الإبعاد القسري للمهاجرين في الصحراء: جريمة ضدّ الإنسانيّة تُجابه بالإنكار


2023-08-18    |   

الإبعاد القسري للمهاجرين في الصحراء: جريمة ضدّ الإنسانيّة تُجابه بالإنكار
رسم عثمان سلمي

منذ 8 سنوات، انتظر العالم صورة آلان كردي كي يتفطّن، ولو لوهلة، إلى معاناة طالبي اللجوء السوريّين عبر البحر. في صيف 2023، جاءتْ صورة فاتي دوسو وابنتها ماري، متوفّيتين عطشا وجوعا في الصحراء التونسيّة- الليبيّة، لتهزّ الضمائر. عرّت هذه الصورة بشاعة عنصريّة الدولة في وجه المهاجرين من جنوب الصحراء، بعد أسابيع من الإنكار الرسمي لما جاء في تقارير المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام خصوصا الأجنبيّة، وادّعاء الرئيس قيس سعيّد أنّ “تونس تعطي دروسا في التعامل الإنساني مع المهاجرين”.

تهاطلت بعد ذلك الصور والفيديوهات والشهادات، مع اكتشاف ما لا يقلّ عن 27 جثّة في الحدود الليبية، وجثّتين على الأقلّ في الحدود مع الجزائر، وإنقاذ عشرات في وضعيّة صعبة، وقع ترحيلهم قسرا خصوصا من صفاقس بعد موجة الاعتداءات العنصريّة ضدّ المهاجرين التي بدأت في نهاية جوان، واشتدّت بشكل وحشيّ في بداية جويلية بعد سقوط ضحيّة تونسيّة، عبر تعنيفهم وسرقتهم وتهشيم ممتلكاتهم واحتجازهم في ظروف مهينة. تتفق جلّ التقارير والشهادات على ترحيل ما بين 1200 و2000 مهاجرا من صفاقس حينها إلى الحدود الليبيّة أو الجزائريّة، من دون ماء ولا غذاء، في ظروف مناخيّة قاسية للغاية، بعد تعنيفهم وافتكاك أو تهشيم هواتفهم وتمزيق جوازات سفر النظاميين منهم. فضلا عن المئات الذين هربوا من المدينة في اتجاهات مختلفة. ورغم إنقاذ مجموعات بعد ذلك بأيام وإعادة إيوائهم، أو بالأحرى احتجازهم، في عدد من المراكز بمساعدة منظمات دوليّة، إلاّ أنّ عددا آخر بقي يواجه مصيره المحتوم، في حين تواصلت في الوقت نفسه، حسب شهادات متواترة، عمليّات الطرد القسري في الصحراء، على الأقلّ حتى بداية أوت.

اختبأت السلطة وراء سياسة الإنكار ونظرية المؤامرة وتخوين المنظمات الحقوقيّة، وصولا إلى تهديد من يحاول إيواء المهاجرين أو يقترب من المناطق المغلقة لإنقاذ العالقين، بعنوان احتكار منظمة الهلال الأحمر “لعمليات الإحاطة الإنسانيّة بمن ما زالوا عالقين في الحدود”. تواصل الإنكار الرسميّ على لسان الرئيس قيس سعيّد ووزير الداخلية كمال الفقيه، حتى بعد بيان خبراء الأمم المتحدة وبعد انتشار الشهادات الحيّة والموثّقة. وانضافت إليه سياسة اتصاليّة بائسة تظهر أعوان الأمن وهم يقدّمون المساعدات للمهاجرين، وصولا إلى إعلان “إخلاء المنطقة الحدوديّة العازلة”. وقد تم هذا الإعلان بعد جلسة بين وزيريْ الداخلية التونسي والليبي انعقدت بعد أكثر من شهر، وأفضت إلى قبول كلّ دولة مجموعة من العالقين. شعبيّا، لا يبدو أنّ ما حصل نال ما يستحقّه من اهتمام واستنكار. حتى المجتمع الحقوقي بقي إلى حدّ بعيد تحت أثر الصدمة، بالرغم من الجهد المبذول في الإغاثة الإنسانيّة.

هذا المقال يدافع على فكرة قد تبدو صادمة، وهي أنّ الإبعاد الجماعي القسري للمهاجرين من جنوب الصحراء، يمكن تكييفه كجريمة ضدّ الإنسانيّة على معنى القانون الجنائي الدولي. لا نسعى فقط من خلال ذلك لشدّ الانتباه إلى فداحة ما حصل، حتى بالمقارنة مع جرائم أخرى تحصل يوميّا ضدّ المهاجرين في العالم وسط حالة من التطبيع العامّ، ولكن أيضا للمساهمة في المجهودات الرامية لاعتماد القانون الجنائي الدولي لمحاسبة السياسات الإجراميّة ضدّ المهاجرين. ويؤمل من ذلك القطع مع حالة الإفلات من العقاب واستباحة أجساد من أصرّوا على ممارسة حقّهم الإنساني في التنقّل. فهذا النقاش مهمّ لتذكير من يتورّط في هذه الممارسات، بدءا برأس السلطة نفسه، بأنّه ليس في مأمن تماما من الحساب. فالجرائم ضدّ الإنسانية لا تسقط بمرور الزمن، ولا ترتبط محاسبتها بمكان اقترافها. لا يقلّل ذلك في شيء من مسؤوليّة سياسات تصدير الحدود الأوروبيّة، التي تفضّل استخدام تونس وغيرها من دول الجنوب، في إطار سياسة “المناولة”، لإبعاد شبح المهاجرين والقيام بالمهامّ القذرة بدلها. ولا من مسؤوليّة الجاريْن الليبي والجزائري في المأساة الأخيرة. وإنما على العكس، قد يكون القانون الجنائي الدولي الوسيلة القانونيّة الأنجع إزاء تحويل أرواح المهاجرين للعبة تتقاذفها “السيادات”.

إزاء خطاب تجريم الهجرة، الذي تفرضه دول الشمال وتجترّه السلطات التونسيّة باسم “تطبيق القانون”، قد يكون مفيدا أن نذكّر بأنّ الجريمة الحقيقيّة، بل أبشع الجرائم، هي في تعامل الدّول معهم، سواء مباشرة أو بالوكالة، انطلاقا من النموذج المأساوي الذي حصل في تونس.

القانون الجنائي الدولي كأداة لحماية المهاجرين؟

قد يبدو إقحام القانون الجنائي الدولي في جرائم الدول ضدّ المهاجرين مفاجئا، فهو في الانطباع العامّ يرتبط بالحروب. ولم يأت هذا الانطباع من فراغ، حيث أنّ صياغة القانون الجنائي الدولي كانت، على الأقلّ إلى حدود نهاية القرن العشرين، على مقاس الحروب وفظاعاتها وأطرافها. لكنّ مجاله لا يقتصر على وضعيّات الصراع المسلّح، داخليّا كان أم دوليّا. فالجريمة ضدّ الإنسانيّة تتميّز بانطباقها أيضا زمن السلم. يظهر ذلك من خلال معظم تعريفاتها القانونيّة، وصولا إلى ميثاق روما لسنة 1998 الذي بعث المحكمة الجنائيّة الدولية، وانخرطت فيه تونس سنة 2011 بفضل الثورة. فقد نزع ميثاق روما نهائيّا الرابط المفترض بين الصراع المسلّح والجريمة ضدّ الإنسانيّة[1]. هذه الأخيرة هي بذلك أوسع نطاقا من جرائم الحرب، ولكنّها في الوقت ذاته أضيق منها، حيث أنّ شروطها صعبة التحقّق. خصوصيّتها، هي أنّها تنزع الإنسانيّة تماما عن ضحاياها، وبالنتيجة أيضا عن مرتكبيها[2].

وقد شهدنا في السنوات الأخيرة محاولات لاستعمال القانون الجنائي الدولي، وبالتحديد صنف الجرائم ضدّ الإنسانيّة، لمحاسبة الجرائم الحاصلة ضدّ المهاجرين. من ذلك الشكاية المقدّمة في 2014 ضدّ السياسات الأسترالية إزاء طالبي اللجوء، عبر تجميعهم في مركز احتجاز في ناورو، والتي انتهت في 2020 إلى رفض المدعي العامّ لمحكمة الجنايات الدولية اعتبارها جريمة ضدّ الإنسانيّة، مع الإقرار بأنّها من المعاملات القاسية واللاإنسانيّة والحاطّة من الكرامة. كذلك محاولات بعض المنظمات الحقوقيّة والمحامين تتبّع السياسات الأوروبية في مجال الهجرة بوصفها جريمة ضدّ الإنسانيّة، بتسببها المباشر في موت الآلاف في المتوسط، ومسؤوليتها عمّا يحصل في ليبيا من جرائم ضدّ المهاجرين والتي اعتبر مكتب المدعي العامّ، في سياق آخر لا يشمل الدور الأوروبي فيها، أنّها ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة. ما يهمّنا هنا ليس مقارنة تعامل الدولة التونسيّة مع المهاجرين بما يحصل في ليبيا أو الجزائر، رغم تشابه الأساليب، وإنما انطباق مفهوم الجريمة ضدّ الإنسانيّة على الممارسات الرسمية التونسية في صيف 2023.

فقد ظهر مفهوم “الجريمة ضدّ الإنسانيّة” بعد الإبعاد الجماعي للأرمن في الدولة العثمانيّة إبان الحرب العالميّة الأولى إلى الصحراء السوريّة، حيث مات الكثيرون منهم جوعا وعطشا. وإن كانت المقارنة لا تجوز لجهة نطاق الجريمة وعدد ضحاياها، فإنّ ما يهمّنا هو أنّ الإبعاد القسري ظلّ، مع تطوّر وتوضح المفهوم في العقود الموالية، من بين عناصرها. حيث ينصّ ميثاق روما في المادة 7، على الأفعال التي تشكّل جريمة ضدّ الإنسانيّة متى “ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم”، ومن بينها “النقل القسري للسكان”. وإذا كان هذا الفعل هو الأوضح في تكييف الإبعاد الجماعي للمهاجرين في صيف 2023، إلاّ أنّ ذلك لا يعني إقصاء انطباق بقيّة الأفعال التي تتضمّنها المادّة 7، ومن بينها القتل (عبر إلقاء المئات في الصحراء في تلك الظروف المناخيّة) والاختفاء القسري للأشخاص و”السجن أو الحرمان الشديد من الحرية البدنية”، وبالأخصّ “اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية…”.

الإبعاد القسري الجماعي

لئن كانت صورة فاتي دوسو وابنتها الأكثر انتشارا ورمزيّة، إلاّ أنّها تمثّل حالة خاصّة من بين الضحايا. فقد طُردت فاتي مع زوجها باتو وابنتهما من مدينة بن قردان الحدوديّة بعد دخولهم من ليبيا، ليجدوا أنفسهم يقاسمون مأساة مجموعات المرحّلين قسرا من صفاقس. وقد كان فاتي وباتو يقيمان في ليبيا منذ 7 سنوات، وهناك تعرّفا وأنجبا ابنتهما ماري، وبعد اليأس من تحقيق حلم الهجرة إلى أوروبا بعد خمس محاولات فاشلة، قرّروا الذهاب إلى تونس على أمل تسجيل ماري في المدرسة. يروي “باتو” كيف تمّ تعنيفهم وافتكاك وثائق هوياتهم وتهشيم هواتفهم من قبل أعوان الأمن التونسيين، قبل أن ينقلوا إلى مكان صحراوي قاحل ليُجبَروا، تحت تهديد السلاح، على عبور الحدود مشيا في اتجاه ليبيا.

الوضعية مشابهة في الحدود مع الجزائر، حيث أثبتت دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعيّة حول مركز احتجاز “وادي المغطى”، وهي منطقة صحراويّة قاحلة بعيدة عن كلّ المرافق الحياتيّة، أنّ الغالبيّة الساحقة من العالقين هناك إمّا جلبوا من صفاقس، وقد كانوا يقيمون فيها منذ سنوات ومن بينهم من دخل تونس بطريقة نظاميّة، أو من ولاية قفصة، الحدوديّة مع الجزائر، بعد أيام أو أسابيع من دخولهم التراب التونسي مشيا على الأقدام[3]. يؤشر ذلك إلى أنّ حملة الطرد الجماعي من صفاقس تزامنت مع تشديد مطاردة الواصلين حديثا في المناطق الحدوديّة، باعتماد الأساليب ذاتها.

لا يشترط مفهوم الإبعاد القسري “إقامة” لمدّة معيّنة، وإنّما فقط “التواجد”[4]، بما يمكن أن يشمل مبدئيا كلّ الضحايا. إذ لا يتعلّق الأمر بإرجاع وافدين في الحدود، وإنّما بطرد مجموعات دخلت التراب الوطني، بقطع النظر عن كيفيّة وصولها، وذلك بطريقة جماعيّة وقسريّة ووحشيّة، مع تعريضهم لخطر الموت عطشا وجوعا. يبقى أنّ إبعاد سكّان مستقرّين منذ مدّة بناء على لون بشرتهم أو جنسياتهم بمثل هذه الطريقة، يكتسي خطورة خاصّة. فقد شملت الحملة أشخاصا يقطنون منذ سنوات ويشتغلون في مدينة صفاقس بالأخصّ، مثل السوداني هيثم، الذي اشتغل لأكثر من سنة في قطاع البناء قبل أن يعتقل من مكان عمله ويلقى به في الحدود الليبية، أو “كلفين”، النيجيري الذي وصل مع أخيه منذ سنة واشتغلا أيضا في البناء، والذي ألقي به هو الآخر على الحدود التونسية الليبية وظلّ هناك لأسابيع مع مجموعة من 150 مهاجرا، ولم يستطع العودة بفعل تهديد أعوان الأمن التونسيين بإطلاق النار.

ولكنّ الشرط الذي يحتاج نقاشا، والذي يتعلّل به الخطاب الرسمي التونسي بالتوازي مع إنكاره الإبعاد الجماعي، هو مشروعيّة وجود الضحايا في المنطقة التي يقطنون فيها. “المشروعيّة”، حسب إجماع الشراح، لا يمكن أن تقيّم فقط بالنظر إلى القانون الداخلي لكلّ دولة، لأنّ ذلك يفقد مفهوم الإبعاد القسري في القانون الجنائي الدولي أيّ فائدة[5]. فالقانون التونسي في مجال إقامة الأجانب، والسياسات العموميّة العنصريّة في هذا المجال، تجعل من الصعب حتّى على من دخل بطريقة نظاميّة، أن يبقى في وضعيّة قانونيّة، مهما سعى لذلك. عدم امتلاك بطاقة إقامة لدى الضحايا لا يعني تاليا إقصاء هذا الشرط. الأهمّ، هو أنّ ترحيل المتواجدين بصفة غير نظاميّة، وبغضّ النظر عن مخالفته الأصليّة لمبدأ حريّة التنقّل، يجب أن يحترم جملة من الشروط في القانون الدولي. أهمّها أن يتمّ وفق إجراءات منظّمة، حالة بحالة، بقرارات قضائيّة، وبطريقة نظاميّة في المعابر الرسميّة، وليس بطريقة جماعيّة، وحشيّة، عنيفة، في الصحراء بما يعرّض الضحايا إلى خطر الموت عطشا وجوعا. كما يكون الترحيل بطريقة نظاميّة في اتجاه الدولة التي ينتمي إليها كلّ مهاجر، وليس بدفعهم عبر الحدود الصحراويّة إلى مكان يواجهون فيه خطر الاسترقاق والتعذيب والقتل. فضلا عن أنّ عمليات الإبعاد الجماعي انتهكت مبدأ “عدم الإعادة القسريّة” في القانون الدولي، خصوصا وأنّ عددا هامّا ممن تمّ إبعادهم إلى الحدود، هم من طالبي اللجوء، ومنهم السودانيّون الهاربون من الحرب. يمكن أن نستنتج إذا أنّه، بغضّ النظر عن وجود عدد من الضحايا في وضعيّة قانونيّة حسب منظمة هيومن رايتش واتش، فإنّ عمليّة الإبعاد تمّت بطريقة غير شرعيّة، ولم تتّبع إجراءات قانونيّة ولم تقم على معاينة الملفات بشكل فردي، وإنّما اعتمدت معيار لون البشرة والانتماء إلى دول جنوب الصحراء، فضلا عن طريقتها الوحشيّة. ينضاف ذلك إلى الإعتداءات الجنسيّة على النساء والطفلات، وظروف الاحتجاز والإبعاد التي ترتقي حسب المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب إلى ممارسات تعذيب والتعامل اللاإنساني والمهين. بل أنّ الإصرار على تهشيم هواتف الضحايا، ثمّ تعجّب الرئيس من امتلاك بعضهم لشرائح هاتف، دليل على أنّ الهدف كان دفعهم إلى الموت من دون ترك الفرصة لهم لطلب النجدة.

سياسة دولة إجراميّة

يبقى أنّ تكييف الجريمة ضدّ الإنسانيّة لا يرتبط فقط بالأفعال، وإنما بالأخصّ بسياق اقترافها. إذ ينصّ الميثاق على أنّ عبارة ”هجوم موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين“ تعني “نهجا سلوكيا يتضمن الارتكاب المتكرر للأفعال المشار إليها (…) ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، عملا بسياسة دولة أو منظمة تقضي بارتكاب هذا الهجوم، أو تعزيزا لهذه السياسة”. ذلك ما يميّز بين الأفعال الإجراميّة المعزولة، مهما كانت شنيعة، والجرائم ضدّ الإنسانيّة. بل أنّ فلسفة الأخيرة قامت على أنّ أقسى الجرائم، هي تلك التي يرتكبها طرف منظّم، يمتلك كلّ وسائل القوّة، ضدّ الفئات الأكثر عزلة وضعفا وهشاشة التي كان يفترض فيه أن يحميها[6]. هي تلك التي تحوّل عقلانيّة الجهاز البيروقراطي إلى آلة دمويّة تلغي الإنسانيّة داخلنا، وتشتغل وفق “تفاهة الشرّ” كما شرحتها حنّة أرندت.

لا تطرح عبارات “هجوم” و”مجموعة من السكان المدنيين” إشكالا. فالأولى تشمل أيّ “عمليّة” أو “حملة” أو “نهج سلوكي”، في حين لا يشترط الثاني سوى الطابع الجماعي وغير العسكري للضحايا المستهدفين. بل أنّ وجود ميزة تجمع بين الضحايا مثل لون البشرة أو الانتماء إلى جنسيات من جنوب الصحراء، هي قرينة إضافيّة على توفّر الشرط[7]. لذلك سنركّز على شرط “سياسة الدولة”، ومن خلال استعراض الوقائع والأرقام، سيظهر طابع الهجوم واسع النطاق أو المنهجي.

ليس هنالك من شكّ حول طبيعة الطرف المسؤول عن عمليات الإبعاد القسري. فالمسؤوليّة تعود مباشرة للدولة التونسيّة. لا يغيّر من ذلك الإنكار الرسمي، أمام تواتر الشهادات من الضحايا. بل أنّ أحد نوّاب صفاقس في برلمان الرئيس، معز برك الله، أقرّ في تصريح لوكالة تونسافريقيا للأنباء بترحيل 1200 مهاجرا من صفاقس إلى المناطق الحدودية مع ليبيا والجزائر، بين 28 جوان و5 جويلية، بالتنسيق بين المصالح الأمنيّة في إدارة إقليم صفاقس وأقاليم المناطق الحدوديّة. ويتقاطع التصريح مع شهادات الضحايا حول إيقافهم ونقلهم قسرا من قبل أعوان الأمن التونسيين في حافلات، قبل إلقائهم في الصحراء. يؤكّد ذلك أنّ الأمر لا يتعلّق بممارسات ميليشيات تحرّكت لوحدها، وإنّما بعمل رسمي للدولة عبر أجهزتها المسلّحة. كما يظهر معه الطابع المنهجي وواسع النطاق، ليس فقط من خلال عدد الضحايا ولكن أيضا لتواصل العمليّة بشكل يومي طيلة أكثر من أسبوع، ثمّ بشكل منقطع لأكثر من شهر. إذ تعدّدت الشهادات لمهاجرين تعرّضوا للعملية ذاتها، مثل الغيني جوليان، الذي يروي كيف أوقف في صفاقس يوم 22 جويلية، ليجد نفسه بعد 5 ساعات في الحدود الجزائرية. كذلك الممرضة السودانيّة تفاؤل عمر، وهي حامل، التي أوقفت مع زوجها آدم في نهاية جويلية في مقرّ إقامتهما في جرجيس وألقي بهما في الصحراء ضمن مجموعة من السودان والسنغال وغانا ومالي بعد افتكاك هواتفهم جميعا وتعنيف الرجال منهم.

يعني ذلك أنّ مسؤولية الدولة ليست فقط سلبيّة، إزاء عدم نجدة مهاجرين عالقين في الصحراء، كما حصل مع الجثث التي عُثر عليها في جبال القصرين في ماي الماضي. كما لا يتعلّق الأمر فقط بعدم تحمّل مسؤولية حماية فئات هشّة في وجه الاعتداءات العنصريّة ضدّهم. فالدولة هي التي اقترفت مباشرة الاعتداء، تطبيقا لسياسة وأوامر مركزيّة. ولئن كانت مسؤولية السلط الجهوية كافية لتحقيق شرط “سياسة الدولة”[8]، فإنّ شغور مركز الوالي عن الجهة منذ أشهر، وطبيعة النظام السياسي الموغل في الحكم الفردي، والتنسيق مع الولايات الحدوديّة، والخطاب الرسمي المعلن للرئيس سعيّد، جميعها أدلّة واضحة على المسؤوليّة المباشرة للسلطة المركزيّة في ما حصل. خصوصا وأنّ إبعاد المهاجرين إلى الحدود حصل مرّات عديدة في السنوات الفارطة، بأعداد ونسق أقلّ وفي ظروف أقلّ وطأة.

فلا يمكن التعلّل بحالة الاحتقان في صفاقس لتبرير ما حصل. ليس فقط لأنّ الدولة مسؤولة على المناخ العنصري وتواتر الاعتداءات الوحشيّة ضدّ المهاجرين منذ أواخر جوان، عبر تبني الرئيس لنظرية المؤامرة بخصوص تواجدهم في تونس، ثمّ حول تمركز جزء منهم في صفاقس. وليس فقط لأنّها تخلّت إزاء الهجمات العنصريّة المنظمة عن مسؤوليّة فرض الأمن ومعاقبة المعتدين وحماية الضحايا، مما أدّى إلى مزيد تأجيج الأوضاع. ولكن أيضا لأنّ الإبعاد القسري الجماعي، ودفع البشر إلى الموت عطشا، لا تبرّره أيّ إكراهات. فهي بذلك عاقبت الضحايا العزّل بصورة جماعيّة، على قاعدة لون البشرة، مستبطنة فكرة أنّ المشكل هو في وجودهم في المدينة وليس في ما يتعرّضون له من اعتداءات عنصريّة. فالخطاب الرئاسي العنصريّ دليل على أنّ الأمر لا يتعلّق بردّة فعل معزولة، وإنما بسياسة مقرّرة، يتوافق فيها الحلّ مع التشخيص. هو “حلّ أخير” لمشكل متوهّم ومتخيّل. بل أنّ تواصل عمليات الإبعاد القسري طيلة أكثر من شهر، على الرغم من ردود الفعل التي أثارتها، يؤكد أنّها تطبيق لسياسة إجراميّة واعية ومصرّة.

لا يتعلّق الأمر إذًا بدولة تمارس سيادتها على حدودها وتطبق قانونها، وإنما بجريمة ضدّ الإنسانية مكتملة الأركان. يبقى أنّ مسؤوليّة السلطة في تونس لا تقلّل في شيء من مسؤوليّة دول الشمال الأوروبي على هذا الوضع. ليس أدلّ على ذلك من تزامن الجريمة ضدّ الإنسانيّة في تونس مع إمضاء مذكرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي، محورها الأساسي التصدي للهجرة. وليس ذلك غريبا، بالنظر إلى التواطؤ الأوروبي في الفظاعات التي حصلت ولا تزال في ليبيا في حقّ المهاجرين.

أمام تحالف “السيادات” الإجراميّة، ربما يكون القانون الجنائي الدولي سلاحا فعّالا لقلب المعادلة، وتحويل القانون الدولي من ترجمة لموازين القوى، إلى أداة لنصرة الضعفاء ومحاسبة الأقوياء، كي يعبّر على قوّة القانون بدل قانون القوّة. فالهجرة لم تكن يوما إجراما، مهما أريد لها أن تكون كذلك،  وهي ليست كما يصفها سعيّد، “لاإنسانية”، بل هي أكثر الظواهر التصاقا بالإنسان، منذ تطوّر النوع البشري إلى اليوم. ما هو إجرامي وغير إنساني، هي سياسات الدول تجاه المهاجرين.

نشر هذا المقال ضمن الملف الخاص في العدد 27 من مجلة المفكرة القانونية – تونس

للاطلاع على العدد كاملا، إضغطوا هنا


[1] M. Cherif Bassiouni, Crimes against humanity: Historical evolution and contemporary application, Cambridge university press, 2011.

[2] Yves Ternon, Le crime contre l’humanité, in Guerres et génocides au XXe siècle, 2007, pp. 61-75.

[3] المنتدى التونسي للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعية، “وادي المغطى”: فضاء مفتوح للتغييب المضعف: قصة مهاجرين عالقين ومنبوذين، جويلية 2023، ص. 34.

[4] Vincent Chetall, Is there any blood on my hands? Deportation as a crime of international law, Leiden Journal of international law (2016), 29, p. 925.

[5] Ibid.

[6] Ioannis Kalpouzos, International criminal law and the violence against migrants, German Law Journal (2020), 21, p. 584.

[7] Vincent Chetall, op. cit., p. 932.

[8] Vincent Chetall, op. cit., p. 933.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات ، تونس ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مجلة تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية