطها، لكنه ظنّ أنّ الوكالة قد تنجح في كسر رفض قوى الأمن الداخلي بعدما أغلقت أبواب المخافر أمامه وأمام المتظاهرين المحتجزين. سارع إلى مكتبه على متن الدراجة باحثاً عن طرقات فرعية لا تزال مفتوحة. أخذ نسخة من الوكالة وتوّجه سريعاً إلى الثكنة حيث كانت لور بانتظاره.

مرّ “عبد الله” و”لور” بين حشد المتظاهرين الذين يحاولون منع طارق عوّاد من إحراق نفسه، ودخلا إلى الثكنة لخوض معركة المادة 47 ومعهما الوكالة التي يحملها عبد الله بيده. التقيا بالمسؤول المعني في الثكنة وطلبا منه مقابلة ثائر. لكنهما فوجئا بردّ المسؤول: “لا يحق للموقوف مقابلة محام، يحق له فقط أن يدوّن اسم المحامي على المحضر”. إذاً، بالنسبة للضابطة العدلية، تقتصر موجباتها وفقاً للمادة 47 على إعلام الموقوف أنّ لديه حقوقاً نظرية من دون السماح له بممارستها، وكأنّ القانون والمادة 47 نظريات لا تقبل التطبيق.

رفع عبد الله نظره إلى الحائط إلى جانب مكتب المسؤول حيث علّقت لوحة خشبية كبيرة حُفر عليها: “المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية: “يتمتع المشتبه فيه أو المشكو منه، فور احتجازه لضرورات التحقيق، بالحقوق الآتية: (…) مقابلة محام يعيّنه بتصريح يدوّن على المحضر دون الحاجة إلى وكالة منظمة وفقاً للأصول”. أشار بيده إلى اللوحة وقال للمسؤول: “إقرأ القانون! القانون يسمح للمحتجز بمقابلة محام!” ولكن من دون جدوى. كرّرت “لور” هذه الكلمة الجوهرية عدة مرّات: “مقابلة! مقابلة!” بدون جدوى أيضاً. فالحق في مقابلة محام للحصول على استشارة قانونية، كان بالنسبة لقوى الأمن الداخلي، حبراً على ورق على غرار العديد من الحقوق الأساسية التي عطّلتها السلطة وانتفض المجتمع من أجل المطالبة بها. تواصل “عبد الله” و”لور” مع النائب العام التمييزي، بعدما نما إليهما أنه حصر بيده صلاحية التحقيقات مع موقوفي التظاهرات منذ اندلاع الانتفاضة، فوعدهما بالإفراج عن الموقوفين قريباً من دون الالتفات إلى مخالفة المادة 47.

 

تعطيل المادة 47: المخافر مراكز نفوذ بدلاً من مراكز تحقيق عادلة

هكذا، بدا واضحاً في بداية الانتفاضة أنّ النيابات العامّة والضابطة العدلية تستمرّ في الانقلاب على القوانين وفي تعطيل النصوص والضمانات القانونية التي تحمي الناس في وجه السّلطة وتعسّفها. وكما هي الحال بشأن معظم المحظورات، يعني إغلاق المخافر على المحتجزين وأمام المحامين عمليّاً حصر الدخول إليها بأصحاب النفوذ ووكلائهم الذين يتمكّنون من التواصل مع النائب العام أو الضابط المسؤول عن مركز الاحتجاز وإقناعهم بالسماح لهم بمقابلة المحتجزين. هكذا، كانت ممارسة المحتجز لحقوقه مرهونة بموقعه الإجتماعي والإقتصادي والسياسي من دون أن تشكّل حقاً مكتسباً للجميع على قدم المساواة من دون أي تمييز.

رغم وضوح نصّ المادة 47 حول وجوب ممارسة المحتجز لحقوقه “فور احتجازه”، لطالما فسّرت سلطات الاحتجاز هذا النص بشكل مخالف لصراحته: تجاهل الجيش والأمن العام وأمن الدولة المادة 47 بشكل شبه تامّ. أما قوى الأمن الدّاخلي، فغالباً ما أخّرت ممارستها لغاية انتهاء التحقيقات وفقاً لتقديرها لمدى خطورة الجريمة المشتبه بارتكابها. وهي تمسّكت بهذه الممارسات المخالفة للقانون رغم اعتراضات الحقوقيين والمعنيين بالعدالة الجزائية، لا سيّما خلال جلسات النقاش التي شاركت فيها “المفكرة” مع مسؤولين في قوى الأمن الداخلي، آخرها قبل أقلّ من شهر من اندلاع انتفاضة تشرين.

في المقابل، لم تتحرّك النيابات العامّة لفرض تطبيق المادة 47 في أماكن التحقيق والاحتجاز كسياسة عامّة، بل أبقت ممارسة الحقوق مرهونة بقراراتها الاعتباطية وفقاً لما ترتئيه في كلّ حالة، ضاربة عرض الحائط مبدأ المساواة في ممارسة حق الدفاع. وحين خاضت “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” معركة المادة 47 خلال حراك النفايات في العام 2015، لم يتردّد مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية آنذاك القاضي صقر صقر في تبرير رفضه لتطبيق المادة 47 بالضرورات الأمنية، وبالتصريح لمحامي الدفاع أنّ ضمانات الاحتجاز لا تطبّق إلّا بعد انتهاء التحقيقات الأوّلية، وليس “فور الاحتجاز” كما ينصّ عليه القانون.

بموازاة ذلك، غالباً ما رفضت المحاكم الجزائية ترتيب أيّ نتائج قانونية على مخالفة الضابطة العدلية لضمانات الاحتجاز، بخاصة نظراً لصعوبة إثبات حصول هذه المخالفة. وعليه، نادراً ما وافقت المحاكم على إبطال محاضر التحقيقات الأولية في الحالات التي لم تلتزم الضابطة العدلية فيها بتطبيق المادة 47. هكذا، ورغم التغيير القانوني الحاصل في العام 2001، استمرّت المنظومة القضائية-الأمنية في التعدّي على حقوقنا المدنية خلال التحقيقات الأولية بمنأى عن أيّ محاسبة.

 

الجزء الثاني: الانتفاضة تقلب معادلة المادة 47 لدى الضابطة العدلية العادية

رسم رواند عيسى

 

انخراط نقابة المحامين في معركة المادة 47

انقلبت المعادلة بعد انتخاب المحامي ملحم خلف على رأس نقابة المحامين في بيروت. فالنقيب خلف، الذي كان من المحامين المتطوّعين للدفاع عن المتظاهرين في العام 2015، أدخل النقابة رسمياً في معركة المادة 47. في 19 تشرين الثاني 2019 أي بعد شهر على اندلاع الانتفاضة، رفضت الضابطة العدلية السماح للمحامين بالدخول إلى “ثكنة الحلو” مجدداً لمقابلة 12 متظاهراً ألقي القبض عليهم خلال اعتصام في وسط بيروت. في ساعة متأخّرة من الليل، حضر النقيب خلف إلى الثكنة ودخل إليها برفقة المحامين لمقابلة المحتجزين. وبعد خروجه، أعلن عبر مكبّر الصوت للمحامين وللمتظاهرين أمام الثكنة: “لن يغلق أيّ مكان أمام محامٍ!”

بالطبع، لا يشكّل الدّخول إلى المخافر حقّاً مرتبطاً بمهنة المحاماة فحسب، بل هو حق يستمدّه من يملك صفة المحامي من الحقوق الطبيعية التي يتمتّع بها أيّ إنسان يفقد حريّته الشخصية ويتمّ عزله عن المجتمع من قبل السلطة التي تحتكر استخدام القوّة بهدف حماية هذا المجتمع. ويؤدّي فتح أبواب المخافر أمام المحامين إلى فتح نافذة للمحتجزين، قد تكون صغيرة، إلّا أنّها بالغة الأهمية كونها تسمح بحماية كرامتهم والدفاع عن حقوقهم في وجه تعّسف السلطة، كما تسمح بخضوع هذه الأماكن المغلقة لرقابة المجتمع الذي تزعم السلطة حمايته.

بعد أقّلّ من أسبوع، تعرّض أحد المحامين لحجز حريّته بشكل تعسّفي أسوة بمتظاهرين آخرين. ففي 25 تشرين الثاني 2019، أوقف الجيش المحامي دافيد عكره خلال مشاركته في تظاهرة في منطقة الذوق[7] من دون أن يسمح له بالاستفادة من حقوق الدفاع المضمونة بموجب المادة 47 وقانون مهنة المحاماة. على إثر ذلك، أصدر النقيب خلف بياناً يدين فيه مخالفة المادة 47 كون عكره “اعتُقل واقتِيد وأُبقي مكبّلاً لفترة أربع ساعات ولم يُسمح له بإجراء أيّ إتصال لا بنقابة المحامين ولا بذويه ولا بزملائه (…) كما صُودِر هاتفه الخليوي وسُحبت منه البيانات الشخصية عنوةً عنه وإستُمِع إلى إفادته مباشرةً بدون أنْ يُحْضَر أمام النائب العام كما تقتضيه الأُصول وتعاميم النيابة العامة التمييزية”.[8] وقد اعتبر البيان أنّ هذه الأفعال تشكّل مخالفات قانونية للحرية الشخصية المحميّة بموجب المادة 8 من الدستور وللمادة 47 ولقانون المعاملات الإلكترونية. لم يحدّد البيان ما هي الجهة التي ارتكبت هذه المخالفات لكن عكره كان قد اقتيد إلى مركز مخابرات الجيش في “ثكنة ريمون حايك” في صربا، وهذا ما سنعود إليه في الجزء الثالث من هذه المقالة.

 

… وانتزاع تعميم من النيابة العامّة التمييزية

على إثر مطالبات نقابة المحامين في بيروت،[9] أصدر النائب العام التمييزي غسان عويدات تعميماً بتاريخ 3/12/2019 يهدف إلى تعزيز حقوق المحتجزين. رغم تضمّنه بعض الثغرات، شكّل هذا التّعميم سلاحاً قانونياً هامّاً انتزعته الانتفاضة ليس فقط لفائدة المنتفضين والمتظاهرين، بل لفائدة جميع المقيمين على الأراضي اللبنانية كون النيابة العامة التمييزية تشرف على أعمال الضابطة العدلية العادية والعسكرية. ذكّر التعميم بالضمانات لحقوق المشتبه فيهم التي تنص عليها المادة 47 لا سيّما أنّه “لا يمكن إكراهه على الكلام تحت طائلة بطلان إفادته، كما لا يمكن احتجاز حريّته إلّا بقرار من النيابة العامة، كما يجب إبلاغه فور احتجازه بحقوقه”.[10] وتضمّن التعميم ثلاثة بنود موجّهة إلى الضابطة العدلية:

البند الأوّل تمثّل في “تمكين المحامين من تأدية رسالتهم وتمكينهم من القيام بمراجعاتهم على وجه السرعة لمجرد إبراز بطاقة انتسابهم إلى النقابة”. بذلك، أصبح للمحتجزين والمحامين قرارٌ يذكّر الضابطة العدلية بوجود القانون وبإلزامية تنفيذه، مما يسهّل عمليات التفاوض مع المخافر بمعزل عن موازين القوى التي تحكم إمكانية الدخول إلى المخافر ومقابلة الموقوفين. وأوضح التعميم أنّ هدف هذه المقابلة هو لتقديم الاستشارة القانونية، حيث ذكّرت المقدّمة بوجوب إعلام المشتبه فيه “فور احتجازه إمكانية مقابلة محام مع ما يستتبع ذلك من تبادل للمعلومات بينه وبين وكيله حول الجرم المنسوب إليه”. تجدر الإشارة إلى أنّ التعميم أبقى على بعض الغموض حول توقيت هذه المقابلة وضرورة حصولها فور الاحتجاز كونه اعتمد عبارة “المراجعة على وجه السرعة” بدلاً من “المقابلة فور الاحتجاز”.

لكن أخطر ما تضمّنه هذا البند هو إرساء قاعدة منع المحامين من حضور التحقيقات الأوّلية أمام الضابطة العدلية. فقد طلب التعميم تمكين المحامين من إجراء مراجعاتهم في المخافر “من دون أن يستتبع ذلك السماح لهم بحضور التحقيقات الأولية التي تجري بمعزل عنهم”. ولم يخالف التعميم من خلال تأكيده على عدم جواز حضور المحامين للتحقيقات الأولية، فقط مطالب نقابة المحامين، إنما أيضاً أحكام القانون والمبادئ الدستورية على نحو أدّى إلى إضعاف ضمانات الدفاع للمحتجزين. فلا يمنع القانون ذلك صراحة، بل على العكس يتّجه عدد من الآراء الفقهية، ونحن منهم، على تفسير القانون على نحو يسمح للمحامين بحضور هذه التحقيقات من خلال عطف المادة 40 على المادة 32 من أصول المحاكمات الجزائية.[11] وتستند هذه القراءة إلى مبدأ التفسير الضيّق للنصوص القانونية التي تقيّد الحقوق الدستورية (هنا حقوق الدفاع والحرية الشخصية وقرينة البراءة) بهدف تأمين أوسع الضمانات لحمايتها. ولطالما شكّلت هذه المسألة محلّ نقاشات حادّة مع قوى الأمن الداخلي التي كانت تصّرّ على المنع، لا سيما خلال نقاشاتها مع نقابة المحامين و”المفكرة”. فقد جاء تعميم النائب العام التمييزي لحسم هذا النقاش خلافاً للقانون وبما يعاكس مصلحة المشتبه فيهم والعدالة.

البند الثاني في التعميم قضى بـ”عدم تفريغ المعلومات والبيانات الشخصية عن الهواتف العائدة للمشتبه فيهم إلّا بعد أخذ إشارة النيابة العامّة المختصّة”، وهي من الضمانات الأساسيّة لحماية الحقّ الدستوري في الخصوصيّة وعدم التعرّض للحياة الخاصّة نظراً للكمّ الهائل من المعلومات التي تخزّنها هواتفنا. لم يستند هذا البند من التعميم إلى أيّ نص قانوني، إلّا أنّه يجد سنداً له في قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81 الصادر في 10/10/2018. هذا القانون كان قد أدّى عمليّاً إلى نقل صلاحية تفتيش الهواتف خلال التحقيقات الأوّلية من قاضي التحقيق في حالات الضرورة القصوى[12] إلى النيابة العامّة من دون أي ضوابط،[13] فجاء ليكرّس ممارسات مخالفة للقانون بدلاً من الحدّ منها، وشكّل تراجعاً في الحماية التشريعية للحقّ الدستوري بعدم التعرّض للخصوصيّة الفردية خلافاً للمبدأ الدستوري بعدم جواز التخفيض والتقليص من الضمانات الدستورية.

تجدر الإشارة إلى أنّ النيابة العامة التمييزية كانت في العام 2016 قد رفضت من دون أيّ تبرير طلب “المفكرة” منها وضع ضوابط لتفتيش الهواتف تفادياً لتجاوز الضابطة العدلية حدود سلطتها.[14] فجاءت الانتفاضة لتنتزع هذه الضمانة الأساسية للحقّ في حماية الحياة الخاصة وحقوق المشتبه فيهم خلال التحقيقات الجزائية. كما يتبيّن أنّ التعميم اكتفى بمنع “تفريغ المعلومات والبيانات” من الهواتف من دون أن يعتمد صيغة منع “الإطلاع” أو “تفتيش” الهواتف، رغم أنّها من أبرز الانتهاكات التي يتعرّض لها المشتبه فيهم خلال التحقيقات. فقد جرت العادة أن تطّلع الضابطة العدلية على مضمون هواتفنا من دون إعلام النيابة العامة بذلك ومن دون تدوين الإجراء على المحضر، مكتفية بمواجهة المشتبه فيهم بالمعلومات الواردة على هواتفهم من أجل انتزاع اعترافات حول هذه الوقائع خلافاً للقانون.

وأخيراً، تضمّن التعميم بنداً ثالثاً يتعلّق بالمحامين الذين يحضرون التحقيقات عن الجهة المدّعية وقضى بعدم الاستعلام عنهم من مكتب التحرّيات (أي طلب النشرة) ويهدف إلى ضمان عدم التعرّض للمحامي في إطار ممارسته لمهام الدفاع عن موكليه.

 

تفعيل الحق في مقابلة المحامي لدى الأمن الداخلي: سلاح بيد المتظاهرين

رغم قصوره، أدّى تعميم النيابة العامّة التمييزية وانخراط نقابة المحامين في بيروت في معركة المادة 47 إلى ترجمة إيجابية لدى قوى الأمن الداخلي في اتجاه تمكين المشتبه بهم الموقوفين من ممارسة حقوقهم. وإذ تستمر بعض النيابات العامّة والمخافر في عرقلة حق المحتجزين في الاتصال بعائلاتهم ومقابلة محام فور احتجازهم، بخاصة من خلال تأخير ممارسة هذه الحقوق أو فرض الحصول على موافقة صريحة من النائب العام قبل السماح بمقابلة محام، إلّا أنّ التعميم شكّل سلاحاً إضافياً في المفاوضات مع المخافر من أجل فرض تنفيذ القانون. على سبيل المثال، بعد أن رفضت إحدى قضاة النيابة العامة في الجنوب السماح لمحامية من “لجنة الدفاع” بمقابلة ثلاثة شبّان كانوا محتجزين في أحد مخافر صيدا في شباط 2020 بشبهة تخريب واجهات المصارف، عادت وتراجعت عن قراراها من تلقاء نفسها استناداً إلى تعميم النيابة العامّة التمييزية. وفي بعض الحالات، اضطرّ المحامون لمراجعة نقابة المحامين من أجل تأمين دخولهم إلى مراكز التحقيق بعد رفض مكاتب الأمن الداخلي ذلك. على سبيل المثال، بعدما رفضت شعبة المعلومات في أيّار 2020 السماح للمحامين مقابلة المحتجزَيْن وضّاح غنوي ومحمود مروّة اللذين ألقي القبض عليهما على خلفية وضع عبوة في أحد المصارف، تدّخلت نقابة المحامين في بيروت لفرض دخول المحامين إلى الشعبة، وهي المرّة الأولى التي سُمح فيها لموقوفي الانتفاضة بمقابلة محامٍ خلال التحقيقات الأوّلية لدى شعبة المعلومات.

هكذا تمّسك المحاميان “عبد الله” و”لور” بهذا التعميم وعملا على فرض تطبيقه من خلال دفاعهما عن موقوفي التظاهرات، استناداً إلى قناعتهما بأنّ ذلك سيساهم في ضمان حقوق جميع المحتجزين في لبنان مهما كانت أسباب توقيفهم وظروفها. عمل المحامون بشكل خاصّ على فرض الالتزام بالمادة 47 في إطار التوقيفات الجماعية التي طالت أكثر من 220 متظاهرة إناثاً وذكوراً أوقفوا في بيروت بين كانون الأوّل 2019 وشباط 2020. تمكّن معظم هؤلاء الموقوفين من الاتّصال بعائلاتهم خلال الساعات الأولى لتوقيفهم. لكن موقوفي إحدى التظاهرات في وجه المصارف في منطقة الحمرا (14 كانون الثاني 2020) حرموا من إجراء أيّ اتّصال لأكثر من 24 ساعة بعد قرار النيابة العامّة التمييزية إحالة التحقيقات إلى شعبة المعلومات. وهو ما أدّى إلى حالة من القلق والغضب لدى الأهالي والمتضامنين معهم شبيهة بما حصل خلال التوقيفات في اليومين الأوّلين للانتفاضة.

استجاب “عبد الله” و”لور” سريعاً خلال هذه التوقيفات الجماعية للمتظاهرين من أجل ضمان حسن تنفيذ المادة 47. دخلا إلى مخافر بيروت وتمكّنا من مقابلة المحتجزين داخل نظارات الاحتجاز أو في غرف الانتظار وتقديم الاستشارات القانونية لهم. وبدا واضحاً لهما مدى أهمية حصول المحتجزين على هذه الاستشارات فور احتجازهم إنفاذاً لنص المادة 47.

خلال لقائهما بالمحتجزين، قدّم “عبد الله” و”لور” استشارات جماعية ونصائح قانونية حول حقوقهم وإجراءات التوقيف والتحقيق، وهي معظمها معلومات قانونية قد تبدو بديهية للقانونيين لكنها ليست كذلك لسواهم. على سبيل المثال، أعلمهم عبد الله بحقهم في التزام الصمت، لكن معظمهم أصرّوا على الإدلاء بإفاداتهم سواء لقناعتهم بعدم ارتكابهم أي جريمة أو لقناعتهم بأنّ أفعالهم تقع في إطار ممارستهم للعمل السياسي المعارض ولحقّهم المشروع في الدفاع عن أنفسهم في وجه سلطة نهبت أموال المجتمع وتسبّبت بالإنهيار. أصرّت “لور” على المحتجزين أن يقرأوا إفاداتهم ويتأكّدوا من صحّتها ودقتّها قبل التوقيع عليها لأن توقيعهم يجعل منها مستنداً رسمياً من الصّعب إثبات عكسه. وعندما وجدا آثار العنف على العديد منهم، أكّدا عليهم أنّ من حقّهم طلب المعاينة الطبية لإثبات تعرّضهم للعنف وأنهم غير ملزمين بدفع تكاليف هذه المعاينة. وتأكّد عبد الله أنّ الضابطة العدلية سمحت للجميع بإجراء اتّصال هاتفي بأحد معارفهم، وأصرّ على السماح لهم بمعاودة الاتّصال عند فشل المحاولة الأولى. فالحق في الاتّصال يفترض إجراءه فعليّاً والتمكّن من التواصل مع أحد المعارف خارج مركز التوقيف، ولا يمكن أن يقتصر على محاولة الاتّصال كما جرت العادة من قبل الأجهزة الأمنية كون هذه الممارسة تفرّغ الحق من مضمونه. أعلمهم عبد الله أيضاً بمواد الإدّعاء التي قد تساق بحقهم وطبيعة الجرائم والأدلّة التي قد تطالها التحقيقات. كما أعلمتهم “لور” بأنّ تفتيش الهواتف يشترط وجود قرار قضائي ونصحتهم بالتثبت من وجود قرار مماثل، وإلّا يعتبر التفتيش باطلاً ولا تعتدّ به المحاكم. وأكّدا لهم أنّ التحقيقات تجري تحت إشراف قضاة النيابة العامة إذ لا تملك الضابطة العدلية القرار بإبقائهم قيد الاحتجاز أو بتركهم، وهو أمر لا يدركه العديد من الناس طالما أنّ تواصل الضابطة العدلية مع قضاة النيابة العامة يجري شفهياً على الهاتف.

أثبتت هذه التجارب أهمّية حصول هذه الاستشارات القانونية قبل بدء التحقيقات مع المشتبه فيهم وليس بعد الانتهاء من تدوين إفادتهم. وأظهرت المقابلات التي أجرتها “المفكرة” مع المحتجزين بعد الإفراج عنهم أنّ حصولهم على الاستشارة القانونية قبل بدء التحقيقات كان له أثر إيجابي وشكّل سلاحاً قانونياً هامّاً للدفاع عن أنفسهم وممارسة حقوقهم المنصوص عليها في المادة 47. على سبيل المثال، أفاد العديد من المحتجزين الذين تلقّوا استشارات قبل التحقيق معهم أنّهم أدلوا بإفادتهم بثقة نظراً لمعرفتهم بحقوقهم وبالتّهم التي قد تُنسب إليهم وبمسار إجراءات التحقيق التي ستتبع معهم. وأفاد بعض الموقوفين الأجانب (ومعظمهم أبناء لبنانيات) أنهم لم يتأثروا بادّعاء المحققين بأن القانون يمنعهم من التظاهر في لبنان بعدما كان المحامون قد أعلموهم أنهم يتمتعون بحق التظاهر أسوة باللبنانيين. وعبّر عموم المحتجزين عن شعورهم بالارتياح لدى رؤية المحامين، بما يؤشّر إلى أنّ ثمة من يعلم بتوقيفهم ومكان احتجازهم، وأنّ احتجازهم هو إجراء رسمي وليس خارجاً عن رقابة القضاء.

وتبيّن أثر الحصول على الاستشارة القانونية قبل التحقيق بشكل خاص عندما أخّرت الضابطة العدلية ممارسة هذا الحق إلى ما بعد انتهاء التحقيقات مع أكثر من 43 شخصاً ألقي القبض عليهم في إحدى التظاهرات في محيط مجلس النواب (تظاهرة “سبت الغضب” في 18 كانون الثاني 2020). في تلك الليلة، انتظر “عبد الله” و”لور” ساعات عدّة قبل السماح لهما بمقابلة المحتجزين رغم وصولهما إلى الثكنة قبل نقل الموقوفين إليها. كانت معالم الإرهاق بدأت تظهر على وجهيهما على إثر ارتفاع أعداد الموقوفين والمصابين خلال ما سميّ بـ”أسبوع الغضب” بسبب إفراط قوى الأمن في استخدام القوّة وإجرائها توقيفات جماعية طالت أكثر من 167 متظاهراً. أمضى “عبد الله” و”لور” طيلة الأسبوع يجولان على مخافر بيروت لمقابلة المحتجزين ويتواصلان مع النائب العام التمييزي والمسؤولين من الضابطة العدلية لمتابعة توقيفهم. لم يقتصر دورهما على ضمان حسن تنفيذ المادة 47 ومتابعة إجراءات الإفراج عن الموقوفين، بل طال أيضاً التواصل مع الإعلام وأهل المحتجزين وأصدقائهم والمتظاهرين المتضامنين معهم لطمأنتهم وإطلاعهم على المستجدّات. فقد تميّزت الانتفاضة بأنها شكّلت شبكات تضامن واسعة مع الموقوفين تحت شعار “الثورة لا تترك أسراها”، وصلت إلى حد توقيف 61 متضامناً أمام “ثكنة الحلو” (15 كانون الثاني 2020) كانوا يطالبون بالإفراج عن 60 شخصاً أوقفوا في الليلة السابقة، كما أصيب “عبد الله” بضربة قاسية على رأسه من قبل القوى الأمنية خلال انتظاره للدخول الى الثكنة لمقابلة هؤلاء الموقوفين.

بالعودة إلى ليلة “سبت الغضب” التي شهدت أعمال عنف شديد بحق المتظاهرين، جال “عبد الله” و”لور” على مستشفيات العاصمة التي استقبلت أكثر من 80 مصاب نقلوا من ساحات الاحتجاج في وسط بيروت نتيجة اعتداءات الأجهزة الأمنيّة عليهم. فوجئا بتحوّل عدد من المستشفيات إلى ما يشبه الثكنات العسكرية، لا سيّما المستشفيات التي استقبلت أيضاً المصابين من عناصر قوى الأمن. تأكّدا من عدم توقيف أي من المتظاهرين المصابين أو فتح محاضر تحقيق معهم وأنهم يتلقّون العناية الصحية اللازمة. وبعدما وردهما اتصال بتوقيف عدد من المتظاهرين في وسط المدينة، توّجها إلى “ثكنة الحلو” لمقابلتهم. لدى وصولهما إلى الثكنة، طُلب منهما الانتظار قبل مقابلة المحتجزين لأنه لم يتم نقلهم بعد من ساحات الاحتجاجات. استفادا من هذه الدقائق القليلة لتناول منقوشة من أجل استعادة قوّتهما. وعندما سمح لهما بالدخول إلى زنزانة الاحتجاز، كان بانتظارهما أكثر من مفاجأة.

أوّل ما شاهده “عبد الله” و”لور” لدى دخولهما إلى الزنزانة، كان العشرات من الوجوه الحمراء والعيون المثقلة التي تنظر إليهما، وشعرا كأنّهما دخلا مجدّداً إلى غرفة طوارئ إحدى مستشفيات بيروت. فقد كانت الإصابات والكدمات ظاهرة بشكل واضح على وجوه المحتجزين ومختلف أنحاء أجسادهم، ما أكّد لهم إفراط الأجهزة الأمنية باستخدام القوّة بحق المتظاهرين بشكل غير متناسب. وبعد أن تخطّيا هذا المشهد الدّموي، فوجئا بأنّ الضابطة العدلية قد أنهت تدوين إفادات المحتجزين في محاضر التحقيق قبل أن يتمكنّوا من مقابلتهما والحصول على نصائح قانونية. وكان عدد من المحتجزين قد تنازلوا عن حقهم في طلب المعاينة الطبية، رغم أنّ آثار العنف كانت ظاهرة على أجسادهم، بعدما أعلمهم المحقّقون بأنّ عليهم تحمّل كلفة المعاينة على نفقتهم وبأنّ ذلك سيؤخّر الإفراج عنهم. هكذا ربطت الضابطة العدلية الحق في المعاينة الطبّية بالإمكانيات المادية للمحتجزين في محاولة لثنيهم عن ممارسة هذا الحق، ما يشكل خرقاً لمبدأ المساواة أمام القانون. وتؤدّي إعاقة المحتجزين من الحصول على المعاينة الطبية إلى الحد من قدرتهم على توثيق وإثبات العنف الذي تعرّضوا له وعلى الدفاع عن أنفسهم خلال محاكمتهم في المرحلة اللاحقة. فالنيابات العامّة (وبخاصّة التمييزية العسكرية) تستمرّ في سياسة الادّعاء بمعاملة العناصر الأمنية والعسكرية بالشدّة بحق الأشخاص الذين تعرّضوا للعنف على أيدي هؤلاء العناصر من باب استباق أيّ اتهام لهؤلاء وتحصينهم من أي محاسبة.

وفي حين أنّ معظم محتجزي التظاهرات لدى الأمن الداخلي تمكّنوا من ممارسة حقوقهم بموجب المادة 47، لم يتمتّع الذين ألقي القبض عليهم من قبل الجيش بالحقوق ذاتها. وبما أنّ الجيش استلم مهام حفظ الأمن خلال التظاهرات خارج بيروت، أدّى ذلك عملياً إلى تمتّع المتظاهرين في بيروت بحماية أوسع من المتظاهرين خارج العاصمة.

 

الجزء الثالث: الانتفاضة تقلب المعادلة لدى الضابطة العدلية العسكرية

رسم رواند عيسى

 

الشرطة العسكرية تبدأ بتنفيذ المادة 47

انتزعت الانتفاضة أيضاً ضمانات حقوق الدفاع للمحتجزين لدى الشرطة العسكرية، وهي الضابطة العدلية العسكرية التي تحقق في الجرائم الخاضعة لصلاحية القضاء العسكري (كمعاملة عناصر الأمنية بالشدّة) تحت إشراف النيابة العامّة العسكرية والنيابة العامّة التمييزية. وفي نهاية شهر تشرين الثاني 2019، بدأت مراكز الشرطة العسكرية بالسماح للمشتبه فيهم بالاتصال بعائلاتهم فور وصولهم إلى مكاتبها، بعدما كانت غالباً ما تحرمهم من ذلك أو تؤخّر تنفيذه إلى ما بعد الانتهاء من ضبط إفادة المحتجزين. لكن الشرطة العسكرية استمرّت غالباً بعرقلة دخول المحامين لمقابلة الموقوفين.

يتّخذ تنفيذ المادة 47 لدى الشرطة العسكرية أهمية إضافية عمّا سبق لأنّ ممارسة المحتجز للحقوق المنصوص عليها في المادة 47 يشكّل إعلاناً بخضوع احتجازه للرقابة والحماية القضائية بعد تحقيقات مخابرات الجيش. فالشرطة العسكرية لم تكن جهة التوقيف والتحقيق الأولى مع المتظاهرين خلال الانتفاضة، كونها استلمت معظم المحتجزين من مخابرات الجيش. ولم يتردّد أيّ من النوّاب العامّين، لدى مراجعتهم من قبل المحامين، في الاعتراف بخروج فروع مخابرات الجيش عن رقابتهم القضائية وبإقدامها على تعنيف المحتجزين خلال التحقيق معهم. كما أقرّ النواب العامّون خلال مناقشاتهم مع المحامين بتوزيع الأدوار بين مخابرات الجيش والشرطة العسكرية: تقوم الأولى بانتزاع الاعترافات من المشتبه فيهم غالباً من خلال استخدام وسائل الترهيب والشدة وصولاً إلى التعذيب في بعض الحالات، قبل أن تستلمهم الثانية لتنظم محضر رسمي يخضع عادة لإشراف النيابة العامّة العسكرية.

تعترف جميع السلطات القضائية بهذه التجاوزات القانونية من قبل مخابرات الجيش. إلّا أنّها لا تتّخذ أيّ إجراء لوقفها أو لمحاسبة مرتكبيها، مما يسمح باستمرارها من دون محاسبة. وما يزيد من خطورة هذه المسألة هو التوّسع في صلاحيات التوقيف والتحقيق للمؤسسة العسكرية وتحديداً لمديرية المخابرات في قضايا تخرج عن صلاحية القضاء العسكري. هكذا أدّت هذه الممارسات إلى قيام نظام قضائي – عسكري انقلبت فيه المعادلة القانونية من نظام يحكم فيه القضاء على الأمن إلى نظام يحكم فيه الأمن على القضاء، حيث تتمتّع الأجهزة العسكرية بهامش واسع من التعدّي على الحقوق المدنية بالتواطؤ مع القضاء.

 

مخابرات الجيش: ضابطة عدلية ملزمة بالمادة 47 أم جهاز خارج عن رقابة القضاء؟

بعد أكثر من شهرين على اندلاع الانتفاضة، وقفت أم محمد (اسم مستعار) أمام مدخل “ثكنة بهجت غانم” في منطقة القبّة في طرابلس تتوّسل الحرّاس للحصول على جواب على السؤال نفسه الذي حمل طارق عوّاد على محاولة حرق نفسه في بداية الانتفاضة: “أين ابني محمد؟ أخدوه المخابرات ومرّ أسبوع لم أسمع عنه أي خبر!” على عكس جميل عوّاد الراشد الذي اختفى أثره على مدى يوم واحد، محمد قاصر اختفى أثره لمدة أسبوع من دون أن يعرف والداه أو مندوبة اتحاد حماية الأحداث أي خبر عنه. محمد هو واحد من عشرات الشبّان الذين أوقفهم الجيش على إثر الاحتجاجات في طرابلس في 26 تشرين الثاني 2019 ضدّ مركز “التيار الوطني الحر” ومراكز المصارف وعناصر الجيش في شارع الجميّزات وساحة النور. تواترت المعلومات عن احتجازهم لدى فرع المخابرات في الشمال، لكن لم يتّمكن محمد وجميع المحتجزين معه من التّواصل مع أحد منذ إلقاء القبض عليهم ولم يسمح للمحامين بمقابلتهم. كما لم يسمح لمندوبة الأحداث بمقابلة محمد والقاصرين الآخرين أو حضور التحقيقات معهم أو حتى السؤال عن وضعهم في مخالفة صارخة لقانون حماية الأحداث رقم 422/2000.

أظهر توثيق “المفكرة” بالشراكة مع “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” أنّ فروع مخابرات الجيش أقدمت على التحقيق مع أكثر من 36% من الأشخاص الذين تمّ رصد توقيفهم على إثر مشاركتهم في الانتفاضة بين 17 تشرين الأوّل 2019 و15 آذار 2020. حصلت معظم هذه التحقيقات من قبل فروع المخابرات في المناطق، بخاصّة في أقضية طرابلس وعكار والمتن وكسروان وصيدا وزحلة، وأجريت معهم تحقيقات موّسعة “غير رسمية” بعدما تمّ توقيفهم خلال التظاهرات أو في أماكن عامة أو بعد استدعائهم هاتفياً للتحقيق. لم تقتصر هذه التحقيقات على أفعال تتعلّق بالمواجهات بين المتظاهرين وعناصر الجيش، بل شملت أيضاً أفعالاً تخرج عن صلاحية القضاء العسكري. كما تبيّن أنّ احتجاز بعض الأشخاص لم يكن بموجب قرار من النيابة العامة، في مخالفة صريحة للمادة 47 حيث لم يتخذ الاحتجاز والتحقيق طابعاً رسمياً تحت إشراف القضاء إلّا بعد نقل المحتجزين إلى الشرطة العسكرية أو إلى مديرية المخابرات.

أسوة بمعاملتها للمحامي دافيد عكره، خالفت فروع المخابرات والمديرية المركزيّة ضمانات الاحتجاز في جميع الحالات التي تمكنّا من توثيقها ممتنعةً عن تنفيذ المادة 47. حتى أنّ بعض عناصرها قالوا للمحتجزين إنّهم “سيختفون” ولن يعلم أحدٌ بمكانهم، مما شكّل عنفاً وإكراهاً معنويّاً. وفقاً لإفادات الموقوفين، لم تكتفِ العناصر بمخالفة أصول الاحتجاز واستخدام أساليب الترهيب والإكراه المعنوي، بل ترافقت بعض هذه التحقيقات مع أعمال عنف وشدّة منذ لحظة إلقاء القبض عليهم لغاية الانتهاء منها. وقد أفاد عدد من المحتجزين في فروع المخابرات في صيدا وطرابلس وفي مديرية المخابرات في وزارة الدفاع عن استخدام عناصر المخابرات آلة للصعق الكهربائي خلال التحقيقات معهم من أجل انتزاع معلومات منهم.

وفقاً للمادة 4 من مرسوم تنظيم الجيش،[15] يقتصر دور مديرية مخابرات الجيش بشكل أساسي على تقصّي الأخطار التي تستهدف أمن الجيش وجمع المعلومات الاستراتيجية المتعلّقة بالعمليات العسكرية وأمن العسكريين والمنشآت العسكرية، كما التقصّي الاستراتيجي عن العدو وأهدافه وتنظيمه وطاقته العسكرية. وقد حدّد القانون أنه يعود لها “استجواب أسرى الحرب وإجراء التحقيقات اللازمة”. يستنتج من ذلك أنّه ليس من صلاحية مديرية المخابرات استجواب المدنيين (إلّا من أسرى الحرب) أو التحقيق في الجرائم العسكرية إذ تعود هذه الصلاحية إلى أفراد الضابطة العدلية العسكرية أي بشكل أساسي عناصر الشرطة العسكرية (المادة 20 من قانون القضاء العسكري).

لكن المادة 19 من قانون القضاء العسكري سمحت لوزير الدفاع بتعيين ضباط ورتباء من خارج الشرطة العسكرية للقيام بوظائف الضابطة العدلية العسكرية، وجرت العادة أن يتمّ تعيين أفراد دائرة التحقيق في مديرية المخابرات بهذه المهام. كما عمدت السلطات القضائية إلى تكليف المديرية بإجراء التحقيقات ببعض الجرائم غير الخاضعة لصلاحية القضاء العسكري كالجرائم المتعلّقة بالمصارف وبأعمال الصيرفة خلال الفترة الأخيرة. هكذا إذاً، عملت المنظومة القضائية – العسكرية على توسيع صلاحيات المديرية في مجال التحقيق في الجرائم مع المدنيين، غير أنّ هذا التوّسع حصل بدون فرض التزامها بالضمانات المتعلقة بالتوقيف والتحقيق، لا سيما المادة 47. وللتذكير، أكّد المشترع والمجلس الدستوري على ربط صلاحية الأجهزة الأمنية باستجواب المشتبه فيهم بوجوب احترامها الضمانات الأدنى لحقوق الدفاع.

 

الاستخدام الأول لقانون الإخفاء القسري: “هل لديكم الجسد”؟

رسم رواند عيسى

 

في 29 تشرين الثاني 2019، سلّم فرع مخابرات الجيش في طرابلس 46 شاباً إلى الشرطة العسكرية ومن ثم إلى مخفر القبّة التابع للأمن الداخلي بعد أيام عدّة على توقيفهم وآثار العنف ظاهرة عليهم. لكن القاصر محمد (اسم مستعار) لم يكن من ضمنهم. ثم انهالت الاتّصالات على “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” من أهالي شبّان آخرين ليس لديهم أي معلومة عنهم أو عن مكان احتجازهم منذ توقيفهم من قبل الجيش. هكذا علمت اللجنة أنّ هناك عشرة متظاهرين على الأقل، من ضمنهم إثنين قاصرَين مفقودَين ولا أثر لهم منذ أيام عدّة، مع احتمال كبير لتعرّضهم للتعذيب. وفيما تساءلت المحامية “لور” عن الوسائل القانونية المتاحة لمعرفة مكان احتجاز الشبّان المفقودين، جاءها الجواب من شاشة هاتفها التي تظهر تاريخ اليوم: السبت 30 تشرين الثاني 2019، الذكرى السنوية لإقرار قانون المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان.

قبل سنتين من الانتفاضة، نجح المجتمع الحقوقي في لبنان في انتزاع قانونين بالغَي الأهمية من السلطة المتمسّكة بمناصبها منذ انتهاء الحرب: قانون معاقبة التعذيب رقم 65 في العام 2017 وقانون المفقودين والمخفيين قسراً رقم 105 في العام 2018 اللذان جعلا من جريمتي التعذيب والإخفاء القسري جنايات خطيرة تستوجب التشدد في ملاحقتها ومنعها. القانون الأوّل، جاء بعد سنوات من النضال من أجل التشدّد في معاقبة أعمال العنف والتعذيب التي ترتكبها الأجهزة الرسمية من دون أي محاسبة فعلية. والقانون الثاني جاء بعد عقود من نضال أهالي المفقودين منذ ثمانينيّات الحرب بهدف إلزام الدولة بالكشف عن مصير أحبّتهم وتكريس حقهم في المعرفة، لكنّه يهدف أيضاً إلى ردع أعمال الإخفاء في المستقبل.[16]

وفقاً لتعريف هذا القانون، إنّ الشخص المخفي قسراً هو “المفقود نتيجة الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية الذي يتم على أيدي موظفي الدولة أو مجموعات أو أشخاص ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريّته أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده ما يحرمه من حماية القانون”.[17] وعليه، عندما تحتجز الأجهزة الأمنية أيّ شخص ولا تعترف بذلك أو لا تقرّ بمكان احتجازه ولا تسمح له بالاتّصال بأحد معارفه، تكون قد ارتكبت جناية الإخفاء القسري. كذلك أقرّ القانون بحق المعرفة لأفراد الأسر والمقربّين من المفقود بعدما كان مجلس شورى الدولة قد استنبط وجود هذا الحق “الطبيعي” بموجب قرار صدر في العام 2014.[18] ويشمل ذلك معرفة أمكنة وجود المفقودين أو مكان احتجازهم، وهو ما يتحصّل لدى السماح للمحتجز بإجراء اتّصال بعائلته. وبفعل إقرار هذا القانون، تجاوز تنفيذ المادة 47 هدفه بضمان حقوق الدفاع إلى ضمان الحماية من الإخفاء القسري، بحيث أصبح الامتناع عن تنفيذها يشكّل جناية يعاقب عليها بالأشغال الشاقة وصولاً إلى خمس عشرة سنة (المادة 37 من قانون المفقودين). كما أصبح منع وصول المعلومات حول المفقود إلى أفراد أسرته جنحة يعاقب عليها بالحبس حتى سنتين (المادة 38 من قانون المفقودين).

بناءً على هذا النّضال الحقوقي الطويل، قررت “لجنة الدفاع” تفعيل قانون المفقودين كما قانون معاقبة التعذيب لحماية موقوفي التظاهرات بهدف تكريسهما كمكتسبات حقوقية. بدأ ذلك عندما ألقت مخابرات الجيش القبض على خلدون جابر وسامر مازح وعلي بصل في تشرين الثاني 2019 ومنعتهم من الاستفادة من حقوقهم بموجب المادة 47 ومن إجراء اتّصال ومقابلة محام، كما رفضت الإعلان عن مكان احتجازهم. حينها قدّم المحامي “عبد الله” إخبارين إلى النيابة العامة التمييزية بالإخفاء القسري، نتج عنهما الإفراج عن المحتجزين الثلاثة بعد ساعات قليلة من تقديم الإخبار في اليوم التالي لتوقيفهم.

يستند هذا اللجوء إلى النيابة العامة التمييزية إلى صلاحيّتها بالإشراف على أعمال الضابطة العدلية (العادية والعسكرية)، كما إلى المادة 47 التي تمنع الأجهزة الأمنية من احتجاز أي شخص إلّا بموجب قرار من النيابة العامة. كما تستند هذه الخطوة إلى مبدأ Habeas Corpus أو ما يعرف بـ”قانون الإحضار” وهو مبدأ قانوني عام نشأ في بريطانيا في القرن الثاني عشر ويلزم أيّ سلطة احتجاز بإحضار أي شخص موقوف أمام القضاء للتثبّت من قانونية توقيفه. التعريب الحرفي لهذه العبارة اللاتينية هي “لديكم الجسد”… “فأحضروه أمامنا”، في إشارة الى أهمية حماية الحرية الشخصية والسلامة الجسدية والحق في المثول أمام القضاء كحقوق طبيعية ومدنية للجميع.

في يوم الإثنين الواقع في 2 كانون الأوّل 2019، قرّرت “لور” التوّجه إلى النيابة العامة التمييزية مجدداً للمطالبة بـ”أجساد” محمد ورفاقه. قدّمت لها إخباراً عن اختفاء الشبّان في طرابلس، وطلبت منها الكشف عن مكان احتجازهم وإلزام من يحتجزهم بتطبيق المادة 47. كما طلبت تكليف طبيب شرعي لمعاينتهم نظراً لوجود شبهات جدّية حول تعرّضهم للتعذيب. قرّر النائب العام التمييزي، القاضي غسان عويدات، حفظ الإخبار معتبراً أنّ “الأشخاص المشتبه باختفائهم قسراً هم موقوفون لدى المراجع القضائية في الشمال”. لكن “لور” كانت قد راجعت النيابة العامة الاستئنافية في الشمال التي نفت إعطاءها أي أمر باحتجاز الشبّان المفقودين.

أصّرت “لور” أن تعلم “أين الجسد” وطالبت النائب العام التمييزي البحث عن محمد ورفاقه، بخاصّة أنّ هناك قاصرَين إثنين بينهم لا يعلم أولياؤهما أي شيء عنهما منذ أسبوع، وأعلنت أنّها لن تغادر مكاتب النيابة قبل معرفة مكان احتجازهم والسماح للمفقودين بالاتصال بأهاليهم سنداً للمادة 47 وقانون المفقودين. أمام إصرارها، صرّح النائب العام التمييزي أنّ الشبّان نقلوا من فرع المخابرات في طرابلس إلى مديرية المخابرات في وزارة الدفاع وأنّه أعطى الأمر للمديرية بالسماح لهم بإجراء اتّصال بعائلاتهم. وبالفعل، بعد دقائق قليلة، بدأت ترد إلى “لور” رسائل صوتية من أهالي الشبّان يؤكدون اتصال أولادهم بهم من وزارة الدفاع، وهي المرّة الأولى التي يسمعون أصوات أبنائهم منذ أسبوع. عندها، عدّلت “لور” اسم المجموعة التي تتواصل عبرها مع الأهالي على “واتساب” من “أهالي الموقوفين المفقودين” إلى “أهالي الموقوفين في وزارة الدفاع”.

هكذا تمكّنت “لجنة الدفاع” من فرض تطبيق جزئي للمادة 47 للموقوفين لدى مخابرات الجيش. إلّا أنّ النيابة العامة التمييزية لم تتّخذ أي إجراء للتحقيق بالمخالفات التي ارتكبها عناصر المخابرات أو للتثبت من مدى تعرّض المحتجزين للتعذيب، خلافاً لموجب التثبت والتحقيق بجرائم التعذيب. الانتهاكات التي تعرّض لها هؤلاء الشبّان لم تشكّل حالة استثنائية بل أتت في إطار ممارسات مستمرّة من قبل مخابرات الجيش كما أسلفنا. بين تشرين الثاني 2019 ونيسان 2020، اضطرّت “لجنة الدفاع” لتقديم سبعة إخبارات حول الإخفاء القسري لأكثر من 28 متظاهراً أوقفوا من قبل مخابرات الجيش من دون أن يسمح لهم بالاستفادة من حقوقهم بموجب المادة 47. غير أنّ النيابة العامة التمييزية رفضت التحقيق في هذه الجرائم وأبقتها خارج دائرة المحاسبة، مكتفية بإبلاغهما شفهياً عن مكان احتجاز المخفيين موضوع الإخبار. لكن اللجنة لم تكتف بذلك في آخر إخبار تقدّمت به في نيسان 2020 على إثر توقيف المخابرات لعشرات المحتجّين على تدهور الأحوال الإقتصادية.

 

تفعيل الحق في مقابلة محامٍ لدى مديرية مخابرات الجيش، ماذا عن الفروع؟

في نهاية شهر نيسان 2020، انهالت الاتّصالات مجدّداً على “لجنة الدفاع”: عشرات الشبّان ألقيَ القبض عليهم على خلفية الاحتجاجات في طرابلس والمتن وزحلة وصيدا ولا أحد يعلم عنهم أيّ شيء. باشر فرع المخابرات في طرابلس الإفراج عن بعض المحتجزين وعلامات العنف الشديد ظاهرة عليهم. لم ينجُ القاصرون من الضرب وتحدثوا عن ضرب رؤوسهم بالجدران وعن تهديدهم بالكهرباء.

في 30 نيسان 2020، تقدّم “عبد الله” مجدداً بإخبارات بالإخفاء القسري إلى النيابة العامة التمييزية التي صرّحت أنّ معظم المحتجزين نُقلوا من فروع المخابرات إلى مديرية المخابرات المركزية في وزارة الدفاع. طلب عبد الله من نقابة المحامين في بيروت تأمين دخوله إلى المديرية لمقابلة المحتجزين. فالدخول إلى المديرية يتضمّن عقبات كثيرة كونها تقع داخل حرم وزارة الدفاع ولا توجد آلية رسمية تسمح للمحامين بالقيام بمراجعاتهم ومقابلة المحتجزين. بعد موافقة النائب العام التمييزي ومفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، سجّلت “لجنة الدفاع” سابقة قانونية حيث تمكّن محاميها من مقابلة 15 محتجزاً في المديرية سنداً للمادة 47.

لدى رؤيته للمحامي “عبد الله” في سجن المديرية، رفع جورج (اسم مستعار) يده ليحمي وجهه وصرخ: “لا تضربّ!” وعندما علم أن الشخص الذي يقف أمامه هو محام، انهال بالبكاء. تكرر مشهد الشبّان الذين ينهالون بالبكاء لدى لقائهما بالمحاميان “عبد الله” و”لور” مع العديد من المحتجزين في المديرية، وبخاصة القاصرين منهم. وقد صُدم المحاميان بآثار العنف والكدمات على العديد منهم. أخبرهما المحتجزون أنّ ظروفهم متردّية منذ عدة أيام تعرّضوا خلالها لشتّى أنواع التعنيف ولتحقيقات موسّعة حول مشاركتهم بالتظاهرات ومن يحرّضهم ويموّل تحركاتهم. وكان الجميع يردّد سؤالين: هل يعلم أهلي بمكاني؟ وهل سيتوقّف الضرب الآن؟ على إثره، طالبت “لجنة الدفاع” بالسماح لجميع المحتجزين بالتواصل مع أفراد أسرهم سنداً للمادة 47، وبحضور مندوبة من اتّحاد حماية الأحداث خلال التحقيقات مع القاصرين، فاستجابت المديرية ونفذت قانون حماية الأحداث للمرة الأولى. أما على صعيد عرض المحتجزين على المعاينة الطبّية، أخّرت النيابة العامة العسكرية إجراء المعاينة لمدة خمسة أيّام تحت ذريعة اشتراط الطلب الخطي وذلك رغم إغلاق الدوائر الرسمية. وتبيّن لاحقاً أنّ المديرية منعت ثلاثة محتجزين على الأقل من مقابلة المحامين، ناكرة وجودهم لديها في مخالفة تامّة للمادة 47. وتبيّن أنّ هؤلاء لم يتمكّنوا من التواصل مع أفراد عائلتهم، مما يشير إلى أنّ تنفيذ المادة 47 لدى المديرية ليس تلقائياً بل يرتبط بمدى مطالبة المحامين والنيابات العامة بذلك.

بعد تسجيل هذه السابقة في المديرية، حاول “عبد الله” و”لور” مقابلة محتجزين آخرين لدى فروع المخابرات في المناطق لكن بقيت أبواب الفروع مغلقة أمامهم. ذهب “عبد الله” إلى “ثكنة بهجت غانم” في القبّة حيث فرع المخابرات في طرابلس وذهبت “لور” إلى “ثكنة الياس أبو سليمان” في أبلح حيث فرع مخابرات زحلة طالبين مقابلة الموقوفين، لكن رفض المسؤولون تنفيذ المادة 47. وفي 2 أيّار 2020، بعدما وردتهما معلومات بقيام فرع مخابرات الجيش في صيدا باستخدام الصعق الكهربائي بحق مجموعة من المحتجزين، سارعت “لور” إلى “ثكنة محمد زغيب” في صيدا للمطالبة بمقابلتهم. رغم صدور قرار من مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بالسماح لها بمقابلتهم بناء لطلب من نقابة المحامين، رفض المسؤولون السماح لها حتى بالدخول إلى الثكنة في تمرّد واضح على قرارات القضاء وعلى المادة 47. لكن “لور” رفضت المغادرة، وأصرّت على مقابلتهم.

وقفت “لور” لمدة ساعتين على مدخل “ثكنة زغيب”. قدّم لها الحرّاس كرسياً لكي تستريح لكنها رفضت الجلوس أو التحرّك قبل السماح لها بالدخول. اتّصل بها “عبد الله” للاطمئنان عليها وسألها ما إذا كانت تشعر بالتّعب، فصرخت عبر الهاتف: “كهرباء يا عبد الله، كهرباء!” عندما أفضت المفاوضات إلى السماح لها أخيراً بالدخول إلى الثكنة، فوجئت بأنْ طُلب منها التوّجه إلى مكاتب الشرطة العسكرية التي تقع أيضاً في الثكنة. فعلمت أنّه تمّ نقل المحتجزين للتوّ من فرع المخابرات في الثكنة إلى مكاتب الشرطة وشعرت أنّ تعبها لم يكن مهدوراً. هنا، أدّى الإصرار على تنفيذ الحق بمقابلة محامٍ إلى وقف أعمال العنف والتعذيب بحق المحتجزين بشكل مباشر. فور رؤية “لور”، ظهرت علامات الانفراج على وجوه المحتجزين (الذين اضطرّ بعضهم إلى الدخول إلى المستشفى بعد الإفراج عنهم)، ورددوا لها بصوت خافت الكلمات نفسها التي كانت ردّدتها قبل قليل: “كهرباء يا لور… كهرباء!”

هكذا تمكّنت الانتفاضة، بفضل مثابرة حراك المحامين فيها، من تفعيل المادة 47 بشكل واسع. لكن لا تزال المعارك مستمرّة لضمان تنفيذها التامّ لدى جميع الأجهزة الأمنية، لا سيّما لدى مخابرات الجيش والأمن العام وأمن الدولة، وبما لا يقلّ أهمية لمحاسبة الاعتداء على حقوقنا المدنية المتمثّل بمخالفة ضمانات الدفاع لدى الاحتجاز. وآخر هذه المعارك حصل في أروقة مجلس النوّاب.

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

 

 

[1]  المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية: (…) يتمتع المشتبه فيه أو المشكو منه، فور احتجازه لضرورات التحقيق، بالحقوق الآتية:

1- الاتّصال بأحد أفراد عائلته أو بصاحب العمل أو بمحام يختاره أو باحد معارفه.

2-  مقابلة محام يعيّنه بتصريح يدوّن على المحضر دون الحاجة إلى وكالة منظّمة وفقاً للأصول.

3-  الاستعانة بمترجم محلّف إذا لم يكن يحسن اللغة العربية.

4-  تقديم طلب مباشر، أو بواسطة وكيله أو أحد أفراد عائلته إلى النائب العام، بعرضه على طبيب لمعاينته. يعيّن النائب العام له طبيباً فور تقديم الطلب إليه. (…)

على الضابطة العدلية أن تبلغ المشتبه فيه، فور احتجازه، بحقوقه المدوّنة آنفاً وأن تدوّن هذا الإجراء في المحضر.

[2]  جويل بطرس، “النائب العام التمييزي، لاعب سياسي أم أداة أخرى للقوى السياسية؟ 2- قانون 2001 قانون كسر عظم على قياس النيابة العامة التمييزية”، 1/10/2019، منشور على موقع “المفكرة القانونية”. ورقة بحثية عن إصلاح القضاء في لبنان رقم 17، “تنظيم النيابة العامة”، “المفكرة القانونية”، 2018، منشورة على موقع “المفكرة القانونية”.

[3]  نصّت المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم للعام 1948: “يمكن المدعي العام (…) أن يعهد إلى أحد رؤساء مخافر الشرطة والدرك بقسم من الأعمال التي هي من صلاحيته إذا رأى ضرورة لذلك عدا استجواب المدعى عليه”.

[4]  فيلومين يواكيم نصر، أصول المحاكمات الجزائية، دراسة مقارنة وتحليل، 1889-1999، صفحة 280.

[5]  قرار المجلس الدستوري اللبناني رقم 4/2001 تاريخ 29/9/2001، طلب إبطال القانون رقم 359 تاريخ 16 آب 2001: تعديل بعض مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية، متوفّر على موقع المجلس الدستوري.

[6]  لمى كرامة وإلهام برجس، تجربة محاميّ حراك صيف 2015، “المفكرة القانونية”، 2016.

[7]  بيان صادر عن قيادة الجيش – مديرية التوجيه في 25/11/2019 “توقيف عدد من الأشخاص في منطقتي الذوق وجل الديب”، متوفر على الموقع الإلكتروني للجيش.

[8]  بيان صادر عن نقيب المحامين في بيروت في 25/11/2019، متوفّر على صفحة النقابة على فيسبوك.

[9]  عقدت نقابة المحامين في بيروت عدداً من الاجتماعات مع النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات للبحث في حقوق المتظاهرين المحتجزين وفي مدى تطبيق المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية. عويدات يبحث والخطيب وكسبار حقوق المحتجزين، محكمة، 21/11/2019، اجتماع بين عويدات ونقابة المحامين لبحث حضور التحقيقات الأولية!، محكمة، 26/11/2019.

 [10]  التعميم رقم 104/ص/2019 تاريخ 3/12/ 2019، منشور على موقع الوكالة الوطنية للإعلام: “تعميم لعويدات يتعلّق بالمادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية وضمانات حماية المشتبه فيهم”.

[11] نصّت المادة 32 من أصول المحاكمات الجزائية على حق المشتبه فيه في الجريمة المشهودة بالاستعانة بمحام لحضور استجوابه عندما يجريها النائب العام، ونصّت المادة 40 على أن تقوم الضابطة العدلية في الجريمة المشهودة بالإجراءات التي يقوم بها النائب العام عندما يتعذّر عليه مباشرتها.

[12]  القانون رقم 140/1999 المتعلّق بصون الحق في سرية المخابرات. وتراجع في هذا الإطار مخالفة المستشار ربيع معلوف لقرار محكمة الاستئناف في بيروت الناظرة في دعاوى الجنح (الغرفة الثامنة)، الصادر في 14/11/2008، منشور في “استئناف بيروت ترفض معاقبة المثلية خارج حالات الجرم المشهود: ومخالفة بمثابة درس بليغ في أصول التحقيقات الجزائية“، غيدة فرنجية، “المفكرة القانونية”، 02/04/2019.

[13]  نصّت المادة 123 من قانون المعاملات الإلكترونية رقم 81 الصادر في 10/10/2018: “مع مراعاة الأحكام الواردة في هذا الفصل، تطبّق على ضبط الأدلّة المعلوماتية أو البيانات على وسيطة إلكترونية قابلة للنقل، مثل الأقراص المدمجة أو جهاز حاسوب، أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية المتعلقة بالتفتيش ويضبط الأدلة بالجريمة المشهودة وغير المشهودة، لا سيما المادتين 33  و41 منه”.

[14]  غيدة فرنجية، “مخالفة للقاضي ربيع معلوف: تفتيش الهواتف يتطلّب إذناً من قاضي التحقيق“، “المفكرة القانونية”، العدد 59، نيسان 2019.

[15]  المادة 4 من مرسوم تنظيم الجيش رقم 3771/1981

[16]  “المفكرة القانونية”، إقرار قانون المفقودين والمخفيين قسراً بقوّة الحراك العام: وقف الاعتداء على ضحايا الحرب في لبنان، 29/5/2019، نشر في العدد رقم 59 لمجلة “المفكرة القانونية” – لبنان.

[17]  الفقرة الثانية من المادة /1/ من قانون المفقودين والمخفيين قسراً رقم 105 الصادر في 30/11/2008.

[18]  غيدة فرنجية، شورى الدولة اللبناني يكرّس حقاً طبيعياً لذوي المفقودين في المعرفة، 8/4/2014، منشور على موقع “المفكرة القانونية”.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، اختفاء قسري ، الحق في الخصوصية ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حرية التعبير ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *