اتفاقية مكافحة الفساد في قرار قضائي مغربي: هيئة المحامين من المصالح ذات النفع العام


2016-12-21    |   

اتفاقية مكافحة الفساد في قرار قضائي مغربي: هيئة المحامين من المصالح ذات النفع العام

أصدرت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة بتاريخ 10/11/2016 وبعد جلسات ماراتونية حكما وصف بالمبدئي بالنظر الى منطوقه وتعليلاته وموضوعه لتناوله قضية شغلت الرأي العام الوطني بالمغرب تتعلق بفضيحة اكتشاف اختلاسات مؤسسة حساب ودائع المحامين، حيث قضت المحكمة الابتدائية بعدم اختصاصها في البت في القضية وإحالتها على غرفة جنايات الأموال.

ملخص القضية
انها أكبر عملية فساد تطال مؤسسة حساب ودائع المحامين بالمغرب منذ إنشائها[1]، فقد اهتز مجلس هيئة المحامين بالقنيطرة مؤخرا على وقع فضيحة اختلاس مبالغ مالية كبيرة، قاربت مليار سنتيم، من حساب ودائع وأداءات المحامين[2] المسجلين بجدول هذه الهيئة، تبين فيما بعد، أنها سحبت بطرق غير قانونية وفي ظروف مشبوهة، من طرف محام ينتمي إلى الهيئة نفسها، يزاول مهنة المحاماة بمدينة سوق أربعاء الغرب، بتواطؤ مع مستخدم يعمل بإدارة حساب الودائع، حيث بلغت قيمة الأموال التي تأكد سحبها بهذه الطريقة حوالي 184  مليون سنتيم، تم اختلاسها في مناسبات متفرقة على شكل دفعات.

بعد فتح تحقيق قضائي في القضية، لاذ المحامي المشتبه فيه بالفرار قبل أن يتمّ إلقاء القبض عليه وتقديمه للمحاكمة، أمام المحكمة الإبتدائية بالقنيطرة، بتهمة المشاركة في التزوير في شيكات بنكية، واستعمال شيكات بنكية مزورة، والسرقة، وهي الأفعال المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصول 129، 357، 359، و505، من القانون الجنائي والمادة 316 من مدونة التجارة.

أفعال تعتبر جنحا في نظر المشرع ولا تتجاوز عقوبتها السجن لمدة خمس سنوات.

لكن المحكمة الابتدائية بالقنيطرة أصدرت بتاريخ 10/11/2016 حكما مبدئيا قضى بعدم الاختصاص النوعي في النظر في القضية وإحالتها على غرفة جنايات الأموال (قسم الجرائم المالية) بمحكمة الإستئناف المختصة، مع إقرار حالة الاعتقال.

قرار المحكمة
قضت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة بعدم الاختصاص للنظر في القضية باعتبارها جناية، تدخل في اختصاص غرفة جنايات الأموال.

اعتمد الحكم المبدئي ليصل إلى هذه النتيجة على حيثيات غير مسبوقة، حينما استعان بمفاهيم من حظيرة القانون العام ليطبقها على النازلة الفريدة، مسترشدا بمبادئ الاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، فضلا عن الأعمال التحضيرية لقانون المحاماة، معتبرا أن "هيئة المحامين تدخل في عداد "المصالح ذات النفع العام"، المنصوص عليها في الفصل 224 من القانون الجنائي، وأن المفهوم الجنائي لـ "الموظف العمومي" يسري، ليس على مستخدميها فقط، وإنما، أيضا، على مختلف المحامين المسجلين بجدولها"؛ ليخلص في الأخير للقول بأن "ما يصل المحامين من أموال خاصة بالمتقاضين، والمحكوم بها لفائدة هؤلاء الأخيرين من قبل مرفق القضاء، أو مجرد سندات تقوم مقامها، كالشيكات وما في حكمها، تعد محمية جنائيا بمقتضى الفصل 241 من ذات القانون، مما يجعل القضية جناية تدخل ضمن اختصاص غرفة جنايات الأموال، لا مجرد جنحة.

حيثيات الحكم المبدئي
جاء في تعليل المحكمة:

"حيث حدد الفصل 224 من القانون الجنائي مفهوم "الموظف العمومي"، في: "كل شخص كيفما كانت صفته، يعهد إليه، في حدود معينة بمباشرة وظيفة أو مهمة ولو مؤقتة بأجر أو بدون أجر ويساهم بذلك في خدمة الدولة، أو المصالح العمومية أو الهيئات البلدية، أو المؤسسات العمومية أو مصلحة ذات نفع عام".

وحيث لما كان جليا، منذ الوهلة الأولى، عدم انطباق صفة "الإدارة الحكومية"، أو "المؤسسة العمومية"، أو "الهيأة البلدية"، على هيأة المحامين بالقنيطرة، فإن الأمر خلافه بالنسبة لـ "المصلحة ذات نفع عام"، التي تَدِّق محدداتُها الفارقة والمميزة، لا سيما أمام استنكاف المشرع عن تحديد مدلولها صراحة، الأمر الذي يتوجب معه تَلَمُّس مدى توافرها لذلك من عدمه.

وحيث تتمثل، قانونا وفقها وقضاء، أولى محددات "المصلحة ذات النفع العام"، في مدى عمومِ نَفعِية الخدمة المقدمة من طرف المصلحة أو الهيأة المعنية، وهو ما تَوَلّت توضيحه الفقرة أ من المادة 2 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، كإطار قانوني سامٍ على التشريع الوطني (تصدير الدستور)، بقولها: "(..)  يجوز أن يقصد بتعبير "موظف عمومي"، أي شخص يؤدي وظيفة عمومية، أو يقدم خدمة عمومية حسب التعريف الوارد في القانون الداخلي للدولة الطرف، وحسب ما هو مطبق في المجال المعني من قانون تلك الدولة الطرف".

وحيث إنه، وبحسب القانون الوطني للمملكة المغربية كطرف في هذه الاتفاقية، جاء النص على حساب ودائع هيآت المحامين بالمغرب –من بينها هيأة القنيطرة- كمحل لأفعال المتابعة، في المادة 57 من قانون مهنة المحاماة، كالتالي: "يؤسس على صعيد كل هيئة حساب ودائع وأداءات المحامين يديره مجلس هيئتها، تودع به لزوما المبالغ المسلمة للمحامين المسجلين بجدول هذه الهيئة على سبيل الوديعة، وتتم بواسطته كل الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه أو الغير. تودع بهذا الحساب كل المبالغ الناتجة عن تنفيذ مقرر قضائي من لدن مصالح التنفيذ والمفوضين القضائيين (..)".

وحيث إنه، واستبيانا لطبيعة الخدمة المقدمة من طرف هذه الهيآت، خصوصا في الشق المتعلق بتدبير حساب ودائع وأداءات المحامين، وهديا على مضمون الأعمال التحضيرية المُوَجِّهة لفكرة إحداث هذا الحساب من الأصل، يتحدد الهدف من هذا الأخير في: "الحفاظ على حقوق الطرفين: الزبناء [المتقاضين] من جهة، والمحامين من جهة أخرى"[3].

وحيث إنه، ونزولا عند هذا المعطى، يتبين أن إرادة المشرع من إحداث حساب ودائع وأداءات المحامين، قد اتجهت نحو ائتمان هيآت المحامين، كأشخاص معنوية، على مختلف ودائع المحامين وموكليهم، اعتبارا للثقة المرتبطة برسالة القائمين عليها من المحامين المنتخبين، طالما أنها: "تدبر أموالَ وسنداتِ الخواص (..)، التي أمسكتها بصفتها تلك"

وحيث إنه، ومراعاة لطبيعة هذا الدور، تعتبر هيأة المحامين بالقنيطرة، شأنها شأن مختلف هيآت المحامين بالمغرب، فيما يتعلق بحساب الودائع، كـ "الأمين العمومي القضائي" على ودائع عموم المتقاضين المستحقة بموجب أحكام وقرارات قضائية، بصفتهم أغيارا عن أعضاء الهيأة المذكورة.

وعليه قضت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة بأن الاختصاص النوعي، للبت في الاختلاسات التي يكون موضوعها تلك الأموال، ينعقد للأقسام المالية بمحاكم الاستئناف، كلما كانت قيمتها تفوق مبلغ (100.000,00) درهم.

 

 


[1] – جريدة المساء بتاريخ 26/01/2015.
[2] – أتى المشرع المغربي في قانون المحاماة رقم  08/28، بمقتضيات جديدة أهمها على الإطلاق، وضع ضابط جديد لإدارة ودائع زبناء المحامين، و ذلك بإسناد الأمر إلى مجالس الهيئات وفق نظام داخلي تعمل على سنه.
وهكذا نصت المادة 57 من القانون على ما يلي:
يؤسس على صعيد كل هيئة حساب ودائع وأداءات المحامين يديره مجلس هيئتها، تودع به لزوما المبالغ المسلمة للمحامين المسجلين بجدول هذه الهيئة على سبيل الوديعة، وتتم بواسطته كل الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه أو الغير.
تودع بهذا الحساب كل المبالغ الناتجة عن تنفيذ مقرر قضائي من لدن مصالح التنفيذ والمفوضين القضائيين.
يتعين على كل الإدارات العمومية وشبه العمومية والمؤسسات والشركات إيداع المبالغ العائدة لموكلي المحامين بحساب الودائع والأداءات التابع لهيئتهم.
كل أداء تم خلافا لهذه المقتضيات لا تكون له أية قوة ابرائية في مواجهة الموكل أو المحامي ويتحمل مرتكب المخالفة عند الاقتضاء مسؤولية أداء المبالغ العائدة للموكل أو مصاريف وأتعاب المحامي".
[3] – تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، حول مقترح قانون يتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، السنة التشريعية 2006-2007، دورة أبريل، ص 23

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، مقالات ، المغرب ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية