إسرائيل تمطر جنوب لبنان بالفسفور: 49 قذيفة وأكثر من 100 مصاب


2023-11-21    |   

إسرائيل تمطر جنوب لبنان بالفسفور: 49 قذيفة وأكثر من 100 مصاب
صورة مأخوذة من دراسة "مركز حماية البيئة في الجامعة الاميركية" حول الأثر الاجتماعي والبيئي لذخائر الفسفور الابيض.

“يا ويلن من الله! حرقونا للعظم.. قطعوا عنا الهوا وقطعوا رزقتنا”، بهذه العبارة وصّف ابن بلدة اللبونة الستيني معاناة أهل الجنوب اللبناني لـ “المفكرة القانونية”، هو النّاجي بأعجوبة من قذائف الفسفور الأبيض التي مشّط بها العدو الإسرائيلي أراضي الجنوب. هذه القذائف التي بلغ عددها حتى 21 تشرين الثاني 38 قذيفة إضافة إلى 11 قذيفة فسفورية مرفقة بقصف، بناءً لمعطيات المنصة الإلكترونية التي استحدثها المجلس الوطني للبحوث العلمية بهدف توثيق الاعتداءات الإسرائيلية. وقد سجّل الأحد 19 تشرين الثاني وحده، سقوط 12 قذيفة على بلدة كفركلا، في حين تعرّضت بلدتا اللبونة ومزارع شبعا لقصف الفسفور الأشد.

وتتفاقم الصدمة مع كل تحديث للإحصاءات الرسمية المتعددة، فالأرقام كفيلة بأن تعكس هول الاعتداءات التي استهدفت 53 بلدة جنوبية، ممتدة على طول الشريط الحدودي البالغ 78.2 كلم بالخط المتعرّج، من شبعا وحتى رأس الناقورة. وكأنّ العدو الإسرائيلي بسياسة الأرض المحروقة، عمد التوغّل في أرض الجنوب بعمق 5 كيلومترات، ليرسم هذه المرة حدود “قواعد الاشتباك” بالنار.

وأكدت الأمينة العامة للمجلس الوطني للبحوث العلمية، د.ة تمارا الزين، لـ “المفكرة” جهوزية المجلس لرصد الاعتداءات وتحليل العيّنات: “الدولة مأزومة ولكننا لم ننتظر أي تمويل… باشرنا بتوثيق الاعتداءات بالاعتماد على أخبار الأرض كالدفاع المدني والكشّاف في الجنوب، وصور الأقمار الصناعية، التي توضح بدقّة امتداد الحرائق الناجمة عن القصف الإسرائيلي”. ويشمل رصد المجلس الاعتداءات الإسرائيلية بجميع أنواع الصواريخ والقذائف والقنابل بما فيها قنابل الفوسفور. وتضيف الزين: “الأرقام مهولة، لقد أحرق العدو أكثر من 514 هكتارًا من الأراضي، لتاريخ 17 تشرين الثاني”.

وبحسرة وأسى عميقين يلخّص لنا أحد أبناء بلدة عيتا الشعب المشهد عند المنطقة الحدودية: “موت أحمر، الإسرائيلي ما بدو يترك شي، كل الأحراش سودا، تعتير وشحار، فحّم العدوان المنطقة كلّها، كل أراضينا رماد.. صارت هباءً منثورًا”.

وكما الأرض، يستهدف الفوسفور البشر أيضًا، إذ رصدت “المفكّرة” نقل أكثر من 100 إصابة إلى المستشفيات الأقرب لمناطق الاعتداءات جنوبًا، توزّعت ما بين حالات اختناق وحروق بالفسفور، من دون أن تسجّل أي حالة حرجة أو وفاة. وثبت مغادرة المصابين المستشفى بعد تلقي العلاج اللازم، بناء لما أفادنا به مسؤولون في كل من المستشفى اللبناني الإيطالي ومستشفى جبل عامل ومستشفى حيرام في مدينة صور، مؤكدين أنّ بعض حالات الاختناق حصلت بعد أيام من القصف بالفسفور.

نسعى في هذا التحقيق إلى تسليط الضوء على استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض في الجنوب ومخاطره على صحة الناس وسلامة الغذاء والمياه والجرائم البيئية من جهة، وعن تصنيف ذخائره في القانون الدولي وعن ثغراته (ثغرات القانون) التي يستفيد منها مجرمو الحرب للتذرّع بقانونية استخدامه من جهة أخرى.

خريطة المناطق التي تأثرت بالفوسفور الأبيض عام 2023 والتي أعدتها AUB-NCC استنادًا إلى البيانات من وزارة الزراعة اللبنانية. المصدر

تعريف الفوسفور وأضراره الجسدية

لدى سؤال “المفكّرة” عن الفسفور الأبيض وخطورته، عرّفته النائبة الدكتورة نجاة صليبا بأنّه مادة كيميائية يتمّ التعامل معها بحذر عند استخراجها من الصخور وتصنيعها، نظرًا لخطورتها والسبب أنّها: “سريعة وشديدة الاحتراق ويصعب إطفاؤها، كونها تشتعل بمجرّد التعرّض للأوكسيجين، وتسبّب أضرارًا جسيمة لكلّ ما يلامسها، إذ تصل حرارتها إلى أكثر من 800 درجة، كما تولّد مع الضوء دخانًا كثيفًا”.

ويلفت الباحث أنطوان كلّاب، من مركز حماية البيئة في الجامعة الأميركية في بيروت، إلى خطورة اشتعال الفوسفور من جديد ولو بعد أسابيع من نشره الأصلي، في كلّ مرّة يتعرّض فيها للأوكسجين سواء على المساحات والأراضي أو على جسم الإنسان. وقد حصل، وفق كلّاب، أن اشتعل جسم أحد المصابين ثانية، لمجرّد تعرّض جرحه للهواء أثناء تغيير الطبيب للضمادات، فالمخاطر مفجعة، حيث يتفاقم وضع الجروح تبعًا لطرق التعامل مع الشظايا وتنظيفها: “الجسم نفسه لا ينفجر، ولكن يمكن أن يتفاعل بعنف مع المركّبات الكيميائية الأخرى… مما يتسبّب بما يعرف بخطر انفجار هامشي”، يوضح كلّاب.

كما أنّ ذخائر الفسفور قادرة على التسبب بإتلاف الجهاز التنفسي وفشل الأعضاء، إضافة للحروق المروعة والفتّاكة التي قد تصل حتى العظام والموت. وقد يؤدّي الفوسفور أيضًا شلّ الحركة أو التشوّهات الفادحة ما يعني معاناة نفسية إضافة إلى المعاناة الجسدية.

عن الناس المتروكة وإبادة أرض الجنوب وبيئته

إثر عودتها من جولة في جنوب لبنان، تنقل الدكتورة صليبا، لـ “المفكرة” رسالة مأساة أهله وسكانه “حلو الحكي والتنظير.. العالم متروكة بكل معنى الكلمة! لا دولة ولا حدا يسـأل شو صاير فيهن أو يطمنن ع مصيرن.. ما كأن في دولة ونواب ووزراء…”. وتسجّل بأسف شديد استنكارها: “إذا اليوم زرعنا، أيمتى بيقطف المزارع؟ بعد 20 سنة؟ حدا سأل كيف بدها تعيش الناس لوقتها؟ مين بعوّض عليها؟” وعن ضرر الفسفور تقول: “لقد قضى على مواسم الناس ورزقهم وحتمًا ألحق أذى بالتربة.. وهو يتحلّل بمياه الشتاء ليتحوّل حمضًا فسفوريًا، أما على المدى البعيد، فلا يمكننا حسم أثره، إذ يتطلب ذلك فحوصات مخبريّة دوريّة دقيقة إلى أن نتخلّص من كل ترسّباته”.

وبيئيًا، لم يبقَ أمام رئيس جمعية الجنوبيون الخضر الدكتور هشام يونس، إلّا أن يدقّ ناقوس الخطر، ويحذّر من فداحة الكارثة: “نشهد اليوم إبادة بيئية، وليس مجرّد تدمير للغطاء الأخضر، إنه تدمير منهجي وإخلال بالنظام البيئي… والناس خيفانة على لقمة عيشها بعد ما خسرت مواسمها”، إضافة إلى المحاصيل الزراعية والمواشي، نتيجة اشتعالها الفوري، وكذلك الممتلكات.

وقد أدّت الاعتداءات الإسرائيلية بما فيها بالقذائف الفوسفورية إلى نشوب أكثر من 386 حريقًا قضى على أكثر من 50 ألف شجرة زيتون، حيث أكلت النيران المفتعلة أكثر من 1000 دونم من الأراضي اللبنانية، وفق إحصاءات وزارة الزراعة التي حصلت “المفكرة” عليها اليوم 21 تشرين الثاني، وسجّلت نسبة المناطق الحرجية من سنديان وملول وغار 60% في حين بلغت مساحة الأراضي الزراعية نسبة 30%.

كما فتك الفسفور الأبيض بأكثر من 200 ألف طير دجاج، ونفق حوالي 700 رأس ماشية، وتضرّر 250 قفير نحل و60 خيمة زراعية، وفق التحديث الأخير لوزارة الزراعة.

وبحسرة يعلّق الدكتور هشام يونس على حجم الفاجعة البيئية التي يستيقظ عليها أهل الجنوب، ويصف ما يرتكبه العدو الإسرائيلي اليوم بـ “الإبادة البيئية المتعمّدة”. فيجد يونس في سياسة الأرض المحروقة سياسة تهجير ممنهجة، ويلفت إلى أنّ أي تقييم للمشهد البيئي يجب أن يأخذ في عين الاعتبار تنوّع وكثافة المناطق الحرجية المحروقة وأشجار الزيتون المعمّرة ومئات الهكتارات التي تضرّرت بشكل مباشر وغير مباشر، فالفسفور يؤدي حتمًا إلى الإخلال بالنظام البيئي… وهناك حاجة لدراسات وسيرورة عمليات معالجة جدية، الناس مذعورة وليس لديها قدرة على التأهيل”.

وفي السياق عينه، يستعرض الباحث أنطوان كلّاب، مخاطر تهديد الفسفور الأبيض لوجود كلّ الكائنات الحيّة، وإمكانية وصول ترسّباته إلى الأنهار والأحياء الجوفية، ما يؤثر على الثروة النهرية أو البحرية ويزيد من نمو الطحالب بشكل مفرط.

إذًا بات اليوم شبح الفسفور يلاحق اللبنانيين، وكأنّ قلقهم من تلوث الهواء والمياه والتربة، ما كان كافيًا قبل عدوان 2023 ولأنّ الإصابة بالسرطان والقتل بالتلوّث في هذه البلاد ليسا بالأمر الجديد. يتساءل البعض عن قدرة الدولة على ضمان سلامة الغذاء والشرب الآمن، فكيف لمن عجز أيام السلم ستحلّ عليه القدرة في زمن الحرب؟

من هنا، يتمحور قلق الكثيرين اليوم حول جودة التربة وسلامة المياه وبالتالي جودة الغذاء الذي قد تنتجه الأراضي الحدودية ومحيطها، خصوصًا المستهدفة منها بالعدوان الفسفوري. السؤال الذي يطرح نفسه: أما زالت “الحبة من ترابو بكنوز الدني؟” أم أنّها ستكلّف أموالًا طائلة لعمليات التنقية والمعالجة الطويلة، بعد أن أمطرها العدو فسفورًا أبيض، وأشبعها الشتاء حمضًا فسفوريًا سامًا؟ وهل سيواجه المزارع وحده هذا المصير؟ وهل يمكن أن يقول “عن زيته عكر؟” أم أنّ الدولة ستعمل على رصد مصادر الرّي التي يهددها الفسفور الأبيض بطبيعة الحال؟ هل ستُطمئن المزارع على سلامة أراضيه وصلاحيتها للزراعة، وما إذا كان الحمض الفسفوري قد قتلها؟ وهل ستجري السلطات بجدية ومهنية وبعيدًا عن الشعبوية، فحوصات مخبرية دورية كفيلة بضمان سلامة المياه والتربة والمحاصيل، وكذلك الماشية والأسماك والطيور التي قد تحمل مخاطر الفسفور الأبيض وتنقلها إلى المستهلك في حال عدم نفاقها؟

وحدها نتائج التحاليل المخبرية لعيّنات التربة والمياه ستقطع الشك باليقين، وتجيب على موجة التساؤلات المشروعة التي ارتفعت. هذا ما أكدته الدكتورة تمارا الزين لـ “المفكّرة”. وقد حرصت ألّا يقتصر التوثيق على الفسفور الأبيض وحسب: “فالقصف المكثّف بالقذائف العادية لا يقلّ خطورة لناحية تلويث التربة، إذ أنّ كلّ مواد التفجير تحتوي على معادن ثقيلة كالـ Cadmuim  وStrontuim، وتواجدها بنسب كبيرة يسمّم التربة ولا تعود صالحة للزراعة”. وسيتم تحليل العيّنات بالتنسيق مع د. رامي زريق من الجامعة الأميركية ووزارتي البيئة والزراعة والنائبة عناية عز الدين.

ولدى سؤال “المفكرة” عن توفّر القدرات البشرية والتقنية؟ سارعت الزين لقطع الشكوك: “بالطبع ولو مش موجودة بالمجلس كمجلس في عدة جهات مختصة، كمختبرات الجامعة الأميركية وإن لزم الأمر مستعدّون لإرسال عيّنات للخارج”. أما، ولدى الاستفسار عن الوقت الذي ستستغرقه التحاليل، تنبّه الزين إلى أنّ “تحاليل اليوم تبقى عاجزة عن حسم جودة التراب، بل هناك حاجة لتكرارها بشكل دوري وعلى الأمد البعيد.. خاصة وأننا على عتبة الشتاء وعوامل عديدة كالمتساقطات والرياح… ستؤثر بالمنحى الذي ستأخذه المواد في التربة”.

وعن تلوّث المياه الجوفية؟ تقول الزين بحذر كبير: “كل ما يذوب بالمياه ويتسرّب للمياه الجوفية.. مرتبط بطبيعة التربة نفسها سواء كانت تربة حمضية، أو كلوية… أكرر: عوامل عدة ستؤثر”. وتتابع: “نعم سمعت من عدة خبراء في علم التربة أنّ الفسفور يبقى بعمق 20 مترًا عن السطح”.

أما عن الأسماك والطيور وخطورة نقلها التلوّث للإنسان، توضح الزين: الكائنات التي تعرّضت مباشرة للفسفور الأبيض، قد نفقت ولن تصل للمستهلك، أما التي ما زالت على قيد الحياة رغم إصابتها، فستراكم الفسفور وتصبح مسمّمة نوعًا ما. ولكن الضرر يتعلّق بالكميات المتراكمة، علميًا لا يمكنني الحسم قبل أن يصبح لدينا تقييم لمجمل الكميات التي تركّزت”.

وبالنسبة للصعوبات المعرقلة، توجزُها الزين بتحدٍّ واحد ألا وهو قصف العدو المستمر، ما يحول دون تمكّن الفرق المختصة من الوصول لكافة الأراضي وبالتالي يعيق أخذ العينات.

وعليه، يبقى الانتظار سيّد الموقف، لحين صدور النتائج ومن ثم التوصيات حول الزراعات الأمثل والتقنيّات الكفيلة بتنقية التربة. وهنا تذكر الزين، على سبيل المثال لا الحصر، اختيار بعض الدول زراعة أنواع معينة من النباتات، المساهمة في تنقية التربة، كالبقدونس لكونه قادرا على امتصاص الكادميوم”، وسرعان ما تحذر: “حتما يكون المحصول غير مخصص للاستهلاك بل للتلف.” وتمنّت أخيرا ألا يكون أثر التلوّث على درجة من الخطورة كي لا يُحرم المزارع من استثمار أرضه.


من يعوّض خسائر الناس؟

يستجدي المتضرّرون أي بارقة أمل، ولا يملكون سوى سؤال يتيم: “نحنا مين بعوّض علينا؟ الأمم المتحدة اللي طول عمرها عاجزة تحاسب إسرائيل والساكتة ع قتل الأطفال وإعدام الأبرياء بغزة؟ أو دولتنا المفلسة يلي مش عارفة شو تبيع ومن مين تشحد لتدفع لموظفيها؟”

ويأتي الرد من وزير الزراعة عباس الحاج حسن الذي يؤكد في اتّصالٍ مع “المفكّرة” يؤكّد أنّ الحكومة ستتحرّك بالمباشر لمساعدة المزارعين، وأنّ عمليات المسح اليومي تتم في المناطق الآمنة، بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية وبالشراكة مع المراكز الزراعية والأحراج، وكشافة الرسالة الإسلامية والدفاع المدني والبلديات والهيئات الاختيارية. كما يؤكد أنّه تقدّم من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بطلب لجنة خبراء للقيام بفحوصات مخبرية للتربة من جهة، ولطلب مساعدات عاجلة للمساحات والمزارعين المتضررين من جهة ثانية. وأضاف: “نعي تماما أن المجتمع الدولي والهيئات الأممية غير فاعلة وعاجزة ولكن هذا لا يعني أننا لسنا بأصحاب حق، سنوثّق ذلك ونضع العالم بأسره أمام مسؤولياته”.

ولدى سؤاله عن قدرة الدولة المأزومة على التعويض عن الخسائر الفادحة، تعهّد الحاج حسن بالتعويض “عن كلّ ما أحرقه العدو البربري”، وأنّ مساعدة المناطق المتضررة ستتصدّر أولى أولويات وزارته. وبوجه سياسة الأرض المحروقة يعلن الحاج حسن: “زرع 10 شجرات عن كل شجرة زيتون أحرقت”. 

وأوعز وزير الخارجية اللبنانية عبدالله بوحبيب إلى بعثة لبنان لدى الأمم المتحدة، بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، لإدانة استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض ولإحراقها المتعمّد للأراضي اللبنانية.

عن التصنيف القانوني وثغراته: نداء لإعادة النظر

تلفت آية مجذوب، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، لـ “المفكّرة”  إلى طرق مشروعة لاستخدام الفسفور لغايات التعتيم على العمليات العسكرية وحماية الجيوش من الأسلحة الموجّهة، عبر تكوين ستائر دخانية. ومع ذلك قد يستخدم كسلاح حارق قادر على إلحاق الضرر، وحتى قتل المدنيين في المناطق المأهولة، كونه عشوائي خطر لا يميّز بين المدنيين والعسكريين. وفي هذا المجال، حسمت منظمة العفو، بعد مراجعتها لمجموعة من الأدلة أنّ هناك ما يستدعي التحقيق في استخدام إسرائيل للفسفور الأبيض بوصفه جريمة الحرب.

وتشير “هيومن رايتس ووتش” عبر موقعها الإلكتروني إلى أنّ “الفسفور الأبيض لا يعتبر سلاحًا كيميائيًا لأنّه يعمل أساسًا بالحرارة واللهب وليس بالسُميّة.. يمكن إطلاقه في قطع إسفينية الشكل مشبعة بالفسفور، تنبعث منه رائحة مميّزة تشبه رائحة الثوم”. ورغم عدم اعتبار الفسفور كسلاح كيميائي، تتابع المنظمة، “إلّا أنه قد يستخدم كسلاح حارق”، وتعتبر استخدامه في مناطق مكتظة “انتهاكًا لمتطلّبات القانون الدولي”. وعن التوصيف القانوني أوضحت “هيومن رايتس ووتش”، أنه في حالة استخدامه كسلاح، تُعد الذخائر المحتوية على الفسفور الأبيض أسلحة حارقة، ورغم أنّها “غير محظورة بشكل صريح في القانون الإنساني الدولي، إلّا أنّ القانون الإنساني العرفي الدولي يفرض على الدول اتخاذ كلّ الاحتياطات الممكنة لتجنّب إلحاق أضرار بالمدنيين”.

ورغم عدم حظر الفسفور كسلاح كيميائي، يتوقّف العميد السابق لكلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية البروفسور كميل حبيب، عند القواعد العامة للقواعد القانونية ويفسّر بأنّه “إن عجزت القواعد عن ذكر كلّ أنواع الأسلحة بسبب تطوّرها، ولكنها حتمًا تأتي في القواعد العامّة، وهي صريحة لجهة تحريم استخدام أي سلاح مضر بالبيئة بوصفها جزءًا لا يتجزّأ من الاجتماع البشري وتنمية الشعوب”.

وبناء على ذلك، لا يتردّد حبيب بالحسم أنّ كل ما تقوم به اسرائيل، من القتل المتعمّد للمدنيين، إلى قصف المعابد الدينية والمستشفيات والمدارس والتجمعات السكنية والإضرار بالبيئة، والاستخدام المفرط للأسلحة المحرّمة دوليًا بما فيه الفسفور الأبيض في غزة، كما في لبنان، يشكّل خرقًا لأهم معايير القانون الدولي الإنساني: “التناسبية والتمييز”، وهو انتهاك صارخ لمندَرجاته، بل هو “إبادة” للقانون الدولي “مصدر العدالة”.

تجدر الإشارة إلى أنه وخلافًا لفلسطين ولبنان، الذي انضم إلى لبروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليديّة في تاريخ 5 نيسان 2017، بقيت إسرائيل خارجه. ورغم أنّ استخدام الأسلحة الحارقة الملقاة جوًا على “تجمّعات المدنيين”، محظّر بموجب هذا البروتوكول، إلّا أنه تعتريه ثغرتان أساسيتان توجزهما “هيومن رايتس ووتش” بالتالي:

“أوّلًا، يقيّد البروتوكول استخدام بعض الأسلحة الحارقة التي تُطلق من الأرض، وليس كلها، ضدّ تجمّعات المدنيين، وهذا يشمل الضربات المدفعيّة بالفسفور الأبيض في غزّة. وثانيًا، يشمل تعريف البروتوكول الأسلحة الحارقة “المصمّمة أساسًا” لإشعال النيران وإحراق الأشخاص، وبالتالي يُمكن القول إنه يستثني الذخائر متعدّدة الأغراض، مثل تلك التي تحتوي على الفسفور الأبيض إذا استُخدِمت كستائر دخانيّة، حتى لو كانت لها نفس الآثار الحارقة”.

وعليه، توصي “هيومن رايتس ووتش” بضرورة سدّ هذه الثغرات وتعلن تأييدها “النداء المدعوم على نطاق واسع” لإعادة النظر في وضع وملاءمة “البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليديّة”، كونه القانون الدولي الوحيد حاليًا بخصوص استخدام الأسلحة الحارقة.

يشار إلى أنّ عدوان 2023 ليس الأوّل من نوعه الذي استخدمت فيه إسرائيل ذخائر الفسفور الأبيض، بل إنها ظاهرة متكررة في مسلسل اعتداءات إسرائيل المروّعة بناء للدراسة التي نشرها مركز حماية البيئة في الجامعة الأميركية (AUB-NCC)، في تاريخ 16 من الشهر الجاري، تحت عنوان “الأثر الاجتماعي والبيئي لذخائر الفسفور الأبيض في جنوب لبنان”.

وعلى ضوء قيادته لفريق إعداد الدراسة، يوضح الباحث أنطوان كلّاب “للمفكّرة” أنّ خط الزمن اللبناني قد شهد 5 اعتداءات استخدم فيها الفسفور الأبيض بشكل بارز في 1982 و1993 و1996 و2006 واليوم.

انشر المقال

متوفر من خلال:

بيئة ومدينة ، تشريعات وقوانين ، الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية