أوجه العدالة “الانتقالية” في السياقات السياسية الليبية


2020-01-14    |   

أوجه العدالة “الانتقالية” في السياقات السياسية الليبية

إذا كانت العدالة الانتقالية هي عدالة رسمية تطبق في فترة ما، للانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى[1]، بإجراءات خاصة موجهة ضد طرف كان في الماضي قوياً وارتكب حينها ظلماً ممنهجاً، أو مسلحاً، فإنها تستلزم لذلك شروطا كثيرة منها: وجود رغبة شعبية بتطبيقها، وجود إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها، الاستقرار السياسي، السيطرة الأمنية لمؤسسات الدولة، إنهاء مرحلة الصراع المسلح. ولعل أهم شروطها، وجود حكومة ذات صفة شرعية ومعترف بها من كل الأطراف في الدولة، وألا تخشى هذه الحكومة من تطبيق آليات العدالة حيث لم ترتكب أي من تلك الانتهاكات الموجبة للمساءلة القضائية، وهي شروط يصعب الإقرار بتوافرها في ليبيا منذ 2011 وإلى يومنا هذا.

ونفترض في هذا المقال أن مسار العدالة الانتقالية في ليبيا قد تأثر بالسياق السياسي دون غيره من السياقات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الدينية؛ حيث الطرف السياسي الغالب، والمسيطر على أدوات تطبيق العدالة الانتقالية؛ سواء كانت أدوات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية، يتخذ المسار الذي يلائمه بما يتفق مع مصالحه الآنية ورؤاه السياسية، وبما يتفق مع ما يراه مناسباً في التعامل مع خصمه المغلوب بشأن محاسبته على ما قام به من انتهاكات في مواجهته، مع الأخذ بالاعتبار عديد العوامل مثل مدى قوته في الداخل والخارج، ومدى سيطرته على كامل ربوع الإقليم الليبي.

وللتدليل على هذه الفرضية، نسوق أمثلة على آليات العدالة في سياقات سياسية ليبية مختلفة لنتبين من خلالها كيف أدير ملف العدالة الانتقالية من قبل القوى السياسية المسيطرة على أدوات تطبيقها.

 

العدالة بآليات قذافيـــة

ولعل هذا ينطبق في ليبيا حتى في فترة النظام السابق الممتدة لما يزيد عن أربعين حولاً؛ حيث يمكن أن تقرأ كل القوانين التي اتخذت بعد 1969 على أنها تشريعات انتقالية متى كان المنظور الذي تقيم من خلاله هو منظور النظام السياسي القائم حينها. فهناك ثورة شعبية أطاحت بنظام ملكي يوسم بالفساد وبانتهاك حقوق الشعب الليبي وبالمولاة للعدو الأجنبي. وقد كانت الآلية المتبعة حينها آلية الملاحقة القضائية؛ التي اتسمت بالقسوة الصارمة، فاعتقل، وأعدم، وأبعد، أغلب أنصار النظام الملكي ورجالاته. كما استخدمت آليات المصادرة، والوضع تحت الحراسة، وتأميم كثير من الأموال والمنشآت والصناعات.

وفيما بعد 2003[2]، تمثلت المصلحة السياسية في الذهاب إلى مرحلة جديدة تمهيداً للقذافي الإبن، وإظهار ليبيا الغد أمام العالم بأنها ديمقراطية وحقوقية وعادلة تريد أن تنفتح على العالم وترحب بالتعاون الدولي، وتنفي عنها تهمة الإرهاب أو الدكتاتورية. حينها قرر النظام السابق انتهاج مسار مختلف للعدالة الانتقالية، دون تصريح بذلك، اتخذ الآليات التي تناسبه حينها وهي آلية العفو عن بعض المعارضين وتعويض المعتقلين المفرج عنهم بدون الاعتراف بالذنب أو حتى كشف الحقائق، وبدون التفكير في آلية الإصلاح المؤسسي.

 

العدالة الثورية

أما فترة المجلس الانتقالي بعد 2011 فقد اتسمت الاستراتيجية السياسية في ليبيا بأنها ثورية ضد النظام السابق المتهم بانتهاك حقوق الإنسان وبالتالي اعتمدت آلية الملاحقة القضائية؛ مثل إصدار قانون رقم 37 لسنة 2012 بشأن تجريم تمجيد الطاغية وإهانة الثورة. وحيث كانت الاستراتيجية السياسية تعتمد على الدعم الدولي في مواجهة النظام السابق، فلم تتوانَ السلطة حينها من استخدام آلية الملاحقة القضائية أمام القضاء الدولي للقذافي وأعوانه، إضافة للقضاء الوطني. غير أن وقوف التيارات الحقوقية في مواجهة بعض هذه الآليات أبطلها؛ فمثلاً تصدى الحقوقيون لقانون تجريم تمجيد الطاغية بوصفه غير دستوري. وبالفعل قضت المحكمة العليا بعدم دستورية القانون في يونيو2012. ولا يمكن إغفال انتهاج المشرع الثوري لنهج التصدي لإدارة أموال وممتلكات بعض الأشخاص من أنصار النظام السابق وذلك في القانون رقم 36 لسنة 2012 والمعدل بالقانون رقم 47 في العام ذاته.

على صعيد دستوري، لم تتم الإشارة إلى العدالة الانتقالية أو أي من آلياتها في الإعلان الدستوري المؤقت. وبالرغم من أن الإعلان يؤكد على المساواة بين جميع المواطنين وعدم التمييز، إلا أن القسم المفروض على أعضاء المجلس الانتقالي في المادة 19 من الإعلان الدستوري، يلزم بعدم صلاحية كل من لا يؤمن بأهداف ثورة فبراير. وقد خلت التعديلات الدستورية من العدالة الانتقالية وآلياتها. إلا أنه صدرت مبكراً قوانين العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ومثالها القانون رقم 17 لسنة 2012. أما عن الفحص المؤسسي فقد فعلت باستبعاد الموالين للنظام السابق في السلطات المختلفة بما فيها القضائية، من خلال قوانين وقرارات إنشاء اللجنة ثم الهيئة العليا لتطبيق معايير النزاهة والوطنية. مثلاً القانون رقم 26 لعام 2012 بشأن تطبيق معايير النزاهة والوطنية.

وفي مايو 2012، شعر المجلس الانتقالي بالاستقرار النسبي للدولة الوليدة. وكانت الأصوات الحقوقية عالية محلياً ودولياً، ولرغبته في ضمّ عديد من الليبيين الموالين للنظام السابق لدمجهم في ليبيا الجديدة، أصدر قانون العفو رقم 35 لسنة 2012 والمعدل بالقانون 51 لسنة 2012[3]، وقد استثنى فقط عائلة القذافي وأعوانه، وهو عفو عن نوع محدد من الجرائم. وقد حصرت الجرائم المعفاة في الاختلاس شرط رد المال، وفي الاحتراب شرط تسليم السلاح وإعلان التوبة، وفي جرائم الدم شرط عفو ولي الدم. ولعل من الملاحظ أن هذا العفو المبكر قد يكون سبباً في بروز ظاهرة استيفاء الحق بالذات والجنوح إلى ظاهرة الاغتيالات والاعتقالات خارج القانون من بعض من وقعت عليهم انتهاكات في عهد النظام السابق خاصة ممن استولوا على السلاح والعتاد. ولقد أثار هذا القانون إشكاليات قضائية عند تطبيقه، ففي حين فسرت بعض دوائر الجنايات في محاكم الاستئناف[4] مصطلح أعوان القذافي بحيث شمل أنصاره، رأت المحكمة العليا أن هذا المصطلح وقد قرن بالأبناء والأصهار، فهو لا يسرى إلا على المقربين والذين كان يعتمد عليهم في إدارة نظام البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري ممن تولوا وظائف قيادية وعليا في البلاد[5]. وقد تقرأ هذه الاختلافات التفسيرية القضائية للنص القانوني من حيث كونها تماشياً مع التغيير الذي طرأ في السياسية العامة بشأن مساءلة أنصار النظام السابق. فبعدما اتّسمت بالصرامة في العهد الثوري الأول 2012، فهي ما لبثت أن اتسمت بالتسامح إلى حد كبير بعد 2014[6].

كما أن آلية التعويض قد بدأت في أواخر عهد المجلس الوطني وأهمها قانون رقم 50 لسنة 2012 بشأن تعويض السجناء السياسيين الذي أثار موجة رفض كبيرة على المستوى الحقوقي بوصفه ثمنا للنضال، وبوصفه محاباة لفئة ليبية دون غيرها بآلية التعويض لا سيما وأن المبلغ مبالغ فيه (وهو 8000 د.ل) ثمانية آلاف دينار عن كل شهر شاملة لكامل التعويض عن واقعة السجن أبان مرحلة النظام السابق.

 

العدالة الإسلاموية

هي فترة امتدت من يوليو 2012 إلى أغسطس 2014[7]. ونلاحظ أن الآليات المتخذة كثيرة: فقد صدر القانون رقم 29 لسنة 2013 بشأن العدالة الانتقالية مغيباً المصالحة الوطنية من عنوانه بما يوحي أنه يتخذ نهجا أكثر صرامة مع خصومه[8].

وأما عن آلية الملاحقة الجنائية، فقد صدر قانون رقم 10 لسنة 2013 بشأن تجريم التميز والإخفاء القسري والتعذيب وهو يُعدّ استجابة محلية لمواثيق دولية تحظر هذا النوع من الانتهاكات مثل اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة النافذة منذ 1987[9]. كما صدر القانون رقم 5 لسنة 2014 بشأن تعديل المادة 195 من قانون العقوبات على النحو التالي: "مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد، يعاقب بالسجن كل من يصدر عنه ما يشكل مساسا بثورة السابع عشر من فبراير، ويعاقب بذات العقوبة كل من أهان علانية إحدى السلطات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو أحد أعضاءها أثناء تأدية وظيفته أو بسببها أو أهان شعار الدولة أو علمها". وإجرائياً صدر القانون رقم 11 لسنة 2013 في شأن تعديل قانون العقوبات والإجراءات العسكرية بحيث اقتصرت محاكمات القضاء العسكري على العسكريين دون المدنيين.

كما نص على العزل السياسي في التعديل الدستوري الخامس لسنة 2013، وكان نصه: "ولا يعد إخلالاً بما ورد في أحكام هذا الإعلان عزل بعض الأشخاص ومنعهم من تولي المناصب السيادية والوظائف القيادية في الإدارات العليا للدولة لفترة زمنية مؤقتة وبمقتضى قانون يصدر في هذا الشأن وبما لا يخلّ بحق المعنيين في التقاضي"، وهو تعديل صدر في إبريل استباقا لقانون العزل الذي سيصدر في مايو من العام ذاته، حيث صدر القانون رقم 13 لسنة 2013 بشأن العزل السياسي والإداري، المعدل بالقانون رقم 28 لسنة 2013. وهو ما حاول الحقوقيين التصدي له بعدم الدستورية من باب الطعن في التعديل الدستوري ذاته غير أن ذلك تعذر من حيث أن الثوار المطالبين بإصداره بمظاهرات احتجاجية أمام المؤتمر الوطني، هم ذاتهم من تصدوا لتحصينه من الطعن بعدم دستوريته من خلال المظاهرات الاحتجاجية أمام مقر المحكمة العليا، مما عطل صدور الحكم القاضي بعدم الدستورية ليومنا هذا.

كما توسع المؤتمر في آلية جبر الضرر وإصدار قوانين وقرارات تعويض المتضررين ومثالها؛ قانون رقم 4 لسنة 2013 في شأن تقرير بعض الأحكام المتعلقة بذوي الإعاقة المستديمة من مصابي حرب التحرير. كما صدر القانون رقم 1 لسنة 2014 بشأن رعاية أسر الشهداء والمفقودين بثورة فبراير، وتوجد عدة أعمال قانونية بشأن المفقودين يضيق المقام بذكرها. كما أن مذبحة سجن بوسليم قد صدرت بشأنها عدة أعمال قانونية: قرار 59 لسنة 2013، قانون رقم 31 لسنة 2013، قانون 33 لسنة 2015 بشأن إنشاء لجنة تقصي حقائق حول المجزرة. وعلينا أن نلاحظ أن التكييف القانوني للواقعة قد صدر انطباعياً دون انتظار تقرير موضوعي من لجنة تقصي الحقائق؛ فهي "مذبحة" و"مجزرة" حسب ما تراه السلطة التشريعية حينها، ولست أدري شخصياً هل شكلت تلك اللجنة؟ وهل باشرت عملها؟ وما هي النتائج التي توصلت لها بخصوص الواقعة؟

ويبدو أن السياسة فرقت بين السلطة التنفيذية والتشريعية في فترة حكومة زيدان فإذا بهما يختلفان بشأن آليات العدالة الانتقالية. ويكفينا للتدليل على ذلك رصد الخلاف بين السلطتين بشأن آلية تعويض المعنفات والمغتصبات. فبعدما قدمته الحكومة كمشروع قانون رفضت السلطة التشريعية إصداره في إنكار منها لملف مغتصبات الحرب وتحفظاً لدخول فئات مدعية وحينها، قررت الحكومة اتخاذ آلية التعويض لهذه الفئة من خلال إصدار قرار رقم 119 لسنة 2013 بشأن معاملة ضحايا العنف الجنسي. كذلك نرصد الخلاف بينهما بشأن آلية الملاحقة القضائية للإرهابيين. فقد قررت الحكومة التأكيد على أهمية هذه الآلية في بيان 20 مارس 2014 في حين أن السلطة التشريعية قصرت عن إصدار قانون مكافحة الإرهاب رغم تقديم مشروعه من الحكومة، لوجود مجموعة من أعضائها "الكتلة الإسلامية" ترفض الاعتراف الرسمي بوجود الإرهاب في ليبيا وتتهيب من أن تطالها الملاحقة حال إقرار القانون.

 

العدالة التوافقية

وثيقة 2015 نابعة من اتفاق الفرقاء وترتكز على فكرة الوفاق بين الخصوم السياسيين. ولهذا كان لملف العدالة الانتقالية نصيب كبير من الاتفاق حيث نصت المادة 26 من المبادئ الحاكمة على "تفعيل آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، من أجل إعلاء الحقيقة وتحقيق المحاسبة والمصالحة وجبر الضرر وإصلاح  مؤسسات الدولة وذلك تماشياً مع التشريعات الليبية النافذة والمعايير الدولية."، وأقرت المادة 24 من الاتفاق "يختص مجلس الدولة كذلك بدراسة واقتراح السياسات والتوصيات اللازمة حول الموضوعات التالية: دعم جهود المصالحة الوطنية والسلم الاجتماعي من خلال الآليات القائمة، دعم ومساندة لجان تقصي الحقائق ومؤسسات مكافحة الفساد في أدائها لواجباتها". وركزت المادة 11 من الأحكام الإضافية على آلية العفو كسباً لمزيد من الفرقاء السياسيين؛ حيث نصت على أن "تضمن المؤسسات المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي عدم مقاضاة أي من الأشخاص لأسباب تقتصر على قتال الخصوم أثناء النزاع." إلا أنها تراجعت أمام المعايير الدولية لتطبيق العدالة الانتقالية فأكدت على أنه: "لا تنطبق هذه الضمانة على أي شخص قد يكون ارتكب جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية أو غيرها من الجرائم التي ينص عليها القانون الدولي إذ لا تخضع مثل هذه الجرائم للإفلات من العقاب". كما نصت المادة 26 على الالتزام بجمع معلومات كاملة عن الأشخاص المختطفين والمفقودين وتقديمها، مع الالتزام بتشكيل هيئة مستقلة للأشخاص المفقودين إعمالاً بأحكام القانون رقم 1 لسنة 2014 وذلك خلال ستين يوماً من بدء ممارسة الحكومة لمهامها. والالتزام بإطلاق سراح الأشخاص المحتجزين لديهم دون سند قانوني أو تسليمهم إلى السلطات القضائية. كما ينبغي على كافة الأطراف المساهمة في توفير حماية فعّالة للسلطات القضائية المختصة وتمكينها من مراجعة جميع حالات الاحتجاز أو الاعتقال، وإطلاق سراح فوري لجميع الأشخاص المحتجزين أو المعتقلين دون سند قانوني. كما يلتزم جميع أطراف هذا الاتفاق بضمان حكر سلطة احتجاز المعتقلين والسجناء على السلطات القضائية المختصة وفي مرافق معترف بها رسميا، وفقاً للتشريعات الليبية النافذة. وتلتزم أطراف هذا الاتفاق بالعمل على تطبيق قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013، بما في ذلك تعيين مجلس إدارة هيئة تقصي الحقائق والمصالحة، خلال تسعين يوماً من دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ، وفي الملحق الثاني من الاتفاق السياسي كانت من الأولويات؛ مواصلة دعم الحوار والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، ودعم القضاء والعدالة الجنائية، والتعامل مع أوضاع المحتجزين والمساجين والمختطفين. وكغيره من الملفات المتضمنة في الاتفاق السياسي كان مصير ملف العدالة الانتقالية مصير الاتفاق نفسه من حيث الدخول في دهاليز السياسة مما عثر خطواته وعطل تطبيقه.

 

العدالة الارتدادية

مسارات العدالة الانتقالية في هذه الفترة تأثرت هي الأخرى بالموقف السياسي لمجلس النواب. فكان له نوعان من آليات العدالة الانتقالية: أحدهما مع أنصار النظام السابق، والثاني خاص بخصومه السياسيين من الإسلاميين. ففي حين جنح إلى العدالة الانتقالية المتمثلة في العفو العام حيث ألغى قانون العفو الصادر عن المجلس الانتقالي وأصدر بدلا عنه القانون رقم 6 لسنة 2015 وهو عفو عام لكل الليبيين عما ارتكب منذ 15 فبراير من جرائم إلى تاريخ صدوره وهو سبتمبر 2015. وقد قيل في القانون أنه مفصل لأجل سيف الإسلام والموالين لنظام القذافي عما ارتكبوا من انتهاكات إبان مقاومتهم لثورة فبراير[10]. وقد تمت الاستفادة الفورية من هذا القانون بإصدار مخاطبة من وزير العدل بالمؤقتة للقائمين على احتجاز سيف الإسلام بالإفراج الفوري عنه[11]. كما أنه خالف المؤتمر الوطني في آلية العزل السياسي والإداري لأتباع النظام السابق من خلال إلغائه لقانون العزل عبر القانون رقم 2 لسنة 2015 .

بينما أعلن من بواكير انتخابه عن سياسته المناوئة للإسلامين، وتشدد في الملاحقة القضائية للإرهابيين بدءا من الإسراع في إصدار قانون الإرهاب رقم 3 لسنة 2014، بعدما تلكّأ المؤتمر الوطني العام في إصداره[12]. كما أصدر مجلس النواب قرارا مفاده أن أنصار الشريعة مجموعة إرهابية في أغسطس 2014 ومؤخراً صوت على تجريم أعمال جماعة الإخوان وعَدها مجموعة إرهابية في مايو 2019.

ومن بين الآليات التي تغيرت بتغير سياسة مجلس النواب هو إصداره للقانون رقم 4 لسنة 2017 بتعديل القانون رقم 11 لسنة 2013 حيث أعاد الاختصاصات العسكرية بكثير من الجرائم. ولعل ما يلفت النظر فيها الاختصاص الشخصي بنظر جرائم مرتكبي الإرهاب  وأهميته تكمن في أنه يلغي النص الخاص بالاختصاص النوعي الوارد في قانون الإرهاب رقم 3 لسنة 2014 كما أن هناك من يراه نكوصا تشريعيا خطيرا بشأن حقوق الإنسان من حيث عودة الاختصاص العسكري بشأن محاكمة المدنيين. إلا أنّ الدفاع على هذه السياسة يؤسس على فقه الواقع حيث أن النيابات المتخصصة والدوائر الخاصة المنصوص عليها في قانون الإرهاب لم يصدر بشأنها قرارات من المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس وصارت القضايا الإرهابية تتأرجح بين القضاء العادي والعسكري وترفض من كليهما لعدم الاختصاص ولهذه الضرورة العملية صدر التعديل[13].

 

العدالة الانتقالية بنكهة ليبية

وبعد الاشتباكات المسلحة الأخيرة في طرابلس وتخومها والتي ما زالت رحاها دائرة حتى الآن، لاحظنا ظهور مفهوم جديد للعدالة الانتقالية، كان قد عبر عنه شرقا بصوت خافت في بواكير أحداث 2011[14] ولكنه ازداد وضوحا بعدما انقسمت المؤسسات التنفيذية واستقرت الحكومة المؤقتة شرقاً قرب المجلس التشريعي" البرلمان". وقد أضحى هذا المفهوم بعد أحداث ابريل 2019 مطلبا واضحا حتى في غرب البلاد معقل الحكومة المركزية[15]، ألا وهو عدالة الأقاليم والجماعات، حيث أن المنطقة الشرقية "برقة" وكذلك الجنوبية "فزان" قد طالهما التهميش طيلة عقود طويلة. فالأولى جبر الضرر وإعادة الحال كما كان عليه قبل 1963 بالعودة إلى الدولة الفيدرالية والتقسيم الثلاثي للأقاليم الليبية. هذا المقترح السياسي للعدالة يسوق له البعض، باعتباره الحل الأمثل للمصالحة الوطنية وللمضي قدما نحو دولة ليبيا الجديدة، بيد أنه يظل مقترحا غائما مالم يدستر، وهو مثير للقلق عند بعض طارحيه. فهو يفتح الباب مشرعا أمام مطالبات بالحكم الذاتي تطبيقاً للعدالة الانتقالية من أقاليم وجماعات أخرى: الأمازيغ، التبو، المنطقة الوسطى. وهي أقاليم وجماعات تشكل ثقلاً في الخريطة السياسية وقوة على الأرض الجغرافية، مما يجعلنا نشكك في رؤية ليبيا الجديدة بوصفها دولة متحدة. ومازلنا في انتظار آليات العدالة الانتقالية للغالب الجديد من الفرقاء السياسيين حين توليه مقاليد السلطة التشريعية الجديدة.

 

 

  • نشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الحقيقة والكرامة في أفق جديد

  •  لقراءة ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |  اضغطوا على الرابط أدناه:

ملحق العدد 16 من مجلة المفكرة القانونية: حكاية من الماضي برؤية مستقبلية

 

 


[1] مثل الانتقال من حالة نزاع مسلح او حرب أهلية الى حالة السلم والعمل الديمقراطي، أو من حالة انهيار النظام القانوني الى إعادة بنائه بالترافق مع إعادة بناء الدولة، أو الانتقال من حكم تسلطي دكتاتوري الى حالة الانفراج السياسي والانتقال الديمقراطي.

[2] لعل الراصد لتحول سياسات القذافي يؤرخ لها منذ 2003 باعتباره تاريخ سقوط بغداد والذي كان بمثابة جرس إنذار للقذافي.

[3] وسحب الاختصاص من دوائر الجنايات في البث في المسائل التي يثيرها القانون، بإسناده إلى الجهة القضائية المختصة وفقا للقواعد العامة.

[4] جنايات استئناف الزاوية في حكم لها بتاريخ : 18/10/2012

[5] حكم محكمة عليا ، طعن جنائي، جلسة 2/5/2018

[6] سنبين ذلك لاحقاً في مرحلة مجلس النواب.

[7] تشريعياً استمرت إلى ما بعد ذلك من خلال ممارسة المؤتمر الوطني لعمله التشريعي لحين تحوله إلى مجلس دولة استشاري وفقا لأحكام الاتفاق السياسي.

[8] وعدل مادته 26 بالقانون رقم 9 لسنة 2014 بنص مفيد جداً في سياق العدالة الانتقالية وهو: "على وزارت العدل والداخلية والدفاع أو من يفوضونه، كل فيما يخصه اتخاذ الإجراءات اللازمة لإنهاء حالات الاعتقال المتعلقة بالمهتمين بجرائم من أتباع النظام السابق وذلك في موعد أقصاه مائة وعشرون يوما من تاريخ صدور هذا القانون، بإحالتهم على النيابة المختصة دون أن يعد الاعتقال باطلا في حالة توافر دلائل كافية على ارتكابهم أفعلا تعد جرائم قانونية، أو بإطلاق سراحهم."

[10] وإن كان النص قد يقرأه بأنه عفو لثوار فبراير عما ارتكبوه من انتهاكات إبان فترة فبراير.

[12] كما بينا سابقاً.

[13] ولعل اللافت للنظر أن هذا التعديل قد صادفه تعديل مماثل للسلطة التشريعية في الغرب " المؤتمر الوطني بعد انتهاء مدته ولايته وذلك في القانون رقم 5 لسنة 2015.

[14] اجتماعات التكتل الفيدرالي المبكرة كانت في يوليو 2011 .

انشر المقال

متوفر خلال:

عدالة انتقالية ، ليبيا ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *