احتجاز جينا الشمّاس لإرغامها على تسليم مستنداتها: “لم يأخذوا بالاعتبار أنّي كاشفة فساد”


2023-07-05    |   

احتجاز جينا الشمّاس لإرغامها على تسليم مستنداتها: “لم يأخذوا بالاعتبار أنّي كاشفة فساد”
من جلسة استدعاء جينا الشماس للتحقيق معها لدى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية

رفضت رئيسة جمعية “مدراء مؤهّلون لمكافحة الفساد” والنقيبة السابقة لمدققي الحسابات ‎جينا الشماس تسليم مكتب جرائم المعلوماتية المستند الذي على أساسه اتهمت فيه الوزير السابق نهاد المشنوق بتحويل مبلغ 16 مليون دولار أميركي في 21 أيلول من العام 2019، أي قبل أقل من شهر من ثورة 17 تشرين إلى الخارج، وذلك في معرض كشفها عبر الإعلام عن تحويلات مصرفية مشبوهة لمسؤولين سياسيين ورجال أعمال مرتبطين بالمنظومة منهم: المشنوق ونجيب ميقاتي ووليد جنبلاط وجمال الجرّاح وجهاد العرب ومحمد الحوت وغيرهم. وأصرّت الشمّاس على واجبها بتسليم المستند إلى الجهة المعنية، أي الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وفق ما كشف عنه وكيل الدفاع عنها المحامي رفيق غريزي لـ “المفكرة القانونية”. 

وكان المحامي العام الاستئنافي في بيروت القاضي رجا حاموش قد استدعى الشمّاس للتحقيق معها لدى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية أمس الثلاثاء في 4 تموز، بناء على شكوى تقدّم بها المشنوق ضدّها بتهمة القدح والذم والتشهير. وقد أشار بيان صادر عن مكتبه الإعلامي إلى أنّه “في 24 أيّار الماضي، زعمت السيّدة جينا الشمّاس، في مقابلة إذاعية، أنّ الوزير والنائب السابق نهاد المشنوق قام بتحويل 16 مليون دولار إلى خارج لبنان قبل ثورة 17 تشرين، ولأنّ هذا الادعاء لا أساس له من الصحّة، تقدّم المشنوق بدعوى ضد الشمّاس، كي تكشف ما لديها من مستندات تدينه، وتعلنها أمام الرأي العام، أو تكشف الجهة التي حرّضتها على التشهير به ونشر الادّعاءات الكاذبة بحقّه”. 

وخلال التحقيق، رفضت الشماس الاستجابة لطلب النيابة منها التوقيع على تعهّد بعدم التعرّض للمشنوق، كما رفضت تسليم أي مستند يتعلّق بالتحويلات نظراً لعدم التعامل معها بصفة كاشفة فساد ولإصرارها على تسليم المستندات إلى  الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. وبعد التحقيق معها واحتجازها  لمدة 6 ساعات، قرّر القاضي حاموش ترك شماس بسند إقامة. 

“لم يأخذوا بالاعتبار أنّني كاشفة فساد”

ويشرح محاميها غريزي لـ “المفكرة” أنّ الشمّاس أعطت إفادتها في الشكوى المقدّمة من المشنوق، حول ما ذكرته عن تحويل الـ 16 مليون دولار الى خارج البلد، لكن الهدف الحقيقي للاستدعاء، برأيه، كان الحصول على المستند الذي تملكه. ويضيف: “بطبيعة الحال لا نستطيع تقديم هذا المستند، إلّا إلى المرجع الصالح، وهي الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد”. ويرى غريزي أنّ الاتهام خالي المضمون، “إذ أنّ الجريمة المنسوبة إليها لا تكون محقّقة سوى بالتأكد من أنّ المعلومات الواردة عنها كاذبة، لذلك كان الأجدر بالقضاء أن يحقق في هذه المعلومات وأن يعتبرها بمثابة إخبار”.

وفي هذا الاطار، تقول الشماس لـ “المفكرة”: “نسي المدعي أنّه من الأشخاص العاملين في الشأن العام ولنا الحق في أن نسائلهم ونسألهم ونحن محرومون من تنفيذ قرار مجلس الوزراء حول التحقيق الجنائي والتدقيق المالي الصادر في آذار 2020. فالشعب اللبناني انتظر أن يحصل هذا الأمر خلال شهر، بحسب القرار، ولكنه حتى اليوم لا يوجد تدقيق ولا تحقيق مالي ولا معلومات مالية. لا يوجد مقاضاة لأي مسؤول ولا للمصارف”. وتتابع: “أما نحن إذا حاولنا كشف الفساد، يتحرّكون ضدّنا باستخدام السلطة وعلاقاتهم داخل المؤسسات العامة وغيرها وعلاقاتهم أيضًا بالقضاء في محاولة لترهيبنا وتخويفنا. حاولوا أن يقوموا بالمساءلة ولكن بشكل معكوس، فالمساءلة كان يجب أن تكون للذين كشفتهم وليس لي”. 

ومع ذلك ترى الشمّاس أمرًا إيجابيًا في التحقيق معها، وتوضح: “القضاء كان متفهّمًا ويجب البناء على ذلك. وقد استوعب أنّ هناك اتفاقية (الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد) نتمسّك بها وأنّي لست مستفيدة من المبلغ الذي كشفت عن تحويله، بل أسعى  لإعادته إلى شعبي وبلدي. إذا ليس لي مصلحة خاصة. فنحن كاشفو الفساد، ننذر أنفسنا كمجتمع مدني وحقنا أن نكون موجودين من أجل المصلحة العامة والمفروض أن تتحرك النيابات العامّة أوّلًا وكأولوية للمصلحة العامّة وليس للمصلحة الخاصّة أو لمصلحة من تضايق ومن انزعج. لا يوجد أي شيء شخصي مع المشنوق”.
وتضيف: “سُئلت عن مستنداتي، ولم يأخذوا بعين الاعتبار أنّنا كاشفو فساد وأنّ هذا من حقنا وفق المعاهدة”. 

يشار إلى أنّ لبنان صادق رسميًا على اتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد عام 2009 وانضمّ إليها بالقانون رقم 33/2008، والتزم بالتالي بمكافحة الفساد من خلال إنشاء وتنفيذ تدابير محددة لمنع الفساد في القطاعين العام والخاص، وإنشاء وتعزيز التدابير الجنائية التي تُعاقِب على أعمال الفساد وجرائم الفساد، وحماية كاشفي الفساد والتعاون القانوني الدولي لجمع الأدلّة ونقلها وتسليم الجُناة، واستعادة الموجودات المفقودة بسبب جرائم الفساد. وفي هذا الإطار أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون “مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد” في 27 حزيران 2019، كما أقرّ قانون حماية كاشفي الفساد 89/2018 الذي أعطى صلاحيات للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. 

لتكليف مكتب تدقيق في حسابات الأسماء

وبالتزامن مع التحقيق مع الشمّاس، نفذ عدد من المتضامنين والمتضامنات وقفة أمام ثكنة جوزيف ضاهر عند بوليفار كميل شمعون، وعمدوا إلى قطع الطريق لبعض الوقت، استنكارًا لاستدعاء النقيبة بسبب مطالبتها بمكافحة الفساد وفضح الذين استفادوا من معلومات بالتواطؤ مع المصارف لحماية ثرواتهم، ما أوصل لبنان إلى انهيار عملته اللبنانية، وبالتالي الانهيار المالي والاقتصادي.
وخلال الوقفة، استغرب الدكتور عصام خليفة في حديث مع “المفكرة” استدعاء الشمّاس بدلًا من استدعاء المسؤولين الفاسدين واسترداد الأموال المهرّبة إلى الخارج. وقال: “جينا مواطنة نقابية شريفة وشجاعة، نحن معها ضدّ كلّ الفاسدين واذا أرادوا التصعيد فنحن لها. أما إذا كانوا يريدون السير بالطريق الصحيح فالحل هي الأسماء التي ذكرتها جينا والمبالغ التي ذكرتها فليتفضّلوا ويستردّوها”. 

من جهته، اعتبر رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان مارون الخولي في حديث مع “المفكرة” أنّ هذا الاستدعاء يشكّل طعنة لكلّ القيم والمبادئ التي لها علاقة بمكافحة الفساد. وأشار إلى أنّ “جينا هي كاشفة للفساد تحميها الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد، لا سيّما المادتين 32 و33 اللتين تنصّان على حماية كاشفي الفساد وحماية الخبراء، وبالتالي فاستدعاؤها يقع في خانة الترهيب، هذا الترهيب لكاشفي الفساد هو مناقض لاتفاقية مكافحة الفساد”.

وكان نقيب خبراء المحاسبة المجازين عفيف شرارة، أكد خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين الماضي مع الشمّاس، إلى جانب الاتحاد العمالي العام ونقابات مهن حرّة بأنّ “التكامل النقابي مع الدولة هو الطريق الأفضل نحو بناء دولة بأجهزتها ومؤسساتها، إلّا أنّنا نواجه اليوم حقيقة ما وصلنا إليه من استباحة للكرامات وإذلال للناس والسطو على ممتلكاتهم وعلى جنى عمرهم، في غياب تام وسكوت مخيف نصرخ علّ القضاء يسمع، فقد قطعنا الأمل من المسؤولين، نطالب بمالنا المنهوب، بقاض ربما يعود إلى قسمه فينطق بالعدل لا بالاستزلام السياسي”.
وقال: “جينا قالت إنّ بعض السياسيين كانوا على علم بأنّ الأموال ستحجز، فحوّلوا أموالهم إلى الخارج قبل شهر من الأزمة وخلالها، وسمّت بعض هؤلاء السياسيين في دولة العدالة والقضاء. هذا إخبار بتصرّف النيابة العامّة التي يجب أن تتحرّك فورًا وبسرعة وتكلّف أصحاب الاختصاص، لأنّ الموضوع مالي ومهني. أما في حالتنا، فالمسؤولون يضربون القوانين عرض الحائط غير آبهين بشيء ومن دون تحقيق مهني من أصحاب الاختصاص”. 

وطالب شرارة المدعي العام بـ “تكليف مكتب تدقيق حسابات ليدقق في حسابات الأسماء المذكورة بعد رفع السرية المصرفية عنها، سندًا للإخبار المذكور، ليرفع التقرير إلى المدعي العام لأنّ الموضوع مهني بامتياز ولا يمكن لأحد أن يحدّد الموقع والنتيجة الصحيحين إلّا بتدقيق الحسابات، بأن يتم التدقيق بحسابات الأسماء التي ذكرتها الشمّاس، فضلًا عن وجود معلومات صحافية أجنبية تؤكد أنّ هنالك أموالًا هرّبت إلى الخارج”. قائلاً: “الفاسدون لا يضيّعون فرصة من حياتهم. فهم يستفيدون من الوقت بإسكات من يكشف فسادهم”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات ، المرصد القضائي ، قرارات قضائية ، حرية التعبير ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية