الاستشارة الوطنية لإصلاح التعليم في تونس: قراءة في الحصيلة


2023-12-27    |   

الاستشارة الوطنية لإصلاح التعليم في تونس: قراءة في الحصيلة

“باختيارك تْغيّر واقِع ومستقبل صْغارك”، “شارك أعطي رأيك تنفع أولادك وبلادك”، “شارك لبناء تربوي وتعليمي أفضل لمستقبل بلادك”، “الاستشارة وسيلة لتحديد انتظاراتكم من إصلاح التعليم والتكوين المهني”، “إنتِ من الناس اللي تْطالب بتغيير منظومة التعليم. مالا شارِك في الاستشارة وابصم رأيك”؛ هذه بعض الرّسائل -بأخطائها كما وردَت- التي تلقّاها بشكل مُتكرر ملايين التونسيين في الأشهر الأخيرة من قبل الجهة المنظمة للاستشارة الوطنية حول إصلاح نظام التربية والتعليم، من أجل تحفيز المواطنين على المشاركة فيها.

أُغلِق يوم 15 ديسمبر 2023 باب المشاركة في هذه الاستشارة التي أطلقتها وزارة التربية يوم 15 سبتمبر 2023، بالتزامن مع العودة المدرسية. وبعد ثلاثة أشهر من الترويج لها في المنابر الإعلامية والمؤسسات التربوية وعدة فضاءات لم تجلِب الاستشارة انتباه إلا 580620 تونسيا وتونسية. هذه الأرقام اعتبرَها وزير التربية، محمد علي البوغديري، “محترمة” و”إيجابية”.

ماذا تقول الأرقام؟

إيجابية الوزير في التفاعل مع نِسب المشاركة لا يمكن أن تُغطّي حجم الفشل. إذ أن نصف مليون مشارك(ة) فقط في بلد تعداده حوالي 12 مليون نسمة لا يمكن أن تُعدّ نسبة إيجابية. وحتى إذا اعتبرنا أن هناك فئات غير معنية مباشرة بالمسألة التربوية، فإن هناك حاليّا في تونس حوالي مليوني ونصف المليون تلميذ(ة) وأكثر من 300 ألف طالب(ة)، ومعهم حوالي 200 ألف مدرس(ة) في مختلف مراحل التعليم. وإذا ما احتسبنا أولياء التلاميذ والطلبة فسنجد أن هناك ملايين التونسيين المعنيين فعليا ويوميا بقطاع التعليم ومشاكله.

عدد المشارِكات أعلى قليلا من عدد المشاركين: 301691 مقابل 278929. وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى تطور حضور الإناث في المنظومة التعليمية في تونس. إذ أنّ أعدادَهن تتجاوز أعداد الذكور في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي والجامعي، وحتى على مستوى الإطار التدريسي هناك غلبة نسبيّة للإناث في جلّ مراحل التعليم. كما أن تقسيم المهام على أساس النوع الاجتماعي ما زال يُحمّل النساء المسؤولية الأكبر في العناية بالمسار التربوي والتعليمي للأطفال، خصوصا في المراحل الأولى. 

احتلّت ولاية المنستير المرتبة الأولى بـ54687 مشارك(ة)، وتلَتها صفاقس بـ50141 مشارك(ة) ونابل بـ36548 مشارك(ة). واستأثر إقليم تونس الكبرى بحوالي خمس عدد المشاركين (106189 مشارك). وإذا ما أضفنا لهذه الجهات ولايات سوسة والمهدية فسنجد أنّ حوالي 60 بالمئة من المشاركة تركزت في إقليمي الشمال والوسط الشرقيين، وهذا التركّز يرجع بالأساس إلى الكثافة الديمغرافية في هذه المناطق الشرقية للبلاد -التي تُسجل عادة أعلى نسب النجاح في المناظرات الوطنية مثل الباكالوريا- وارتفاع نسب التمدرس وعدد المؤسسات التربوية والمدرسين بِها. ومن المُلفت وجود عدد كبير من ولايات الوسط والشمال الغربيين ذات الكثافة السكانية الضعيفة نسبيا (سيدي بوزيد، القصرين، سليانة، باجة) في ترتيب الولايات العشر الأكثر مشاركة في الاستشارة. ولا يمكن الجزم إن كان ارتفاع أو تدني عدد المشارَكات حسب الولايات مرتبطا فقط بمدى الاهتمام بقطاع التعليم أم أنه يعكس أيضا مدى الدعم لرئيس الجمهورية و”مسَار 25 جويلية”.

لا يبدو أن التونسيين في المهجر معنيين بهذه الاستشارة، وربّما لم يسمعوا عنها أبدا، فأعداد المشاركين من خارج البلاد لم تتجاوز 2000 مشارك، تركّز أغلبهم في فرنسا وألمانيا وقطر والسعودية وكندا، أي البلدان التي تشهد تواجدا قويّا لمهاجرين تونسيين لديهم مستوى تعليمي عالٍ.

إذا ما اعتمدنا التقسيم حسب الفئة العمرية، سنجد أن الأطفال والمراهقين يشكّلون السواد الأعظم من المشاركين بنسبة الثلثين تقريبا: 15،4% تقلّ أعمارهم عن 12 سنة، و27،9% تتراوح أعمارهم ما بين 12 و15 سنة، و21،7% تتراوح أعمارهم ما بين 16 و20 سنة. وقد كان للمجهود الدعائي لوزارة التربية وتسخير المؤسسات التربوية من خلال “الأيام المفتوحة” التي نُظّمَت في عدد كبير من المؤسسات التربوية دور كبير في ارتفاع نسبة المشاركة في أوساط التلاميذ والتلميذات. ومن المنطقي هنا أن نتساءل عن مدى تمتع المشاركات والمشاركين من الأطفال بحرية حقيقية في اختيار المشاركة من عدمها، وكذلك مدى استيعابهم للأسئلة والإجابات المقترحة في الاستشارة ووعيهم برهانات إصلاح التعليم والتربية. ومن اللافت أيضا أن الشريحة العمرية ما بين 21 و40 سنة لم تتجاوز نسبة حضورها في الاستشارة 13،2% من جملة المشاركين،  وجزء هام من منتسبي هذه الفئة هم طلبة وباحثين ومدرّسين ووافدين جدد على سوق الشغل وآباء وأمهات لأطفال في المراحل التعليمية الأولى، أي أنهم معنيّون بشكل قوي بمسائل التربية والتعليم. ربما هو الإحباط العام لدى فئة تتحمّل النصيب الأكبر من انعكاسات الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد.

الوزارة تُثمّن…

اختيار المنصة الإلكترونية كفضاء للمشاركة في الاستشارة، وسطحية الاستشارة وأسئلتها، وعدم مراعاة اختلافات السن والجنس والمستوى التعليمي والموقع من النظام التربوي، وتوتر الأجواء بين وزارة التربية ونقابات التعليم، ورفض عدد هام من المواطنين المشاركة من باب معارضتهم للسلطة الحاكمة ومشاريعها ودعايتها، وحالة النفور العامة من المشاركة في “الشأن العام” خاصة مع احتدام الأزمة الاقتصادية وعدم الثقة في المستقبل؛ كلّ هذه العوامل ساهمت بنسب مختلفة في عدم اهتمام الغالبية العظمى من التونسيين بهذه الاستشارة. لكن يبدو أن وزير التربية لا يرى الأمور من هذا المنظور، إنما عرَضَ تفسيرات أخرى خلال استضافته في برنامج لإحدى الإذاعات التونسية. “نسب المشاركة أعتبرها دائما محترمة بما أنها عملية نوعية”، هكذا قال الوزير. واعتبر أن استشارة إصلاح التعليم خطوة إيجابية فهي تحفز المواطنين على المشاركة في الشأن العام: “يجب أن يتعوّد الناس على المشاركة في هذه الاستشارات، يجب أن تكون هناك دربة على هذه الاستشارات”.  ويبدو من خلال كلام الوزير أن هناك استشارات أخرى في الطريق، ولا نعلم إن كانت ستعنى بالتعليم فقط أم ستشمل قطاعات أخرى.

عندما سئل وزير التربية خلال نفس البرنامج عن رأيه بخصوص هيمنة فئة الأطفال على الفئات العمرية المشاركة في الاستشارة، أجاب بأنه يتوجّب علينا أن نحترم كل الآراء وأن الأطفال لديهم معرفة بالحياة المدرسية، وأن مشاركتهم القوية تعدّ مكسبًا بما أنها تُدرّبهم على المواطنة والحياة العامة، فهم “جيل المستقبل وبناة تونس الغد” و”هناك صغار يتصرفون كالرجال” على حد تعبير الوزير. طبعا لا تكمن المشكلة في مشاركة الأطفال، بل في عدم تخصيص استشارة لهم تراعي سنّهم ووعيهم وأولوياتهم، فما الفائدة من استطلاع رأي طفل في سن العاشرة عن التكوين المهني ومشاكل الجامعة والمنهجيات والمقاربات التربوية الأصلح؟ 

وفيما يتعلّق بمصير الاستشارة بعد إغلاق باب المشاركة فيها، أكد البوغديري أنه ستقع دراسة إجابات المشاركين بتعمق من قبل “خيرة الخبراء والمتفقدين والأساتذة الجامعيين”، وسيتم الاستئناس بنتائج الاستشارة لصياغة مشروع إصلاح التعليم الذي سيشرف عليه “المجلس الأعلى للتربية والتعليم”. كما أشاد الوزير بحرص رئيس الجمهورية على نجاح هذا المجلس الذي سيترأسّه بنفسه. 

كرسي الوزير على المحك؟

تواترت في الآونة الأخيرة تسريبات عن إقالة مرتقبة لوزير التربية على خلفية ضعف نسب المشاركة في الاستشارة الوطنية والتأخر في مشروع إصلاح التعليم، وتحدّث البعض عن توتّر في العلاقات بين البوغديري والرئيس سعيّد. ويُذكر هنا أن آخر لقاء رسمي بين رئيس الجمهورية ووزير التربية -إذا ما استثنينا اجتماعات المجالس الوزارية- يعود إلى 4 أكتوبر الفائت. لكن الوزير البوغديري نفى قطعا كل هذه الإشاعات وأكّد أن مصدرها أشخاص “يحزّ في نفسهم ما يتحقق في هذا البلد، وهم معروفون بمعارضتهم ومعاداتهم أصلا لما يتحقق في تونس منذ 25 جويلية”، وأضاف قائلا: “سنواصل السير إلى الأمام غير آبهين بقوى الشدّ إلى الخلف. سنواصل التقدم بهذا البلد ومستعدّون لتحمل المسؤولية في كل المواقع من أجل الدفاع عن هذا المسار”.  ولم يفتْ الوزير أن يُقدّم صورة وردية عن انسجام الفريق الحكومي مع “القيادة الحكيمة” فأكّد أن “العلاقة والثقة عالية جدا بين المسؤولين الآن في هذا البلد. يعملون بجدّ وكدّ بقيادة الرئيس. هذا الرئيس الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة من دون أن يهتم بها”. وختم بالإشارة إلى أنه حتى في صورة إقالته فهذا أمر طبيعي يُمكنه الحدوث، ولن يُؤثّر عن علاقته بـ”مسار 25 جويلية”. فهل سيحتفل البوغديري بمرور سنة على تولّيه منصبه (30 جانفي 2023) أم أنه سيرحل قبل ذلك، في انسجام مع حالة عدم الاستقرار المُزمنة في وزارة التربية التي تعاقب عليها 11 وزيرا منذ 14 جانفي 2011.

 لا يمكن التنبّؤ بقرار رئيس الجمهورية. لكن من المرجّح أن يبقي البوغديري في منصبه، فالرّجل نجح خلال الأشهر الفائتة في الفوز بمعركة ليّ الذراع مع نقابتيْ التعليم الأساسي والثانوي (أزمة حجب الأعداد) وهو أيضا من المناصرين الأشدّاء لقيس سعيّد، وعبّر مبكّرا عن دعمه لـ”مسار 25 جويلية “. ولا يمكن أن نغفل حقيقة أن البوغديري يعدّ حليفا ثمينا لرئيس الجمهورية باعتبار المواقع العليا التي شغلها سابقا في قيادة نقابة التعليم الثانوي وفي المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل ومعاداته للقيادة الحالية للمنظمة التي لا يكن لها رئيس الجمهورية الود.

فَشل غير مزعج

لا يبدو أن فشل الاستشارة الوطنية حول إصلاح التربية والتعليم، كما فشلت قبلها الاستشارة الوطنية حول الإصلاح السياسي (جانفي-مارس 2022)، يُمثّل مشكلا حقيقيّا للسلطة الحاكمة. فهذه الاستشارات لا يُقصَد بها الاستشارة بحدّ ذاتها، بل “رفع العتب” والإيحاء بوجود نقاش مواطني ديمقراطي حول مختلف المسائل الكبرى. [1] نجحَ الرئيس مرة أخرى في تجنّب الحوار مع المجتمع وقواه السياسية والمدنية عبر الاعتماد على الاستشارات عن بعد كوسيلة التفاف. لكنه نجاح بطعم الخسارات؛ خسارة صغرى للسلطة التي لم تستطع إقناع أغلب التونسيين بالتفاعل الإيجابي مع مشاريعها المسقطة، وخسارة كبرى للبلاد، التي سيتعثّر فيها إصلاح قطاع حيوي[1] لا يَحتمل الارتجال والانفراد بالرأي والجرعات المفرطة من الإيديولوجيا والوصفات الفوقية الجاهزة.


[1] للوقوف أكثر حول المآزق الهيكلية التي يعيشها قطاع التعليم في تونس، بإمكانكم مراجعة العدد 18 للمفكرة القانونية المخصص للتعليم، على الرابط التالي. (الهامش من وضع المحرر).

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في التعليم ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية