كيف استخدمت السّلطة سلاح التوقيفات لقمع حرّية التظاهر والاعتراض؟

كيف استخدمت السّلطة سلاح التوقيفات لقمع حرّية التظاهر والاعتراض؟
رسم رائد شرف

نشر هذا التقرير ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو جزء من سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية. في الجزء الأوّل، نتناول التوقيفات التي تعرّض لها المتظاهرين والمنتفضين خلال الفترة الممتدة بين 17 تشرين الأوّل 2019 و15 آذار 2020. في الجزء الثاني، نتطرّق إلى العنف والتعذيب بحقهم خلال هذه الفترة. في الجزء الثالث، نتناول قمع حرية التظاهر خلال فترة إعلان التعبئة العامة والإغلاق لمواجهة وباء كوفيد-19 بين 16 آذار و30 حزيران 2020. وفي الجزء الرابع، نتناول استدعاءات المنتفضين إلى التحقيق خلال هذه الفترة. للإطّلاع على منهجية التوثيق، إضغط هنا.

 

منذ اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 وحتى إعلان حالة التعبئة العامّة لمواجهة وباء كورونا في 15 آذار 2020، أقدمت الأجهزة الأمنية اللبنانية على توقيف أكثر من 967 شخص من المشاركين في التظاهرات والانتفاضة الشعبية، أي بمعدّل 6.4 توقيفات في اليوم. كلّ ذلك ولم يتمّ لغاية اليوم توقيف أي من المسؤولين عن تبديد موارد الدولة والمجتمع أو أي من عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية التي اعتدت على المتظاهرين.

تقدّم “المفكرة القانونية” في هذه المقالة تحليلاً للإحصائيّات حول التوقيفات التي وثّقها فريق عملها بالشراكة مع “لجنة المحامين للدّفاع عن المتظاهرين”. سنوضح بداية النظرية القانونية التي يستند إليها تحليلنا وقراءتنا لأعداد التوقيفات، قبل أن نحاول الإجابة على مجموعة من الأسئلة الأساسيّة: من هم المنتفضون والمنتفضات الذين تمّ توقيفهم؟ من ألقى القبض عليهم وفي أيّة مناطق؟ كيف تمّ إلقاء القبض عليهم؟ ولماذا؟ وما هي آماد احتجازهم؟ وأخيراً، كيف تعاملت الضابطة العدلية مع المحتجزين خلال إجراء التحقيقات معهم وما هي أبرز الانتهاكات التي سُجّلت في هذا الإطار؟

ومن خلال هذه الأسئلة، لا نحاول فقط إبراز الانتهاكات القانونية التي ارتكبتها السّلطة بحق المتظاهرين، بل أيضاً البحث في كيفية استخدام السّلطة، وبخاصّة القضاء والأجهزة الأمنية والعسكرية، للقانون الجزائي ونظام حجز الحرية الذي تحتكره كسلاح لقمع الانتفاضة الشعبية. كلّ ذلك في محاولة لكسر إرادة المنتفضين وثنيهم عن اللجوء إلى التظاهر وتجريم ممارسة حقّ المعارضة والعصيان المدني والمقاومة لمواجهة طغيان السّلطة القائمة.

مقدمة

حين ينتفض الشعب لحماية المجتمع والدولة من السّلطة المعتدية

سنبدأ أولاً بتوضيح نظرية الحقوق الذي يقوم عليها تحليلنا القانوني لعمليات التوقيف والاحتجاز التي مارستها السلطة بحق المتظاهرين والمنتفضين والثوّار: المجتمع هو أوّل وآخر معقل لحقوق الإنسان، والمجتمع الديمقراطي والحرّ والعادل الذي يرفض الخضوع للطغيان والاستبداد يرتكز على نظام قضائي مستقلّ ومبادئ العدالة وقوانين تُكرّس مبدأ الشعب كمصدر لجميع السلطات. فالنظام العامّ قائمٌ على حماية قوّة الناس في وجه استبداد السلطة وتعسّفها، وذلك من خلال تكريس حقوق وحريات جوهرية يتمكّن الناس من خلال ممارستها بمراقبة أداء السّلطة واستعادتها من حكّامهم وإسقاط الشرعية عنهم عندما تُخلّ بمبادئ العدالة الإجتماعية. نظريّاً، يضمن القانون تلك الحريات والحقوق الجوهرية في هذا السياق، ومنها الحرية الشخصية وحرية الرأي والتجمّع والتظاهر والحق في محاكمة عادلة، وهي التي سنتناولها في هذه المقالة، بالإضافة إلى مبادئ استقلال السلطة القضائية والانتخابات الحرّة والنزيهة.

لكن، عندما تستخدم مؤسّسات الدّولة كآليات للنّهب والزبائنيّة وتمتين مصالح الطبقة الحاكمة على حساب حقوق الناس وتبديد موارد الدولة،[1] يصبح الشعب في موقع الدفاع عن نفسه وعن الدولة. وعندما تعمد السلطة القائمة إلى الاستهتار بشكل ممنهج بحقوق الناس وتفريغ القانون من أيّ قوّة فعّالة للتصدّي للاختلال في توازن القوّة بين السّلطة والناس – سواء من خلال تغليب الاعتبارات السياسية على حقوق المواطنين واستقلالية القضاء، أو من خلال إعاقة السّبل القانونية المنصفة للوصول إلى العدالة – تصبح المحاسبة، وفق الآليات الدستورية التقليدية، عمليّة مستحيلة. وعندما يتمّ تعطيل العملية الانتخابية كما حصل قبل العام 2018 أو يتمّ تقويض حريّة الانتخابات ونزاهتها عبر تفشّي نظام الزبائنية الذي يغلّب المصالح الخاصّة للحّكام على حساب الدولة والمصلحة العامة، يُقوّض العقد الاجتماعي المبني على العدالة الإجتماعية وحماية سلطة الشّعب في وجه الإستبداد، و”يصبح حق المقاومة والعصيان أداة ضرورية لتعديل قاعدة المعادلات بين الشعب والطاغية، بهدف استعادة النظام العام”.[2]

في صلب المفاوضات والمواجهات المستمرّة اليوم في لبنان بين الناس والسّلطة (مهما سُمّيت تلك الممارسات، ثورة أو انتفاضة شعبية أو حراكاً…)، هناك مطلبان واضحان: استعادة الشّعب مكانته الدّستورية في كونه مصدر السّلطات وتغيير النظام السياسي والإقتصادي الذي فقد شرعيّته تبعاً للانهيار العام الحاصل على أكثر من صعيد. فالمواجهات مع الطبقة الحاكمة خلال التظاهرات والاحتجاجات وأعمال العصيان المدني والتخريب الثوري أدّت إلى انعطافات جذرية عند الشعب في مفاهيم علاقته بالسّلطات الدستورية ومؤسّساتها. كما أدّت أيضاً إلى بدء المواجهة مع القطاع المصرفي المتّهم أيضاً بتبديد أموال الناس وموارد المجتمع. لذلك يتوجّب علينا أن نبقي هذا السياق الثوري حاضراً في تقييم كيفية تعامل النظام بجميع أركانه مع المنتفضين والمنتفضات.

في هذا الإطار، فتحت انتفاضة تشرين 2019 النقاش حول علاقة القانون والعمل الثوري. هل يحمي القانون هذه الأعمال أو يحرّمها؟ وما هي وسائل الاعتراض والتفاوض المشروعة في وجه سلطة متورّطة في نهب موارد المجتمع والاعتداء على مصالحه وتالياً فاقدة للشرعية؟ وقد طرحت بالتالي تساؤلات عدّة حول مفاهيم “الثورة السلمية” أو “الثورة العنفيّة” وأشكال العنف المبرّرة في وجه سلطة عنيفة في ظل الانعدام التام للتوازن في موازين القوى بين الشعب وأركان النظام. لكن السؤال الأساسي الذي نحاول البحث فيه في هذه المقالة هو كيف استخدمت السلطة القانون، وتحديداً القانون الجزائي، في مواجهتها مع المنتفضين؟ في حين نبحث في مقالات أخرى تنشر في العدد الخاص نفسه كيفية استخدام “لجنة الدّفاع” القانون لمواجهة تعسّف السلطة بحق المنتفضين.

الشغب المشروع دفاعاً عن النّفس

أخذت الاحتجاجات التي اندلعت في 17 تشرين أشكالاً متنوّعة. وعلى غرار حراك صيف 2015، أصرّت السلطة في خطاباتها الرّسمية على تأكيد احترامها لحريّة التّظاهر والحق في الاعتراض السّلمي، ولجأت مجدّداً إلى مفهوم “الاندساس في التظاهرات السلميّة”، لتبرير قمعها للتظاهرات، لا سيّما في وجه أكثر فئات المجتمع تهميشاً الذين وصمهم جزء من الرأي العام بالمخرّبين والمشاغبين والمأجورين. وقد حاولت السّلطة وضع خطوط حمراء للمنتفضين عبر تظهير هذه الأفعال على أنّها جرائم خطيرة ومخلّة بالنظام العام تستوجب التشدّد في معاقبة مرتكبيها دفاعاً عن النظام العام، متجاهلةً تماماً انقلاب المعادلة من سلطة تحمي النظام العامّ إلى شعب يحمي الدولة من سلطة تعتدي عليها. وتؤدي مقاربة هذه الأفعال على هذا الوجه إلى اعتبار أنّها تدخل ضمن إطار الدفاع عن النّفس وعن المجتمع والدولة، وتالياً إلى إثبات انتفاء النيّة الجرمية عنها. ومن أبرز أشكال الاحتجاج التي اعتمدها المنتفضون في هذا الإطار، الآتية:

التجمّع السلمي على الطرقات العامة الذي اعتبرتْه السلطة تسكيراً للطرقات وإثارة للحرب الأهلية والنعرات الطائفية ومسّاً بحرّية التنقّل ووصمت المتجمّعين بـ”قطّاع الطرق”. وهذا اتّهام يتناقض مع إبقاء هذه التجمّعات منافذ مفتوحة لتنقّل المواطنين والآليات العسكرية والإسعاف والحالات الطارئة، التزاماً بالمعايير الدولية المنظِّمة لحق التجمّع السلمي. وفيما حاولت السلطة استخدام خطاب الحريات لصالحها من خلال مواجهة حرية التجمّع بحرية التنقّل، جاءت المعايير الدولية لحسم هذا الجدل قبل سنوات بحيث أكّدت على عدم جواز منح “حرية تدفّق حركة المرور” الأسبقية تلقائياً على “حرية التجمّع السلمي”.[3]

– مقاومة قرارات فضّ التظاهر وتجاوز العوائق للوصول إلى ساحة مجلس النوّاب، والتي تدخل ضمن إطار حرّية التعبير والتجمّع والتظاهر والحق في الوصول إلى مجلس الشعب. إلّا أنّ السلطة اعتبرتها أعمال شغب ومقاومة للأجهزة الأمنية. ولا بدّ من الإشارة في هذا الإطار إلى أنّ المفهوم القانوني لتجمّعات الشغب يختلف عن مفهومه الشعبي. فوفقاً لقانون العقوبات، لا يشترط تحقق جريمة “تجمّعات الشغب” بالضرورة حصول أعمال تخريب، بل تكون الجريمة متحقّقة عند حصول أيّ تجمّع مطلبيّ لا يتفرق رغم إنذاره من قبل السلطة (المواد 346 الى 348 من قانون العقوبات). ومن شأن هذا النص أن يؤدّي عملياً إلى معاقبة التجمّعات السلمية كلّما رفض المشاركون فيها الإذعان لإنذار السّلطة بوجوب فضّها. ويأتي هذا التعريف الواسع في تناقض تامّ مع الدستور والاتفاقيات الدّولية التي تحمي حرّية التعبير والتظاهر، ودليل على عدم ملاءمة قانون العقوبات الصادر في العام 1943 لتطوّر المجتمع وأساليب الاحتجاج في دولة حديثة وديمقراطية.

– أعمال التخريب التي استهدفت المباني والأملاك العائدة للمصارف والإدارات العامّة والشركات الخاصّة المرتبطة بالفساد والتي قد تدخل ضمن إطار “التخريب الثوري” المتعمّد والهادف والمشروع. وقد اعتبرت السّلطة أنّ هذه الأفعال تشكّل اعتداءات على المصارف وعلى الأملاك العامة والخاصّة، متجاهلةً تماماً دوافعها ومبدأ التناسب وتعدّي المصارف على ودائع الناس التي تشكّل ملكية خاصة كما وتعدّيات أصحاب النفوذ على الأملاك العامة منذ الحرب بدون دفع أيّ بدلات للدولة وخارج أي محاسبة.

– انتقاد الإدارات العامة والمسؤولين والسياسيين والمصارف والنافذين وصولاً إلى التشهير والشتم بحقّهم، وذلك خلال التظاهرات وعلى وسائل الإعلام الإجتماعي. وقد اعتبرت السلطة أنّ هذه العبارات تشكّل جرائم قدح وذمّ وتحقير ومسّ بالمؤسسات والإدارات العامة، متجاهلةً الوظيفة الإجتماعية والسياسية للحقّ في التشهير وشتم المسؤولين الذي يصبح واجباً في ظل انعدام المحاسبة المؤسّساتية.

تعتبر كلّ هذه الأفعال ممارسة لحقّ مقاومة السلطة والدفاع عن الدولة كما أسلفنا، وتشكّل نوعاً من “العدالة الخاصة الشعبية” و”استيفاء الحق بالذات بعيداً عن أوجه أخرى من العدالة الخاصّة” بهدف الدفاع عن النفس وعن الدولة في ظلّ الانتهاكات الدائمة لحقوق الشعب من قبل النظام القائم وفي ظل غياب أي محاسبة مؤسساتية.[4]

قراءة في أعداد التوقيفات: النظام العسكري في مواجهة الشارع والشعب

 

منذ بداية الاحتجاجات في 17 تشرين ولغاية إعلان التعبئة العامة في 15 آذار 2020، تمكنّا من رصد 967 حالة توقيف على الأقلّ من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة، على خلفية مشاركة الموقوفين في الانتفاضة الشعبية في مختلف المناطق اللبنانية. وتميّزت هذه الفترة باللجوء الكثيف إلى الشارع كوسيلة أساسية للاعتراض بهدف الضغط لإسقاط الحكومة وتشكيل حكومة انتقالية إنقاذية جديدة، كما ولمنع انعقاد جلسات مجلس النوّاب (الفاقد للشرعية) لما فيها من إضرار بالمصلحة العامّة بالإضافة إلى الضغط على المصارف لتحرير ودائع الناس.

لم تُصرّح الأجهزة الأمنية دوريّاً عن أعداد المتظاهرين الذين ألقت القبض عليهم. وامتنعت كلّ من مديريات قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة عن تزويد “المفكرة” بالإحصائيّات الرسمية حول أعداد التوقيفات والإصابات خلافاً لقانون الحق في الوصول إلى المعلومات.[5] اكتفى مدير عام قوى الأمن الداخلي بالإعلان عن توقيف 353 مدنياً خلال مؤتمره الصحافي في 16 كانون الثاني 2020،[6] فنكون قد وثّقنا 94% من التوقيفات (332) التي قامت بها قوى الأمن الداخلي خلال هذه الفترة. أما الجيش، فكان ينشر أعداد الموقوفين خلال فضّه لبعض التظاهرات، وقد استجابت قيادة الجيش لطلب الإحصائيات الذي قدّمته “المفكرة” حيث أفادت عن توقيف 734 شخصاً لغاية 5 كانون الأوّل 2019،[7] وهو عدد مرتفع جداً بحيث تشكّل الحالات التي وثقناها خلال هذه الفترة 30% من مجموع التوقيفات المصّرح بها رسمياً. وقد يعود ذلك لكون قيادة الجيش قد شملت ضمن إحصاءاتها حالات لم نشملها في توثيقنا، كالتوقيفات بسبب الاعتداء على مواطنين غير مشاركين في التظاهرات وترويج المخدرات والسُّكر الظاهر.

تظهر هذه الأعداد المرتفعة للتوقيفات أنّ السّلطة وضعت الأجهزة الأمنية والعسكرية في مواجهة الشعب المنتفض، ما شكّل إهداراً لطاقاتها ولموارد القضاء الضئيلة في ظلّ الانهيار المالي والإقتصادي الناتج عن نهب موارد الدّولة والمجتمع. وتشير الأعداد إلى أنّ النظام القائم ليس مجرّد نظام فاسد وناهب، بل هو أيضاً نظام أمني و”مخابراتي” و”بوليسي”، قادر على انتهاج التعسّف في استعمال القوّة كنمط مشروع في التعامل مع الناس. ونتبيّن ارتفاع عدد الموقوفين عند مقارنته بعدد الموقوفين خلال حراك صيف 2015. ففي العام 2015، بلغ عدد الموقوفين الذي تمكنّا من توثيقه خلال الحراك المعترض على أزمة النفايات 250 متظاهراً ومتظاهرة على فترة شهرين ونصف، أي بمعدل 3.5 حالة توقيف في اليوم مقارنة مع معدل 6.4 توقيفات في اليوم في الأشهر الخمسة الأولى لانتفاضة تشرين 2019.[8]

تناقض هذه الإحصائيّات تماماً الخطاب السائد لدى السلطة والأجهزة الأمنية التي كلّما اشتعل الشّارع، تتسابق في خطاباتها الشعبوية لتبنّي “مطالب الشعب المحقّة” ولم تتردّد في التأكيد أنّ “حرّية التعبير” حقٌ مطلق والتشديد على “حماية حقّ التظاهر”، لتبرّئ نفسها من شعار “كلّن يعني كلّن”. وفي الآن ذاته، عمدت القوى الأمنية إلى فضّ التظاهرات بالقوّة، وأوقفت المئات من المعتصمين والمعتصمات غالباً بشكل عشوائي ومخالف للقانون، بغاية فرض شرعيّة الأنظمة السياسية عقب سقوطها في الشارع.

1- من هم المنتفضون والمنتفضات الذين تم توقيفهم؟

كانت غالبية الموقوفين من الرجال اللبنانيين الراشدين، إضافة إلى 58 قاصراً و16 امرأة و46 أجنبياً على الأقلّ.

 

استهداف الشباب

ركزت الأجهزة على توقيف الرّجال، وبالأخص الشباب المشاركين في الاحتجاجات: 80% من المنتفضين الذين تمكنّا من التثبت من أعمارهم كانوا تحت سن 30 وأصغرهم كان عمره 12 عاماً. يتطابق ذلك مع خصائص المتظاهرين بشكل عام حيث كان الشبّان تحت عمر 25 سنة من أكثر المشاركين في التظاهرات.[9]

ومن خلال توقيفهم، يبدو أنّ الأجهزة الأمنية عمدت إلى استهداف فئة الشبّان الأصغر سنّاً في محاولة لتأديبهم وردعهم عن ممارسة حقهم في التظاهر والمعارضة. وقد بدا واضحاً أنّ الأجهزة الأمنية لم تستخدم التوقيفات من أجل فضّ التظاهرات فقط، بل أيضاً من أجل ثني المتظاهرين عن اللجوء إلى الشارع مجدداً وبشكل أعمّ، ردع أيّ رغبة في التظاهر مستقبلاً. وفي حين أدّى هذا النهج إلى تعزيز عزيمة بعض المتظاهرين بضرورة الاستمرار في الضغط على السلطة، أفاد بعض الموقوفين بأنّهم لا يرغبون في العودة إلى الشارع مجدّداً بعد تجربة التوقيف والتعرّض للعنف. وقال أحد الأشخاص الذين تمّ توقيفهم من قبل عناصر مكافحة الشغب في اليوم الأوّل للانتفاضة، والذي يبلغ 24 عاماً وتعرّض للضرب العنيف خلال إلقاء القبض عليه، إنّه حسم بعد توقيفه بأنّه لن يعود أبداً إلى الشارع، خوفاً على مستقبله ومن إمكانية أن تقوم قوى الأمن “بتركيب” جرم له. وصرّح أنّه تم إلقاء القبض عليه بالرغم من أنّه لم يشارك في أيّ نوع من التخريب وأنّه لا يملك أيّ وسيلة أو “واسطة” للدفاع عن نفسه في حال تصاعدت الأمور.

يجدر التذكير بأنّ نسبة المشاركة الإقتصادية بين الشباب في لبنان تبلغ 39%، أيّ أنّ حوالي نصف “القوى البشرية المنتجة والقابلة للانخراط في العمل الفعلي لا تشارك في ذلك… وهي مبدئياً قوى مهدورة”.[10] هؤلاء الشباب لم يروا أي فرص للنمو ولا للضمان الصحي والإجتماعي أمامهم. وبالتأكيد، تبقى هذه النسب التي سُجّلت من قبل قابلة للارتفاع الكبير في ظلّ تبلور الأزمة الاقتصادية وتدهور قيمة الليرة اللبنانية وجائحة كوفيد-19. ورغم ذلك، تبقى السلطة عازمةً على تجريم وسائل الاعتراض وحق التظاهر ضد النظام المسؤول عن تلك الأزمات.

 

القاصرون يصنعون التاريخ

ضمّ الموقوفون 58 قاصراً تمّ إلقاء القبض على غالبيتهم (72%) خلال التوقيفات الجماعية التي قامت بها القوى الأمنية والعسكرية لفضّ التظاهرات. وكان العديد من القاصرين قد شاركوا في التظاهرات الشعبية، لا سيما تلاميذ المدارس تحت شعار “صناعة التاريخ” بدلاً من الاكتفاء بدراسته. ومن أبرز التوقيفات التي طالت قاصرين، توقيف شرطة البلدية في حمّانا (بعبدا – جبل لبنان) خمسة شبّان من ضمنهم ثلاثة قاصرين وتسليمهم إلى مخابرات الجيش بتاريخ 23 تشرين الثاني 2019، على خلفيّة نزعهم يافطة للتيار الوطنيّ الحرّ في البلدة. وقد هزّت هذه القضية الرأي العام نظراً لعبثية توقيف الأطفال وإخضاعهم لتحقيقات عسكرية ونقلهم بين ثلاثة مراكز تحقيق مختلفة رغم عدم توفّر أيّ جرم عسكري أو حتى أيّ جرم بالمطلق. وهذا ما حمل النائبة بولا يعقوبيان إلى تقديم اقتراح قانون معجّل مكرّر في 27 تشرين الثاني 2019 يرمي إلى حظر الصور والرسوم للزعماء والمسؤولين والموظفين في الأماكن العامة،[11] وهو الاقتراح الذي أسقطه المجلس النيابي في جلسته التشريعية في نيسان 2020.[12]

 

النّساء يكسرن احتكار الشارع

شاركت النساء بكثافة في التظاهرات الشعبية على نحو يُنهي تقليد احتكار الذّكور للشارع والمجال العام من خلال تحويله إلى مساحة أكثر دمجاً، إن لم نقل أنثوية ونسوية. وبالرغم من أنّ أعداد النساء اللواتي تم توقيفهنّ (16) أدنى بكثير من أعداد الرجال، إلّا أنّ توثيقنا لحالات العنف لم يُظهر النمط نفسه. فعدد النساء اللواتي تعرّضن للضّرب أو التّعنيف أو لإصابات ناتجة عن استخدام العنف المفرط خلال فضّ التظاهرات بلغ أربع مرّات عدد النساء اللواتي تمّ احتجازهنّ، وقد بلغت نسبة هذه الاعتداءات 10% من نسبة الاعتداءات على المتظاهرين الذكور.

 

التظاهر من حق الأجانب أيضاً

ضمّ الموقوفون 46 أجنبياً على الأقل من مختلف الدول العربية، كسوريا (33) وفلسطين (9) والعراق (1) ومصر (1)، بالإضافة إلى ثلاثة مصوّرين من الولايات المتحدة الأميركية وبلجيكا وفرنسا، مما أظهر عشوائية التوقيفات واستهداف القوى الأمنية لمهنة الصحافة (اللبنانية والأجنبية) التي توثّق انتهاكات الأجهزة خلال فضّها للتظاهرات. وقد عمدت الأجهزة الأمنية، والجيش بشكل خاص، إلى تسليط الضوء في بياناتهم على توقيف عدد من الأجانب ضمن المتظاهرين، خاصة سوريين وفلسطينيين، في محاولة لنزع الشرعية عن التظاهرات لدى الرأي العام. لكن التدقيق في هويّة هؤلاء أظهر أنّ غالبية السوريين والفلسطينيين الذين تم توقيفهم خلال التظاهرات هم أولاد لأمّهات لبنانيات يحرمهم القانون التمييزي من اكتساب الجنسية اللبنانية، مما يستدلّ منه شعورهم بانتمائهم إلى الهوية اللبنانية ومشاركتهم في الاحتجاجات التي اندفع إليها الرأي العام اللبناني. أما سائر الأجانب، فتبيّن أنّهم إمّا مقيمون في لبنان منذ سنوات عديدة، وإما أنهم يشاركون اللبنانيين في معاناتهم مع النظام اللبناني ومن الأزمة الاقتصادية، وإما أوقفوا عشوائياً من قبل الأجهزة الأمنية لمجرّد أنّهم أجانب. على سبيل المثال، ألقي القبض على أحد أصحاب الأعمال السوريين خلال تظاهرة في وجه المصارف في شارع الحمرا في 14 كانون الثاني 2020 خلال دخوله إلى الفندق فور وصوله من مطار بيروت من دون أن يكون مشاركاً في التظاهرة. وقد أفاد بعض الأجانب أنّ المحققين أعلموهم بأنه لا يحقّ لهم التظاهر في لبنان، مدعّين وجود قرار إداري (لم نتمكن من إيجاد أي أثر له) بمنع الأجانب من المشاركة في التظاهرات، علماً أنّ هذا الحق مكفول بموجب الدستور والمواثيق الدولية، ولا سيما المادة 2 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تضمن حرية التعبير والتظاهر لجميع الأشخاص المقيمين على الأراضي اللبناني بدون تمييز على أساس الجنسية.

2- من ألقى القبض على المشاركين في الانتفاضة؟ وأين تم إلقاء القبض عليهم؟

تقاسَمَت الأجهزة الأمنية مهام حفظ الأمن خلال التظاهرات والتوقيفات والتحقيقات المتعلّقة بها وفقاً للمناطق. تولّت قوى الأمن الداخلي هذه المهمة بشكل أساسي في بيروت التي شكّلت المنطقة المركزية للتظاهرات مع مؤازرتها أحياناً من قبل الجيش، في حين استلم الأخير هذه المهمة خارج العاصمة. كما كان من الملفت إقدام الأجهزة الأمنية الأخرى، كشرطة مجلس النوّاب وأمن الدولة والأمن العام، على المشاركة في حملة التوقيفات التي استهدفت المشاركين في الانتفاضة، ولو بنسبة أقل. يظهر ذلك التضارب والتداخل في الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية المختلفة التي تعود أبرز أسبابها إلى خضوع الأجهزة لنفوذ الأطراف السياسية المختلفة بحيث غالباً ما يرتبط نطاق عملها بالقضايا التي تهمّ هذه الأطراف بدلاً من صلاحياتها القانونية. وعليه، شكّل تدخّل جميع الأجهزة الأمنية في فض التظاهرات والتحرّكات الشعبية وقمع المشاركين فيها إلى إضعاف الثقة الشعبية بهذه الأجهزة التي شكّلت ذراعاً للسلطة الحاكمة، وتشريع حق العصيان المدني لمعارضة استبدادها.

 

الأجهزة الأمنية تتوزّع مناطق العمل… والتوقيفات

لرؤية الصورة بنسخة أفضل اضغطوا هنا

 

تؤكّد نسب توزيع التوقيفات عى المناطق بأنّ الحالة الثورية طالت مختلف المناطق اللبنانية، وقد شارك فيها أشخاص من مختلف الانتماءات الجغرافية والطائفية والإجتماعية والإقتصادية. كما تؤكد هذه النّسب بأنّ السلطة حشدت جميع الأجهزة الأمنية في كل المناطق وعملت على مراقبة جميع التحرّكات الشعبية وصولاً إلى توقيف المشاركين فيها وفقاً للخطوط الحمر التي فرضتها. شهدت العاصمة بيروت النسبة الأعلى من التوقيفات بلغت 47.5% من العدد الإجمالي (461 حالة توقيف)، معظمها من قبل قوى الأمن الداخلي ومكافحة الشغب. رصدنا أيضاً توقيفات في شتى المناطق اللبنانية طالت أكثر من 35 بلدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب نظراً إلى لامركزية التحرّكات والاحتجاجات. توّزعت النّسب التي رصدناها بشكل شبه متساوٍ بين محافظتي عكار والشمال (15.5% من التوقيفات، معظمها في طرابلس، البداوي وحلبا) ومحافظة جبل لبنان (13.7% من التوقيفات، معظمها في قضاء المتن ومنطقة جلّ الديب)، ومحافظتي الجنوب والنبطية (11% من التوقيفات معظمها في صيدا، صور والنبطية). أما في المحافظات الأخرى، فقد رصدنا عدداً أقلّ من التوقيفات في كل من محافظتي البقاع (6.9%) وكسروان-جبيل (4.7%). قد يعود هذا التفاوت في عدد التوقيفات وفق المناطق إلى حصول التظاهرات التي جمعت أكبر عدد من المعتصمين على مدى الأشهر الخمسة الأولى في بيروت. كما قد يكون مرتبطاً بميل المنتفضين أو ذويهم إلى الاتّصال بلجنة الدّفاع، وهو ما يبقى أعلى بالنسبة لسكان بيروت وضواحيها.

بدا واضحاً أنّ دور الأجهزة الأمنية تحدّد وفقاً للمناطق وليس وفقاً لصلاحيات كلّ جهاز أو حتى وفقاً لسلوك المتظاهرين أو طبيعة أفعالهم الاعتراضية ومدى تشكيلها جرائم عسكرية وفقاً لقانون القضاء العسكري. فقد ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على 43% من المنتفضين (419 توقيفاً) معظمهم في بيروت (403 توقيفات) خاصة خلال التظاهرات التي حصلت في وسط المدينة وفي محيط مصرف لبنان وثكنة الحلو. من جهته، تولّى الجيش ومخابرات الجيش (المخابرات) توقيف 46% من المنتفضين (445 توقيف) معظمهم خارج العاصمة، مما أدّى إلى حصر دور قوى الأمن الداخلي خارج بيروت. ففي شمال لبنان وعكار، نفّذ الجيش والمخابرات 92% من التوقيفات التي رصدناها. كما تولّيا أكثر من 82% من التوقيفات في منطقتي جبل لبنان والبقاع و61% من التوقيفات في الجنوب والنبطية. أما في كسروان، فكانا مسؤولَين عن جميع التوقيفات التي رصدناها في هذه المنطقة على خلفيّة المشاركة في الانتفاضة.

 

أيّ صلاحية للجيش في حفظ الأمن الداخلي؟

أعادت هذه التوقيفات فتح النقاش عن مدى قانونية تكليف الجيش بحفظ الأمن الداخلي. فوفقاً لقانون الدفاع الوطني، يحصل تكليف الجيش بمهمة الحفاظ على الأمن بموجب مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء (السلطة المدنية) لمدّة محدّدة، ولا يمكن أن يكون تكليفاً مطلقاً ودائماً. وغالباً ما يتذرّع السياسيون بمرسوم رقمه 1 صادر في العام 1991 كسند لتكليف الجيش بحفظ الأمن الداخلي، غير أنّ هذا المرسوم لا وجود له ولم ينشر في الجريدة الرسمية.[13] فعلى أي أساس قانوني يقوم الجيش بهذه المهام إذاً؟ وما يزيد هذا السؤال إلحاحاً هو التّبعات القانونية التي توّسع صلاحيات المؤسّسة العسكرية ومعها القضاء العسكري الاستثنائي، والتي تقيّد الحرّيات والحقوق للمدنيين في لبنان. بالفعل، لم تكتفِ المؤسسة العسكرية بمهمة حفظ الأمن خلال فضّها للتظاهرات في كل المناطق، بل وسّعت صلاحيتها لجهة التحقيق مع الموقوفين حتى في الحالات التي لم يتوفّر فيها أيّ جرم عسكري (كأفعال الشغب والتخريب التي أقرّت المحكمة العسكرية بخروجها عن اختصاصها على أثر تظاهرات 2015)، مما شكّل تعدّياً من القضاء العسكري الاستثنائي على القضاء العادي وعلى حقوق المتظاهرين المدنيين. وقام الجيش بتسليم الموقوفين خلال التظاهرات إلى مراكز المخابرات المختلفة التي أجرت تحقيقات موسّعة معهم خلافاً للقانون. وعليه، تمكّنت السلطة، من خلال التوقيفات التي أجراها الجيش والمخابرات، من استخدام القضاء العسكري الاستثنائي من أجل قمع معارضيها، أسوة بما فعلته في العام 2015، في حين ينصّ قانون القضاء العسكري صراحة على أنّ صلاحيته تنحصر بجرائم محدّدة وفي حالات استثنائية.

 

أيّ قوانين ترعى تنظيم شرطة مجلس النواب؟

عمدت الأجهزة الأمنية الأخرى، إلى توقيف عدد أقل من المتظاهرين (3% من التوقيفات). وقامت شرطة مجلس النوّاب بتوقيف متظاهرين (11 على الأقل) خلال الاعتصامات أمام مجلس النوّاب، وسحبتهم من ساحة التظاهر إلى خلف السّياج الفاصل بين ساحة النجمة ومحيطها واعتدت عليهم بالضرب المبرح وأجرت معهم تحقيقات غير رسمية قبل تسليمهم إلى قوى الأمن الداخلي. وتضمّنت هذه التحقيقات تسجيل هويّاتهم واستجوابهم حول دوافعهم للتظاهر ولمعارضة رئيس مجلس النواب نبيه بري والاطّلاع على مضمون هواتفهم، كما قامت بتصوير عدد منهم خلال هذه التحقيقات وصادرت هواتفهم وأغراضهم الخاصة. وإزاء اعتراض الرأي العام ولجنة الدّفاع لهذه الممارسات الموثقة، أصدرت قيادة الشرطة أكثر من بيان نكرت فيها قيامها بأيّة توقيفات وأكّدت أنّها ليست ضابطة عدلية بل تقتصر مهامها على حفظ الأمن في مقرّ مجلس النوّاب.[14] وقد أعادت هذه الاعتداءات طرح التساؤلات حول الإطار القانوني الذي يرعى هذه الشرطة التي لا يوجد أيّ نص قانوني واضح ينظّم إنشاءها أو عديدها أو آليّات عملها باستثناء خضوعها لسلطة رئيس مجلس النوّاب. وبعد تصريح وزارة الداخلية أنّ هذه الشرطة لا تخضع لسلطتها، رفضت هذه الوزارة كما رفضت أمانة سرّ مجلس النواب تسجيل الطلب القانوني الذي تقدّمت به “المفكرة” بناء لقانون الوصول إلى المعلومات للاستفسار عن الإطار القانوني المنظّم لهذه الشرطة.[15]

 

أيّ صلاحية لأمن الدولة بملاحقة معارضي رئيس الجمهورية؟

فضلاً عن ذلك، أوقفت مديرية أمن الدولة ستّة منتفضين على الأقل في مناطق مختلفة، معظمهم بسبب نزعهم لصور رئيس الجمهورية أو انتقاده على شبكات الإعلام الإجتماعي. وقد تضمّنت هذه الحالات تجاوزاً واضحاً لصلاحيات هذه المديرية المحصورة بالجرائم الواقعة على أمن الدولة التي حدّدها قانون العقوبات والتي لا تشمل التحقير برئيس الجمهورية.[16]

كما أوقف الأمن العام فلسطينيين للاشتباه بمشاركتهم في بناء جدار داخل نفق نهر الكلب، استناداً إلى صلاحيّته بمراقبة الأجانب في لبنان. كما سجّل قيام شرطة بلدية حمانا بتوقيف خمسة شبّان وتسليمهم إلى مخابرات كما أسلفنا. ونشير إلى أنّه تمّ توقيف 4.5% من المتظاهرين والمشاركين في الانتفاضة من قبل النيابات العامة أو قضاة التحقيق تبعاً لاستدعائهم إلى التحقيق أو الاستجواب. فقد تمّ توقيف معظم هؤلاء بناء لإشارات شفهية صادرة عن النيابات العامة بعد التحقيق معهم. كما تمّ توقيف خمسة أشخاص على الأقل بموجب مذكرات توقيف وجاهية وغيابية صادرة عن قضاة التحقيق في قضية أعمال الشغب والتخريب في كسروان وقضية استراحة صور. ونشير أخيراً إلى أنّنا في بعض الحالات (3%) لم نتمّكن من تحديد الجهة التي ألقت القبض على المنتفضين أولاً.

3- ما هي الأساليب التي اعتمدت عليها الأجهزة الأمنية لتوقيف المتظاهرين؟

اختلفت طبيعة إلقاء القبض على المتظاهرين: تم توقيف أغلبهم خلال التظاهرات سواء في إطار حملات توقيف جماعية أو ضمن توقيفات منفردة في ساحات الاعتصام أو في المصارف. وتمّ القاء القبض على آخرين في أماكن عامة أو خلال مداهمة منازلهم وأماكن عملهم بموجب عمليات توقيف اتّخذت أحياناً طابع الخطف. كما تمّ توقيف عدد منهم بعد استدعائهم للمثول إلى التحقيق أمام الأجهزة الأمنية أو القضائية. ونبحث هنا في أسلوبين من إلقاء القبض على المتظاهرين تضمّنا عدداً من المخالفات القانونية، وهما التوقيفات الجماعية خلال فضّ التظاهرات (1) والتوقيفات بأسلوب الخطف العنيف (2). وأمكن القول إنّه، إلى جانب المخالفات القانونية الصريحة التي تضمّنتها هذه التوقيفات، جاءت معظمها مخالفة لمبدأي ضرورة الاحتجاز والتناسب بين خطورة الأفعال وأساليب التوقيف والتحقيق التي اعتمدتها السّلطة من خلال ممارسات الأجهزة الأمنية والقضاء.

 

التوقيفات الجماعية

لرؤية الصورة بنسخة أفضل اضغطوا هنا

 

تمّ إلقاء القبض على ما يقارب 62% من الموقوفين (599 شخصاً) ضمن حملات توقيف جماعية في مختلف المناطق اللبنانية، أي إلقاء القبض على أكثر من 10 أشخاص خلال تظاهرة أو سلسلة تظاهرات في المنطقة نفسها أو فور انتهاء التظاهرة. كما ألقي القبض على 13% من الموقوفين خلال توقيف مجموعة من المتظاهرين تراوحت بين 4 و9 أشخاص. غالباً ما ترافقت هذه التوقيفات مع استخدام مفرط للعنف بحق الموقوفين حتى بعد إلقاء القبض عليهم. وبدا واضحاً أنّ استخدام السلطة لهذه التوقيفات الجماعية التي اتخذت طابعاً عشوائياً يرمي بشكل أساسي إلى تحقيق ثلاثة أهداف: فضّ التظاهرات، وثني المتظاهرين والعامّة عن الخروج إلى الشارع وممارسة حق التظاهر، وتكوين قائمة معلوماتية واسعة للمشاركين في الانتفاضة.

 

عقاب عشوائي وفوري لممارسة حق التظاهر

تتّخذ هذه التوقيفات الجماعية طابع الممارسة الإستبدادية التي تخالف مبادئ العدالة الجزائية ومبدأ التناسب في استخدام القوة بشكل جوهري. وغالباً ما تُشَكِل إساءة في استخدام صلاحية التوقيف لأنّها تسمح للضابطة الإدارية أن تحرِم المتظاهرين والمتظاهرات من حريتهم الشخصية على خلفية تجمّعهم في تظاهرة وليس على خلفية الاشتباه بأيّ جرم مشهود. فتصبح هذه الاحتجازات نوعاً من العقاب المسبق والفوري لممارسة حرية التظاهر.

اتّبعت قوى حفظ الأمن خلال انتفاضة تشرين 2019 نهجاً مشابهاً للتوقيفات الجماعية التي قمعت بها حراك صيف 2015، معتمدة قاعدة “التوقيف أولاً، والبحث عن الجريمة لاحقاً”، إذ تمّ توقيف أعداد كبيرة من المتظاهرين بشكل تعسّفي لمجرّد تواجدهم في ساحات التظاهر. وما يعزّز هذه القراءة هي أحكام البراءة العديدة التي صدرت عن القضاء العسكري في القضايا المتعلّقة بحراك 2015. كما وصل التعسّف في استخدام صلاحية التوقيف وقتها (وانعدام الجديّة في أعمال النيابات العامّة وقضاة التحقيق) إلى حدّ محاكمة أحد الأشخاص أمام المحكمة العسكرية رغم عدم مشاركته في التظاهرات.[17]

تستمرّ هذه الممارسات الأمنية المخالفة للقانون رغم الاجتهادات الواضحة لمحكمة التمييز، لا سيّما في القضايا المتعلّقة بالتظاهرات ضدّ السفارة الدنماركية في العام 2006، والتي تؤكّد أنّ مجرّد تواجد بعض الأشخاص في تظاهرة ومشاهدة أعمال الشغب “لا تشكّل عناصر كافية للقول بأنّ هؤلاء قاموا بمعاملة رجال الأمن بالشدّة أو العنف أو امتنعوا عن التفرّق بغير القوة، في ظلّ غياب أدلّة اخرى تعزّز هذه الوجهة”.[18] ومن هذا المنطلق، ليس هناك تبرير قانونيّ لهذه التوقيفات الجماعية ولتدخّل الضابطة الإدارية في تقييد حق التظاهر، حتى في حال ارتكاب مخالفات جسيمة خلالها بخاصّة نظراً لتطوّر وسائل التحقيق التقنية التي تتيح التحقيق والملاحقة بعد انتهاء التظاهرات.

وبدلاً من وضع حدّ لهذه الممارسات المخالفة للقانون، أضفت النيابات العامة والضابطة العدلية الشرعية للتوقيفات الجماعية التي أقدمت عليها الضابطة الإدارية عبر إبقاء الموقوفين قيد الاحتجاز بهدف “غربلتهم” والبحث عن الأدلّة على ارتكابهم أيّة مخالفات بعد توقيفهم. أدّى هذا الاحتجاز إلى حرمان الذين تعرّضوا للضرب العنيف خلال إلقاء القبض عليهم من الحصول على العناية الصحية اللازمة. كما سمح للأجهزة بجمع المعلومات حول المشاركين في التظاهرات عبر ضبط هويّاتهم وإفاداتهم. بالفعل، أفاد عددٌ من الذين ألقي القبض عليهم خلال هذه التوقيفات الجماعية أنّهم لم يشاركوا في أيّ أعمال تخريب أو مقاومة عناصر أمنية وعسكرية، وأنّ المحقّقين لم يتمكّنوا من تقديم أيّ دليل يثبت تورّطهم في أيّ أعمال قد تشكّل مخالفة للقوانين. بل تمحورت التحقيقات معهم حول آرائهم وانتماءاتهم السياسية وأسباب مشاركتهم في التظاهرات، ومن دفعهم أو حرّضهم على المشاركة، وكأنّ الاعتراض على النظام القائم والتظاهر ضدّه شبهة بحد ذاتها. وعليه، بدا احتجازهم (وفي العديد من الحالات تعرّضهم للضرب المبرح والتعذيب) حصل على خلفية رفضهم لفضّ الاعتصامات وإصرارهم على البقاء في الشارع وممارسة حقهم في التظاهر والتجمّع كوسيلة ضغط على السلطة وليس على خلفية أيّ جرم قانوني.

هكذا بدا واضحاً توزيع الأدوار في قمع حرية التظاهر بين الضابطة الإدارية المولجة حفظ الأمن خلال التظاهرات من جهة، والضابطة العدلية المولجة بالتحقيق في الجرائم وملاحقتها من جهة أخرى. وهو ما تجلّى في مقاربة مدير عام الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان لهذه المسألة في مؤتمره الصحافي في 16 كانون الثاني 2020.[19] فضلاً عن ذلك، منعت المخابرات هؤلاء الموقوفين من الاستفادة من حقوقهم بموجب المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، بخاصّة لجهة إجراء اتّصال بعائلاتهم او مقابلة محام، فتحوّل حينها التوقيف الجماعي العشوائي إلى حالات من الإخفاء القسري.

 

أبرز حملات التوقيف الجماعية

وفي التفاصيل، انتهجت كلّ من قوى الأمن الداخلي والجيش استراتيجية التوقيفات الجماعية خلال تظاهرات عدّة حشدت آلاف المتظاهرين، لا سيّما في وسط بيروت وجلّ الديب (المتن) والذوق (كسروان) وطرابلس (الشمال) وصيدا (الجنوب). وتمّ احتجاز هؤلاء الموقوفين في ثكنات إميل الحلو في بيروت وبهجت غانم في القبّة (الشمال) ومحمد زغيب في صيدا (الجنوب) واللواء الحادي عشر في النقّاش (المتن) وريمون حايك في صربا (كسروان) وشكري غانم في الفياضية (جبل لبنان).

شهدت بيروت أولى حملات التوقيف الجماعية خلال اليومين الأوّلين للانتفاضة (17 و18 تشرين الأوّل) حين قامت قوى الأمن الداخلي ومكافحة الشغب بتوقيف ما يقارب 129 متظاهراً، من دون أن تتمكّن من إضعاف شرارة الموجة الاحتجاجية التي اندلعت على أثرها في مختلف المناطق اللبنانية. وبعد اقتحام مجموعة من الشبّان في صور (الجنوب) لمنتجع استراحة صور، أوقفت القوى الأمنية والنيابة العامة في الجنوب أكثر من 36 شاباً على خلفية أفعال التخريب والسرقة التي حصلت في الاستراحة. ويرتبط اسم المنتجع بأحد أبرز الشخصيات المشتبه بضلوعها في الفساد، السيدة رندة بري، زوجة السيد نبيه برّي، المتولّي رئاسة مجلس النوّاب منذ 1992 بُعيد انتهاء الحرب.

بعد استقالة حكومة سعد الحريري في 29 تشرين الأوّل 2019، كثرت التظاهرات والاعتصامات المفتوحة في وسط بيروت للمطالبة بتكليف حكومة انتقالية إنقاذية قادرة على معالجة الأزمة الإقتصادية ومواجهة الفساد. أوقفت قوى الأمن الداخلي 12 متظاهراً في ساحة الاعتصام في رياض الصلح في 19 تشرين الثاني، و21 متظاهراً بين 14 و15 كانون الأوّل حين حاول المحتجّون الوصول إلى ساحة النجمة ومبنى مجلس النواب. وقد ظهر تدّخل شرطة مجلس النوّاب واضحاً في هذين اليومين من خلال إلقاء القبض واحتجاز عدد من المتظاهرين داخل حرم ساحة البرلمان والتعرّض لهم بالعنف الشديد.

وقام الجيش بسلسلة من التوقيفات الجماعية طالت 110 متظاهرين في منطقتي جل الديب والذوق بين 5 تشرين الثاني و16 كانون الأوّل 2019 خلال إصراره على استخدام القوّة في فضّ التجمّعات السلميّة على الطرقات العامة تحت ذريعة حماية حرية التنقّل التي طغت على أولويات أحزاب السلطة وخطاباتها. كذلك، أقدم الجيش على توقيف 16 متظاهراً في 4 كانون الأوّل في سعدنايل (زحلة – البقاع) على خلفية تسكير الطرقات أيضاَ. وفي 26 تشرين الثاني 2019، شهدت طرابلس (الشمال) أوّل حملة توقيفات جماعية لما يقارب 56 متظاهراً على خلفية الاحتجاجات وعمليّات التّخريب في وجه مركز التيار الوطني الحر وأبنية المصارف والمواجهات مع الجيش في شارع الجمّيزات وساحة النور كما وتسكير الطرقات في منطقة البدّاوي.

بعد تكليف حسّان دياب رئاسة مجلس الوزراء في 19 كانون الأوّل 2019، تصاعدت الاحتجاجات في وجه مجلس النوّاب والمصارف نتيجة المماطلة في تشكيل الحكومة. وشهد الأسبوع الثالث من العام 2020 (ما سمّي “بأسبوع الغضب”) أوسع حملة من التوقيفات الجماعية العنيفة في بيروت طالت 167 متظاهراً في ثلاث محطات رئيسية: الأولى يوم الثلاثاء 14 كانون الثاني خلال الاحتجاجات في وجه مصرف لبنان والمصارف في منطقة الحمرا في ما سميّ “ليلة المصارف الحمراء“،[20] والثانية في اليوم التالي خلال الاحتجاجات أمام ثكنة أميل الحلو في مار الياس والمزرعة للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين في اليوم السابق، والثالثة يوم السبت 19 كانون الثاني في محيط مجلس النوّاب في وسط بيروت. وقد وصل العنف إلى أعلى ذروته في هذا اليوم لجهة أعداد الموقوفين والمصابين الذين نقلوا إلى المستشفيات، فتحوّلت مستشفيات بيروت إلى ثكنات عسكرية ومخافر بيروت إلى غرف طوارئ.

وبعد تشكيل حكومة حسان دياب في 21 كانون الثاني 2020، سُجّل تغيير في استراتيجية فضّ التظاهرات خاصة من قبل قوى الأمن الداخلي. فقد عمدت هذه القوى إلى إبعاد المتظاهرين عن ساحات التظاهر المركزية وإخراجهم من محيط الإدارات العامّة عبر الإفراط في استخدام الغاز المسيّل للدموع وخراطيم المياه، مع تخفيف الاحتكاك المباشر معهم. وفي هذه الفترة، أوقفت قوى الأمن الداخلي 23 متظاهراً خلال احتجاجات أمام مقرّ رئاسة الحكومة اعتراضاً على الحكومة الجديدة. كما أوقف 22 متظاهراً خلال الاحتجاجات المعارضة لانعقاد جلسات مجلس النواب لإقرار الموازنة العامة في 27 كانون الثاني ومنح الثقة للحكومة الجديدة في 11 شباط. وقامت المخابرات بتوقيف 11 شاباً في صيدا في اليوم التالي لانعقاد جلسة الثقة للاشتباه في مشاركتهم في الاعتداء على سيارات عدد من النوّاب رغم عدم تقديم أيّ منهم شكاوى في هذا الإطار.

 

“الثورة لا تترك أسراها”

ساهمت هذه التوقيفات الجماعية في تشكيل حملات واسعة للتضامن مع الموقوفين ومنع الاستفراد بأيّ منهم لا سيّما من خلال التظاهر أمام الثكنات وجذب وسائل الإعلام إلى أماكن الاحتجاز والتجمّع على الطرقات العامة. كما تجمّع المحامون المتطوّعون، لا سيّما محامو “لجنة الدّفاع عن المتظاهرين”، أمام الثكنات في مختلف المناطق اللبنانية للمطالبة بمقابلة المحتجزين ومنحهم المشورة القانونية تنفيذاً للمادة 47. وبتاريخ 15 كانون الثاني 2020، حصلت مواجهات حادّة بين القوى الأمنية والمطالبين بإطلاق سراح 58 متظاهراً أوقفوا خلال التظاهرات في وجه المصارف في الليلة السابقة، مما أدّى إلى توقيف 61 شخصاً إضافياً من ضمن المتضامنين ليرتفع عدد الموقوفين إلى 119. وفي بعض الحالات، لجأت القوى الأمنية إلى الإفراج عن المحتجزين من أبواب خلفية بهدف منع المتضامنين معهم ووسائل الإعلام من مشاهدة آثار العنف عليهم.

وفي حين اعتبر العديد من المتظاهرين أنّ احتجازهم هو جزء متوقّع من نضالهم الثوري، أدّت هذه التوقيفات الجماعية العشوائية إلى ردع العديد من الأشخاص من العودة إلى الشارع، خوفاً من الملاحقة والمحاكمة الجزائية والتوقيف العشوائي. وهذا تخوّف مبرر في ظلّ نظام جزائيّ يفرط في استخدام التوقيف الاحتياطي بشكل شائع،[21] حيث أكثر من 50% من الأشخاص في السجون هم موقوفون، أي ما زالوا ينتظرون المحاكمة ويستفيدون من قرينة البراءة. من هذا المنطلق، أصبحت ممارسة حقّ التظاهر واللجوء إلى الشارع، كمساحات عامّة مشتركة للجميع، للضغط على السلطة تعرّض الأشخاص لخطر التوقيف والعنف نتيجة اعتماد استراتيجة التوقيفات الجماعية العشوائية.

الخطف والإخفاء القسري

بالإضافة إلى التوقيفات الجماعية خلال التظاهرات، رصدنا أيضاً العشرات من التوقيفات المنفردة حيث تمّ إلقاء القبض على بعض المتظاهرين خلال مداهمة منزلهم وخلال تواجدهم في ساحات الاعتصام أو أماكن عامّة، كالشوارع والمقاهي وأماكن العمل، بموجب عمليات توقيف اتّخذت أحياناً أسلوب الخطف العنيف، معظمها من قبل مخابرات الجيش في بيروت وبعبدا وطرابلس وصيدا.

يستند تشبيه هذه التوقيفات بعمليات الخطف إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أوّلاً، حصلت هذه التوقيفات من خلال “سحب” المتظاهرين من ساحات التظاهر أو من أماكن عامّة من دون أن تتوفّر شروط الجرم المشهود أو قرار قضائي يسمح بإلقاء القبض عليهم. ثانياً، حصلت هذه التوقيفات بأسلوب عنيف حيث اعتدت المخابرات على المنتفضين بالضرب المبرح خلال إلقاء القبض عليهم وخلال نقلهم واحتجازهم والتحقيق معهم داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها. وتمّ التحقيق مع معظهم بشكل عنيف وهم في حالة من الألم الشديد نتيجة الاعتداء عليهم. وثالثاً، قام عناصر من المخابرات بتهديد المنتفضين خلال إلقاء القبض عليهم بأنّهم سوف “يختفون” ولن يعرف بمكانهم أو يسمع عنهم أحد وفقاً لما أفاد به الموقوفون الذين تم الإستماع إليهم بعد الإفراج عنهم. وبالفعل، لا يعرف معظم هؤلاء الموقوفين في أيّ مكان تم احتجازهم قبل تسليمهم إلى الشرطة العسكرية أو مديرية المخابرات في وزارة الدفاع حيث نظّمت معهم محاضر تحقيق رسمية. ولم تسمح لهم المخابرات بممارسة حقوقهم بموجب المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية وبإجراء اتصال أو مقابلة محام. كما رفضت الإفصاح عن مكان احتجازهم وسبب توقيفهم لأهاليهم وللجنة الدّفاع. وتشكّل إمكانية ممارسة المحتجز للحقوق المنصوص عليها في المادة 47 حجر الأساس لضمان قانونية التوقيف وعدم تعدّي المؤسّسات العسكرية، التي غالباً ما تعمل خارج صلاحياتها، على الحقوق والحريات المدنية.

من أبرز هذه التوقيفات التي اتّخذت طابع الخطف وتمكنّا من توثيقها، نشير إلى توقيف أربعة أشخاص من الوجوه البارزة في التظاهرات في بيروت وبعبدا في تشرين الثاني 2019. تمّ “سحب” اثنين منهم بعيداً عن حشد التظاهرات التي كانوا يشاركون فيها أمام قصر رئاسة الجمهورية في بعبدا (جبل لبنان) وعلى جسر فؤاد شهاب المعروف بجسر الرينغ (بيروت). تشابه أسلوب السحب بالنسبة للشابّين، إذ قام أشخاص بلباس مدني باستدراجهما كلّ على حدة طالبين “التحدّث معه في مكان هادئ”، ليفاجأ الإثنان بعد الابتعاد عن التجمّع بالإعتداء عليهما بالضرب المبرح من قبل مجموعة من العناصر قبل إلقاء القبض عليهما ونقلهما إلى مراكز احتجاز مجهولة. أحدهما لم يتمكّن من التعرّف على الجهاز الذي ينتمي إليه المعتدون.  لكن عُرِف أنّ المعتدين على خلدون جابر الذي كان يشارك في تظاهرة بعبدا وتمّ سحله أرضاً، كانوا يرتدون لباس عناصر من المخابرات والحرس الجمهوري.

كما تعرّض الشابان سامر مازح وعلي بصل لكمين واعتداء في شارع الجميزة (بيروت) من قبل رجال يرتدون ملابس مدنيّة بعد مغادرتهما إحدى التظاهرات على جسر الرينغ. وخلال إلقاء القبض عليهما، رفض عناصر مخابرات الجيش أن يعرّفوا عن صفتهم: “إنت ما خصّك أنا مين” واكتفوا بتهديدهما، كما منعوا أحد عناصر قوى الأمن الداخلي من التدخّل لحماتهما، وقاموا بضربهما قبل عصب أعينهما ونقلهما إلى مكان مجهول لهما. وبدا واضحاً اتخاذ هذه التوقيفات طابع الثأر أو التأديب من قبل الأجهزة العسكرية لتخويف المشاركين في الانتفاضة وترهيبهم، كونه تمّ استهداف معظمهم على خلفية هتافاتهم التي تنتقد رموز السلطة السياسية خلال التظاهرات، لا سيما رئيس الجمهورية.

تجدر الإشارة إلى أنّ مخابرات الجيش قد خالفت ضمانات التوقيف في جميع التوقيفات التي أقدمت عليها والتي تمكنّا من توثيقها خلال هذه الفترة، وذلك مهما كانت طبيعة إلقاء القبض عليهم (استدعاء، مداهمة منزل أو مكان العمل، إلقاء القبض خلال تظاهرة أو في مكان عام). ووصلت مدّة إخفاء بعض الموقوفين في طرابلس إلى أسبوع قبل أن يتمّ الإفصاح عن مكان احتجازهم والسّماح لهم بإجراء اتّصال بناء لطلب لجنة الدّفاع التي لجأت إلى تفعيل قانون المفقودين والمخفيين قسراً للمرة الأولى منذ إقراره في العام 2018 عبر تقديمها إخبارات إلى النيابة العامة التمييزية حول إخفاء هؤلاء الموقوفين. قد تشكّل كل هذه المخالفات جنايات إخفاء قسري وفقاً للقانون رقم 105/2018 وتعذيب وفقاً للقانون رقم 65/2017 بخاصة نظراً للأضرار الدائمة التي ألحقت بالموقوفين. ورغم الطابع الجرمي لهذه الممارسات وخطورتها، فإنّها تبقى بمنأى عن أيّة محاسبة، مما يساهم في استمرارها على نحو يهدد الحقوق والحريات وقيام نظام إجتماعي وقانوني عادل وديمقراطي يتساوى فيه المواطنون أمام القانون.

 

4- ما هي آماد احتجاز المتظاهرين وما هي أسباب توقيفهم؟

وصل متوسط آماد التوقيف الاحتياطي في الحالات التي وثقناها إلى 2.5 يوماً. فقد قامت النيابات العامة بالإفراج عن الأغلبية الساحقة من المحتجزين، ومن ضمنهم الذين تم احتجازهم في إطار التوقيفات الجماعية، خلال مهل تراوحت بين 24 و72 ساعة من توقيفهم. غير أنّ أكثر من 50 محتجزاً أحيلوا موقوفين أمام قضاة التحقيق بعد ختم التحقيقات الأوّلية معهم، مما أدّى الى إطالة آماد توقيفهم، فوصل متوسط هذه الآماد إلى 30 يوماً.

 

الاحتجاز “التكديري” كعقوبة مسبقة

قد يعتبر قصر آماد التوقيف النسبي تطوّراً إيجابياً مقارنة بآماد الاحتجازات الجماعية التي رصدناها خلال حراك 2015، إلّا أنّه غالباً ما تخلّلتها تحقيقات عدّة من قبل أجهزة مختلفة، لا سيّما بالنسبة للّذين تمّ توقيفهم من قبل الجيش. كما سمحت بجمع كمّ هائل من المعلومات حول المتظاهرين التي قد تستخدم لملاحقتهم مستقبلاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المحاكمات على خلفية المشاركة في حراك 2015 لا تزال سارية لغاية تاريخه. وقد حدّدت المحاكم العسكرية جلسات لمحاكمة عدد من المتظاهرين الذين تم توقيفهم خلال انتفاضة 17 تشرين، مما يؤشّر إلى توجّه نحو جرّ معظم المتظاهرين الذين أوقفوا لآماد قصيرة إلى المحاكمة.

بالإضافة إلى ذلك، عمدت النيابات العامّة، وبخاصّة النيابة العامّة التمييزية التي حصرت بيدها صلاحية الإشراف على التحقيقات المتعلّقة بالتظاهرات بخاصّة في بيروت، إلى استخدام الاحتجاز “التكديري” بحق المتظاهرين من خلال تأخير إطلاق سراحهم من دون أن يكون ذلك مبرراً بحاجات التحقيق. على سبيل المثال، بعد الانتهاء من تدوين إفادات العديد من الذين أوقفوا خلال حملات التوقيف الجماعية، أمرت النيابة العامّة التمييزية بإبقائهم قيد الاحتجاز لغاية اليوم التالي مع تحديد ساعة إطلاق سراحهم مسبقاً، وهو ما شكّل عقوبة مسبقة بحقهم وساهم في إخفاء آثار العنف على أجسادهم، لا سيّما احمرار الكدمات.

 

حماية النظام السياسي والمصرفي… والجيش يتجاوز صلاحياته

بشكل عامّ، قد تختلف الأسباب الحقيقية لتوقيف المتظاهرين عن المواد القانونية المستخدمة رسمياً من النيابات العامة لملاحقتهم، سواء في الادّعاء عليهم أو بعد تركهم لدى انتهاء التحقيقات الأوّلية. وهذا ما نستشفّه من ظروف التوقيف والأسئلة التي وُجِهت للمتظاهرين خلال التحقيق معهم حسب إفاداتهم أو التي صرّحت بها الأجهزة الأمنية.

تبيّن من رصدنا لخلفيّة التوقيفات التي تمّ توثيقها أنّ التوقيفات هدفت بشكل أساسي إلى حماية مصالح النظام السياسي والمصرفي المعتدي على الشعب وحقوقه. فقد حصلت 49% من التوقيفات على خلفية “التظاهر ورفض فضّ التظاهرات”، 21% منها على خلفيّة “التجمّعات السلميّة على الطرقات العامّة” أي تسكير الطرقات، وحوالي 12% على خلفية التخريب وحرق الممتلكات والمصارف. وقد صرّح 4% من الموقوفين أنّ التّهمة التي وجّهت إليهم خلال التحقيق معهم تمثّلت في انتقاد رئيس الجمهورية أو الإدارات العامة وتخريب صور ويافطات لرموز السلطة. كذلك سُجّل توقيف 4% من المتظاهرين بسبب تجوّلهم بدون أوراق ثبوتية وذلك خلال انتقالهم في باصات من الشمال والبقاع إلى بيروت، في محاولة من الأجهزة الأمنية والعسكرية لعرقلة وصول المتظاهرين إلى ساحات التظاهر المركزية في وسط بيروت. كما أفاد 3% من الموقوفين أنّ المحققين اتّهموهم بمقاومة الأجهزة الأمنية والعسكرية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ قيادة قوى الأمن الداخلي قد أعلنت عن حصول 289 اعتداءً على المصارف و159 حادث رش “سبراي” (أي رش الشعارات والغرافيتي على الجدران لا سيّما جدران المصارف) و94 اعتداءً على الأملاك المدنية والخاصة لغاية منتصف كانون الثاني 2020 من دون تحديد أعداد الذين تمّ توقيفهم أو استدعاؤهم في هذه الحوادث.[22] بالإضافة إلى ذلك، تبيّن من كتاب قيادة الجيش لـ”المفكرة” أنّ المؤسسة العسكرية التي أوقفت 734 شخصاً لغاية كانون الأوّل، أجرت توقيفات في قضايا تخرج عن صلاحياتها. فقد صرّحت القيادة أنّ أسباب التوقيف من قبل المؤسسة العسكرية شملت الأفعال الآتية: “القيام بأعمال الشغب، الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، تصوير التظاهرات من دون ترخيص وبصورة تثير الشبهات، التجوّل من دون مستندات قانونية في محيط التظاهرات، قطع طرقات وفرض خوّات”. وهي تشكل جميعها جرائم غير عسكرية ولا تخضع صلاحية التحقيق والملاحقة بها للمؤسسة العسكرية أو القضاء العسكري. بالإضافة إلى ذلك، شملت هذه التوقيفات “الاعتداء على الجيش والقوى الأمنية” الذي هو وحده يدخل حالياً ضمن صلاحية القضاء العسكري رغم مخالفته لمبدأ القاضي الطبيعي وحق المدنيين بالمحاكمة أمام القضاء العادي. كما نشير إلى أنّ عدداً من الذين أوقفوا خلال التظاهرات وأطلق سراحهم قد تبلّغوا مواعيد جلسات المحاكمة التي ستنعقد ابتداءً من تشرين الأول 2020 أمام المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت بجنح معاملة عناصر أمنية بالشدّة.

فضلاً عن ذلك، أصدر قضاة التحقيق مذكّرات توقيف وجاهية بحق المحتجزين الذين أحيلوا أمامهم من دون تعليلها ومن دون توضيح أسبابها ومدى ضرورة توقيفهم احتياطيّاً. وهو ما شكّل مخالفة صارخة للمادة 107 من أصول المحاكمات الجزائية والمادة 8 من الدستور التي تصون الحرية الشخصية وحرية المرء من ألّا يتمّ القبض عليه أو حبسه أو توقيفه إلّا وفقاً لحكم القانون. ورغم اعتراض وكلاء الدفاع من لجنة الدفاع عن المتظاهرين على المخالفة القانونية الجسيمة للحرية الشخصية والمتمثلة في عدم تعليل مذكرات التوقيف وتوضيح أسبابها، لم يستجب لهذه الاعتراضات أيّ من قضاة التحقيق والهيئات الاتّهامية النّاظرة المعنيّة. ونذكّر في هذا الإطار بأنّ التوقيف الاحتياطي هو إجراء استثنائي وليس القاعدة، استناداً إلى المبدأ الدستوري لقرينة البراءة والحماية الدستورية للحرية الشخصية، لما قد يشكّله من “عقوبة مسبقة” تفتح المجال واسعاً للتعسّف في استعمال السلطة قبل إجراء محاكمة عادلة ومنصفة بحق المدعى عليهم.

 

ادّعاءات مبالغ فيها من النيابات العامة

في موازاة ذلك، ادّعت النيابات العامّة على أكثر من 50 شخصاً من ضمن المحتجزين وأحالتْهم موقوفين أمام قضاة التحقيق لاستكمال التحقيقات معهم، مما أدّى إلى إطالة آماد توقيفهم. تمحورت هذه القضايا حول ثلاثة ملفات رئيسية طالتها توقيفات جماعية وارتبطت بأحداث استراحة صور وأعمال الشغب والتخريب في طرابلس وفي جونيه والذوق، وقد صدر قرار ظنّي في قضية كسروان فقط لغاية تاريخه. بالإضافة إلى ذلك، أبقي عدد من الأشخاص قيد الاحتجاز بمفردهم وأحيلوا موقوفين أمام قضاة التحقيق. ومن أبرز هؤلاء الموقوفين الذين حاز توقيفهم اهتمام الرأي العام، جهاد إبرو الذي أوقف في حلبا (الشمال) على خلفية الاحتجاج في فرع مصرف لبنان والمهجر، وحسين ياسين الذي أوقف في وسط بيروت على خلفية حيازة زجاجات من البنزين.

في هذه القضايا، بلغ متوسط آماد التوقيف 30 يوماً مع تسجيل أقصى مدة للتوقيف الاحتياطي لأحد الموقوفين في قضية طرابلس بلغت 101 يوماً. وسجّل تجاوز القضاء لمهل التوقيف القانونية بحق المحتجزين في جميع هذه الملفات، لا سيّما مهلة المثول السريع أمام قاضي التحقيق، حيث بلغت هذه المدة ثلاثة أسابيع بالنسبة للمحتجزين في قضية طرابلس.

وكان من الملفت في هذه القضايا، قيام النيابات العامة، وبشكل خاص النيابة العامّة العسكرية والنيابة العامّة الاستئنافية في جبل لبنان، بالادّعاء بحق الموقوفين بموجب جنايات تصل عقوباتها أحياناً إلى الإعدام، كمحاولة قتل عناصر عسكرية وأمنية وإثارة الحرب الأهلية والنّعرات الطائفية وإضرام النار قصداً. هذا بالإضافة إلى الادّعاء بحقهم بجنح معاملة عناصر أمنية بالشدة وشتم الجيش والشغب والتخريب. وجاء ذلك بخلاف النّهج الذي اتّبعته النيابة العامّة العسكرية في حراك 2015 حيث اكتفت بالادّعاء بحق المتظاهرين بمجموعة من الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها ثلاث سنوات بدون تكييف الأفعال كجنايات.

بدت هذه الاتهامات مبالغاً فيها وغير متناسبة مع خطورة الأفعال المدّعى بها. وقد أظهرت توجّهاً لدى النيابات العامّة نحو حماية مصالح أركان النظام الفاسد (وبخاصّة مصالح المصارف والتيار الوطني الحر)، بدلاً من حماية الشعب والمصلحة العامّة والحرّيات العامّة والحقوق الدستورية. وهكذا، ظهرت النيابات العامّة بمثابة خط دفاع أوّل عن النظام الحاكم وركن من أركانه. فباستثناء قضية طرابلس حيث أعلن الجيش عن وقوع 33 إصابة في صفوف عناصره بدون تحديد مدى خطورتها، لم ينتج عن أيّ من الأحداث المدّعى بها في قضايا صور وكسروان أيّ إصابات بشرية أو أضرار جسدية على الأشخاص قد تستوجب التشدّد تجاه المشاركين في الانتفاضة.

ونشير هنا إلى أنّ قيادة الجيش صرّحت في كتابها “للمفكرة”عن تعرّض 281 عسكرياً لإصابات مختلفة خلال مواكبتهم للتظاهرات لغاية 5 كانون الأوّل 2019،[23] وأنّ قيادة قوى الأمن الداخلي صرّحت عن 483 جريحاً في صفوفها لغاية 16 كانون الثاني 2020 بدون تحديد مدى خطورة الإصابات. وفي الحالات التي وقعت فيها إصابات في صفوف القوى الأمنية والعسكرية، فإنّ قيام النيابة العامة العسكرية بتغليظ أفعال معاملة العناصر بالشدّة وتكييفها قانوناً بأنّها “جناية محاولة القتل” إنّما يعكس تماهياً مع مقاربة مدير عام الأمن الداخلي لهذه الأفعال حيث اعتبر أنّ إلقاء الحجارة على العناصر هو بمثابة محاولة قتل، ويشكّل مؤشّراً مؤلماً على اتّجاه بالتشدّد إزاء أفعال الاعتراض، بخاصّة في طرابلس، المدينة الأكثر فقراً في لبنان.

وهكذا بدت النيابات العامّة مهووسة برسم الخطوط الحمر لأشكال الاعتراض المتاحة في محاولة للسيطرة على التحرّكات المستقبلية، بخاصة في مناطق صور وطرابلس وكسروان. كلّ ذلك بدون الالتفات قطعاً إلى أسباب الاحتجاج أو إلى الانتهاكات الجسيمة التي حصلت خلال التحقيقات في هذه القضايا وبدون اتخاذ أيّة خطوة جدّية لمحاسبة الذين شاركوا في تعنيف وتعذيب المتظاهرين أو المسؤولين عن الفساد والانهيار الاقتصادي والمالي للبلاد.

 

“الثورة أمام القضاء”: أبرز القضايا الجماعية أمام قضاة التحقيق

لرؤية الصورة بنسخة أفضل اضغطوا هنا

 

خلال هذه الفترة، أحالت النيابات العامّة ثلاث مجموعات من المحتجزين أمام قضاة التحقيق على أثر توقيفهم جماعياً. وفي التفاصيل، سجّلت هذه القضايا الثلاثة مواد الادّعاء وآماد التوقيف الآتية:

1) قضية صور: ترتبط هذه القضية بأحداث استراحة صور في 20 تشرين الأوّل 2019، حيث ادّعت النيابة العامّة الاستئنافية – الجنوب (القاضي رهيف رمضان) في 31 تشرين الأوّل بحق 51 شخصاً من ضمنهم 19 موقوفاً بجناية سرقة بعض الموجودات في الاستراحة (المادة 639 من قانون العقوبات) وجنح تخريب الأملاك (المادة 733) ودخول ملك بدون حق (المادة 571). كما اتّخذت صفة الادّعاء الشخصي كلٌّ من الشركة المالكة للاستراحة والشركة المالكة للدرّاجات الهوائية التي أُخذت من الاستراحة. وكانت التحقيقات الأوّلية قد أجريت من قبل مخابرات الجيش وقوى الأمن الداخلي وتضمّنت استخدام وسائل العنف والشدّة بحق عدد من الموقوفين. وبعدما أصدر قاضي التحقيق الأوّل في صيدا (مارسيل حداد) مذكّرات توقيف وجاهية وغيابية بحقّ معظم المدعى عليهم واستجوب الموقوفين، عمد الى إخلاء سبيلهم تباعاً على ثلاث دفعات بين 19 تشرين الثاني و13 كانون الأوّل مقابل كفالات مالية بقيمة 500 ألف ليرة لبنانية، وذلك رغم عدم اعتراض الجهات المدّعية على إخلاء السبيل وضيق الأحوال الإقتصادية لمعظم الموقوفين. كما تمّ توقيف إثنين من المدعى عليهم لاحقاً بناء لمذكرات توقيف غيابية ثم أخلي سبيلهما. وقد بلغ الحد الأقصى لمدة التوقيف في هذه القضية 47 يوماً.

2) قضية طرابلس: ترتبط هذه القضية بأحداث طرابلس في 26 تشرين الثاني 2019 التي شملت أعمال شغب وتخريب في وجه مركز للتيار الوطني الحر والمصارف ومواجهات مع الجيش في محيط شارع الجمّيزات وساحة النور. وادّعى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية (برئاسة القاضي بيتر جرمانوس) في 10 كانون الأوّل بحق 13 شخصاً، من ضمنهم 10 موقوفين، بجنايات محاولة قتل عناصر من الجيش عبر إلقاء قنابل مولوتوف (المادة 549/201) والخطف (المادة 569) وإثارة النّعرات الطائفية (المادة 317)، وجنح معاملة عناصر في الجيش بالشدّة (المادة 381) والمشاركة في التظاهرات والشّغب وقطع الطرقات (المادة 346). وأجريت التحقيقات الأوّلية في هذه القضية من قبل فرع المخابرات في طرابلس ومن ثم مديرية المخابرات المركزية، وتخلّلها إخفاء للموقوفين وحرمانهم من الاستفادة من حقوقهم بموجب المادة 47 واستخدام وسائل العنف والشدّة بحقهم. وقامت قاضية التحقيق العسكري (نجاة أبو شقرا) بترك جميع الموقوفين في 18 كانون الثاني 2019 بعد استجوابهم، باستثناء ثلاثة منهم قررت إخلاء سبيلهم في آذار 2020 بعد إعلان حالة التعبئة العامّة لمواجهة وباء كورونا، وهم فاضل الدّرج (أوقف لمدة 101 يوماً) ونور شاهين (أوقف لمدة 93 يوماً) ومحمد كنعان (أوقف لمدة 69 يوماً).

3) قضية كسروان: ترتبط هذه القضية بأحداث عدّة حصلت في جونيه والذوق بين 6 كانون الأوّل 2019 و5 كانون الثاني 2020 تضمّنت حرق الصرّاف الآلي لفرع مصرف الاعتماد اللبناني في الذوق، وإلقاء مولوتوف على مركز التيار الوطني الحر في جونيه أدّت إلى إحراق العلم اللبناني وصورة لرئيس الجمهورية، ورشّ طلاء وكتابة شعارات على جدران مصارف في جونيه، بالإضافة إلى تظاهرات وتجمّعات على الطرقات العامة (قطع طرقات). وقد اتخذ مصرف الاعتماد اللبناني صفة الادّعاء الشخصي في هذه القضية قبل أن يعود ويسقطه بحق المدعى عليهم. وكانت المخابرات قد توّلت التحقيقات الأولية في هذه القضية تحت إشراف مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، رغم عدم توفّر أي جرم عسكري، مما شكّل تغوّلاً واضحاً على صلاحيات القضاء العادي وتوسّعاً لصلاحيات مخابرات الجيش والقضاء العسكري الاستثنائي. وبعد إحالة القضية إلى النيابة العامّة الاستئنافية في جبل لبنان (القاضية غادة عون)، ادّعت هذه الأخيرة بحق 13 شخصاً، من ضمنهم اثنين أوقفا خلال التحقيقات الأولية لدى المخابرات، بجنايات إثارة الحرب الأهلية (المادة 308) والنعرات الطائفية (المادة 317) وإضرام النار قصداً (المادة 587)، وبجنح تخريب الأملاك (المادتين 730 و733) وتظاهرات الشغب (المادتين 346 و348). وبعد استجواب المدّعى عليهم، أصدر قاضي التحقيق في جبل لبنان (بسّام الحاج) مذكّرات توقيف وجاهية وغيابية بحق معظم المدّعى عليهم. أخلي سبيل المدّعى عليهما جهاد العلي وجو شليطا بعد أسبوعين من توقيفهما بموجب القرار الظنّي الصّادر في 17 شباط. وأخلي سبيل جورج قزّي (أوقف لمدة 87 يوماً) ومحمد سرور (أوقف لمدة 84 يوماً) في نيسان 2020 بعد إعلان حالة التعبئة العامة. أمّا الناشط ربيع الزين، فأوقف وجاهياً لمدة أسبوع ليعود ويتمّ توقيفه مجدّداً بناء لمذكّرة توقيف غيابية وقد تمّ إخلاء سبيله لاحقاً بعد 43 يوماً.

 

5- أيّ انتهاكات قانونية خلال التحقيقات مع المحتجزين؟

قامت الضابطة العدلية العادية والعسكرية بالتحقيق مع المحتجزين وضبط هوياتهم وعناوينهم، كما أخذت بصماتهم في العديد من الحالات، حتى أنه تم تأخير الإفراج عن بعض الموقوفين بسبب التأّخر في ضبط بصماتهم. بالتالي، وبالرغم من قصر آماد احتجاز المتظاهرين، سمحت هذه التوقيفات لأجهزة السلطة بجمع كم هائل من المعلومات عن شريحة واسعة من المعارضين للنظام القائم.

استناداً إلى المقابلات التي أجريناها مع حوالي 30% من الأشخاص (282 محتجزاً) الذين رصدنا احتجازهم خلال الأشهر الخمسة الأولى من الانتفاضة تمكنّا من رصد انتهاكات عدّة للحقوق المدنية. ومن أهم ملاحظاتنا في هذا الإطار:

– العنف والتعذيب خلال الاحتجاز: مارست بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية الضّرب العنيف بحق عدد من المحتجزين داخل مراكز الاحتجاز وخلال التحقيق معهم. كما عاملتهم معاملة مسيئة شملت الإهانات والشتائم والتهديدات. وقد مورست هذه الانتهاكات أيضاً خلال إلقاء القبض عليهم وفي آليّة النقل، وهي ممارسات تشكّل جرائم ضرب وإيذاء وتعذيب وإكراه على الكلام خلال التحقيقات (للمزيد من التفاصيل، يرجى مراجعة مقالة نور حيدر، “العنف والتعذيب في وجه الانتفاضة الشعبية” المنشورة في هذا العدد).

– مخالفة المادة 47: مارست الضابطة العدلية العادية والعسكرية انتهاكات جسيمة لحقوق المحتجزين المضمونة بموجب المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، بخاصّة تلك المتعلّقة بالحق في إجراء اتّصال ومقابلة محامٍ والحصول على معاينة من الطّب الشّرعي، حيث لم تبلّغ المحتجزين بحقوقهم ولم تسمح لهم بممارستها بشكل ممنهج. وأفاد بعض المحتجزين أنّ المحققين منعوهم من قراءة إفاداتهم وأرغموهم على التوقيع على المحاضر الرسمية بدون قراءتها. كما قد أفاد بعضهم أنّ المخابرات أجبرتهم على التوقيع على المحاضر وأعينهم معصوبة. وقد تشكّل هذه المخالفات جرائم إخفاء قسري وتعدّي على الحقوق المدنية. (للمزيد من التفاصيل، يرجى مراجعة مقالة غيدة فرنجية، “معارك المادة 47: كيف انتزعت الانتفاضة حقوق الدفاع للمحتجزين؟”، المنشورة في هذا العدد).

– مخالفة قانون حماية الأحداث: في حين التزمت قوى الأمن الداخلي بتنفيذ القانون رقم 422/2002 فيما يتعلّق بالإجراءات الخاصّة للتحقيق مع القاصرين، حقّقت المخابرات مع القاصرين المحتجزين من دون حضور مندوب أحداث أو أهاليهم خلافاً للقانون.

– الحرمان من العناية الصحّية: منعت العناصر المعنيّة العديد من المتظاهرين الذين تعرّضوا للضّرب والتعذيب أو الذين يعانون من أمراض سابقة من تلقّي عناية طبّية خلال احتجازهم، مما أدّى إلى تدهور حالتهم الصحّية في بعض الحالات وتعرّض حياتهم للخطر. على سبيل المثال، أفاد أحد المتظاهرين أنّه لم يتمكّن من الحصول على العناية الطبية خلال احتجازه في زنزانة مع حوالي 40 شخصاً رغم أنّه أصيب بـأزمة صحّية وارتجاج إثر تعرّضه للضّرب على رأسه خلال إلقاء القبض عليه. ومع تصاعد الاحتجاجات وحملات التوقيف العنيفة، اضطرّت الضابطة العدلية، وبخاصّة في ثكنة إميل الحلو حيث نقل معظم هؤلاء، للجوء إلى الصليب الأحمر لمعاينة بعض الموقوفين ونقلهم إلى المستشفيات من أجل تلقّي العلاج. وقد اتّجهت النيابة العامّة في هذه الحالات إما إلى ترك المصابين الذين نُقلوا إلى المستشفيات مع صرف النظر عن الاستماع إليهم وإما إلى إبقائهم قيد الاحتجاز لحين الاستماع إليهم بعد تلقّي العلاج. أمّا المحتجزون لدى مخابرات الجيش، فقد أفاد بعضهم أنّه تمّت معاينتهم من قبل طبيب عسكري لاتخاذ القرار بشأن ما إذا كانوا “صالحين للدخول إلى السجن” غير أنّ هؤلاء الأطباء اكتفوا بطرح أسئلة بسيطة عليهم (إذا كانوا يأخذون أي أدوية أو يتعاطون المخدرات) وأعطوا الموافقة على احتجازهم من دون أن يتثبتوا من حالتهم الصحية وآثار العنف عليهم والآلام التي يشعرون بها. ويطرح ذلك أسئلة حول مدى مسؤولية الأطباء والقطاع الصحي (لا سيّما الطبابة العسكرية) في تقديم العناية الصحية اللازمة لضحايا التعذيب وفي منح الموافقة على الاحتجاز في هذه الحالات.

– تحقيقات غير رسمية ومتعدّدة: أُخضع العديد من المحتجزين لتحقيقات عدّة خلال فترة احتجازهم، وقد تمّ نقلهم بين عدة مراكز أمنية من دون أن يعلموا دائماً أماكنها. في العديد من الحالات التي تولّى فيها الجيش القبض على المتظاهرين، نقل المحتجزون بين مراكز عدّة وخضعوا لثلاثة تحقيقات على الأقلّ لدى فروع مخابرات الجيش في مختلف المناطق، ثم لدى الشرطة العسكرية، ثم لدى مخافر الأمن الداخلي. كما أجرت فروع المخابرات وشرطة مجلس النوّاب تحقيقات “غير رسمية” مع بعض المحتجزين، حيث لم يتمّ فتح محضر رسمي بل تمّ تسليمهم إلى قوى الأمن الداخلي أو الشرطة العسكرية لإجراء التحقيقات الرسمية. ويسجّل أنّ المحتجزين على خلفية أحداث طرابلس في 26 تشرين الأوّل 2019 قد تمّ نقلهم من فرع المخابرات في طرابلس إلى مديرية المخابرات في وزارة الدفاع لإجراء التحقيقات الرسمية معهم بدلاً من الشرطة العسكرية. وأفاد بعض هؤلاء أنّهم لم يعلموا أيّاً من التحقيقات كانت رسمية ومدونة وأيّاً منها كانت “غير رسمية”.

– تحقيقات موّسعة وتعهّدات غير قانونية: أفاد عدد من المحتجزين بأنّ التحقيقات معهم جاءت موسّعة ولم تقتصر على الأسباب المباشرة لتوقيفهم. فقد تناولت آراءهم وانتماءاتهم السياسية وأسباب مشاركتهم في التظاهرات والجهات التي دفعتهم أو حرّضتهم على المشاركة في التظاهرة، وكأنّ المحققين يحاولون البحث عن أيّ جريمة يمكن إسنادها لهم وجمع المعلومات حول كيفية تنظيم التظاهرات. كما تضمّنت التشكيك في دوافعهم للاعتراض على السّلطة ومساعي لثنيهم على التظاهر مجدداً، مما قد يشكّل تعدّياً على حقوقهم المدنية. بالإضافة إلى ذلك، أفاد بعض المحتجزين أنّ المحققين طلبوا منهم التوقيع على تعهّدات بعدم التظاهر مجدداً، إلّا أنّ العديد منهم لم يلتزموا واستمروا بالمشاركة في التظاهرات، علماً أنّ هذه التعهّدات مخالفة للقانون كونها تتضمّن التنازل عن ممارسة حقوق وحريات دستورية.

– انتهاك الخصوصية وتفتيش الهواتف: فتّشت بعض الأجهزة الأمنية هواتف المحتجزين للاطّلاع على مضمونها واستخراج معلومات منها لاستخدامها كأدلّة وإثباتات ضدّهم. وقد أفاد جميعهم أنّ المحقّقين لم يبرزوا أيّ قرار قضائي خطّي يجيز لهم الاطّلاع على بياناتهم الخاصّة. وحصلت بعض هذه الإجراءات بموجب إشارة شفهية من النيابات العامّة ومنها ما حصل من دون أيّ قرار قضائي، مما شكّل تعدّياً صارخاً على الخصوصية، علماً أنّ قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018 يخضع ضبط الأدلة المعلوماتية الموجودة على الهواتف للقواعد المتعلّقة بتفتيش المنازل أي لقرار من النيابة العامّة (المادة 123). وحصلت أبرز تلك الانتهاكات على أثر قرار النيابة العامة التمييزية بمصادرة هواتف جميع الموقوفين الـ63 الذين ألقي القبض عليهم خلال التظاهرات في وجه المصارف في الحمرا في 14 كانون الثاني 2020 وبسحب جميع البيانات الشخصيّة منها. وخلافاً للتوقيفات الجماعية الأخرى التي حصلت في بيروت، قرّرت النيابة العامّة التمييزية إحالة هذه القضية إلى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي للتوسّع في التحقيقات مع المحتجزين. وبعد تركهم، لم يتمكّن معظمهم من استعادة هواتفهم إلّا بعدما وافقوا على تسليم كلمات السر، وتم تهديدهم بالملاحقة القضائية إن رفضوا. وقد صرّح بعض المتظاهرين الذين استرجعوا هواتفهم أنّهم لاحظوا وجود تطبيقات جديدة أو متغيّرة عليهم، أو أنّ هواتفهم تعطّلت كلّياً. بالإضافة إلى هذا التعدّي على الخصوصية، غالباً ما تؤدّي مصادرة هواتف المتظاهرين إلى تعطيل حياتهم المهنية والخاصّة نظراً لتحوّل الهواتف إلى وسيلة أساسية للتواصل والعمل. وفي بعض الحالات المتعلّقة بأعمال التخريب بحقّ أبنية المصارف، لجأت الأجهزة الأمنية إلى ترصّد تنقّلات الأشخاص المشاركين في هذه الأعمال عبر المعلومات المستخرجة من المواقع الجغرافية لهواتفهم وكاميرات المراقبة وغيرها من الأدوات الرقمية.

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

 

 

 

[1]  فواز طرابلسي، “الطبقات الاجتماعية في لبنان والسلطة السياسية في لبنان”، دار الساقي، 2015.

[2] كريم نمّور، “حق المقاومة والعصيان لمواجهة استبداد النظام”، “المفكرة القانونية”، 02/11/2019.

[3]  تقرير المقرّر الخاص المعني بالحق في حرية التجمّع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، إلى مجلس حقوق الإنسان (الدورة العشرون)، 21/5/2012، A/HRC/20/27، الفقرة 41.

 [4] كريم نمّور، “الشغب المشروع والعدالة الشعبية دفاعاً عن النفس”، “المفكرة القانونية”، .05/03/2020

[5]  بتاريخ 2 كانون الأوّل 2019 و11 شباط 2020، تقدّمت “المفكرة القانونية” بطلبات للحصول على إحصائيّات رسمية حول التوقيفات والإصابات أمام مديريات الأمن الداخلي وأمن الدولة والأمن العام. لم تستجب مديريتي الأمن الداخلي وأمن الدولة خلافاً لقانون حق الوصول للمعلومات، في حين جاء جواب الأمن العام في الكتاب رقم 51537/ س تاريخ 12/2/2020 ب “وجوب مراجعة النيابة العامة التمييزية (…) كون كافة التحقيقات التي تجريها هذه المديرية العامة تكون تحت إشراف النيابة العامة المذكورة”.

[6]  المؤتمر الصحافي الذي عقده مدير عام الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بتاريخ 16/1/2020.

[7]  كتاب قائد الجيش جانب “المفكرة القانونية” رقم 14458/ع.د/إ/إ/إ.ق.ع. تاريخ 27/4/2020.

[8]  غيدة فرنجية وسارة ونسا، كيف قمعت السلطة الحق بالتظاهر؟ 12/10/2015، نشر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. سارة ونسا وغيدة فرنجية، بعد تظاهرة 8 تشرين الثاني 2015، مجموع المدعى عليهم أمام المحكمة العسكرية: 54، 4/12/2015، نشر في العدد 33 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان.

[9] Lea Bou Khater and Rima Majed, Lebanon’s 2019 October Revolution: Who Mobilized and Why?

[10] أديب نعمة، “خصائص سكان لبنان: حقائق لمواجهة الفقر ورسم السياسات”، جريدة المدن، .2020/04/12

[11] “المفكرة القانونية” – المرصد البرلماني لبنان، إزالة صور الزّعماء والمسؤولين من الأماكن العامة: اقتراح قانون يستذكر توقيف أطفال حمّانا (جلسة تشريعية نيسان 2020)، 19/4/2020، نشر على موقع “المفكرة القانونية”.

[12] “المفكرة القانونية” – المرصد البرلماني لبنان، كامل نتائج الجلسة التشريعية نيسان 2020 (4): مقترحات متعلّقة بالحقوق والحريات العامة وحماية البيئة، 26/4/2020، نشر على موقع “المفكرة القانونية”.

[13]  وسام اللحام، “بعد مفاجأة اللبنانيين بتكليف الجيش بحفظ الأمن الداخلي منذ 1991، نسأل: “أين المرسوم؟ هل رأى أحدكم المرسوم؟” 18/5/2019، موقع “المفكرة القانونية”.

[14]  “قيادة شرطة مجلس النواب نفت اعتقال شبان”، الوكالة الوطنية للإعلام، 18/12/2019، “شرطة مجلس النواب: لم نتدخل بتحركات المتظاهرين ومهمتنا كانت وستبقى حماية مقر المجلس”، الوكالة الوطنية للإعلام، 6/2/2020.

[15]  في 14 كانون الثاني 2020، رفضت وزارة الداخلي استلام طلب “المفكرة القانونية” بالحصول على معلومات حول الإطار القانوني الذي يرعى شرطة مجلس النوّاب تحت حجة عدم الاختصاص. وفي 11 شباط 2020، رفضت أمانة سرّ مجلس النوّاب تسجيل طلب مماثل تحت حجة عدم الاختصاص أيضاً.

[16] يرجى مراجعة قرار محكمة التمييز الجزائية (الغرفة الرابعة) رقم 104 تاريخ 3/3/1998 (متوفّر على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية) الذي اعتبر أنّ صفة عناصر أمن الدولة كضبّاط عدليين ينحصر بما يتعلق بالمخالفات المرتكبة ضد أمن الدولة الداخلي (أي الجرائم المنصوص عنها في المواد 273 إلى 295 من قانون العقوبات) والخارجي (أي المواد 301 الى 319 عقوبات)

[17]  غيدة فرنجية، أحكام بعدم الاختصاص والبراءة: القضاء العسكري يتنصّل من قمع حراك 2015، 19/5/2017، نشر في العدد 49 من مجلة “المفكرة القانونية”، رانيا حمزة، “مندسّو” حراك صيف 2015 أبرياء بحكم للمحكمة العسكرية، 17/7/2019، نشر على موقع “المفكرة القانونية”.

[18]  يراجع مثلاً: محكمة التمييز الجزائية (الغرفة السادسة)، القراران رقم 96 و97 تاريخ 23/3/2006، متوفران على موقع مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية.

[19]  المؤتمر الصحافي الذي عقده مدير عام الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان  بتاريخ 16/1/2020.

[20]  لمياء الساحلي، “ليلة المصارف الحمراء”: توقيفات عشوائية وشيطنة الملف عبر تحويله إلى “المعلومات””، 18/01/2020، موقع “المفكرة القانونية”.

[21]  غيدة فرنجية، التوقيف الاحتياطي في لبنان: عقوبة مسبقة أم إجراء ضروري؟ المفكرة القانونية، كانون الثاني 2019.

[22]  المؤتمر الصحافي الذي عقده مدير عام الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بتاريخ 16/1/2020.

[23]  كتاب قائد الجيش جانب “المفكرة القانونية” رقم 14458/ع.د/إ/إ/إ.ق.ع. تاريخ 27/4/2020

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، اختفاء قسري ، الحق في الخصوصية ، الحق في الصحة ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، دراسات ، سياسات عامة ، قضاء ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *