في أبريل 2011، صدر العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية في بيروت. وقد نشرت أسرة تحرير المجلة آنذاك مقالاً يحمل نفس عنوان هذه المقالة و يتضمن الفقرات والمقاطع نفسها، رغبنا بإعادة نشرها حرفياً مع تعديل كلمة لبنان لتصبح تونس. في الوقت الذي يصدر فيه هذا العدد، يصدر العدد 23 من المفكرة في بيروت وقد بات لها رصيد وخبرة هامتان ترغب في وضعهما في خدمة مشروع تونس. والى الأهداف التي نعيد قراءتها ونشرها أدناه، تتطلع المفكرة من خلال إطلاق هذه التجربة الجديدة في تونس الى تحقيق أهداف ثلاثة: مواكبة الحراك التونسي في اتجاه ترسيخ الديمقراطية، الاستفادة من ورش العمل الإصلاحية القائمة هنا من خلال توثيق أهم تجاربها ونتاجها وتحليلها، وأخيراً مأسسة تبادل الخبرات الحقوقية تمهيداً لتطوير الحراك الحقوقي في المنطقة العربية ككل (المحرر).  

"المفكرة القانونية"، التي نطلق اليوم أول أعدادها التجريبية في تونس، تهدف بالدرجة الأولى إلى نزع الفواصل بين القانون والفئات الاجتماعية في تونس؛ فلا يعود وضعها حكراً على أعيان السلطة ولا فهمها ونقدها حكراً على القانونيين وحدهم.
وإذا بدا هذا التوجه طبيعياً في المجتمعات التي خصصت حيزاً كبيراً للعلوم الاجتماعية وعلى رأسها سوسيولوجيا القانون، فإن نظرة سريعة الى كيفية مقاربة القانون في دول عربية عدة تظهر لنا أن ما هو مجتمعي فيه قد وضع على هامشه، كزينة أو كحجة سهلة غير مبنية على دراسة للواقع، وأن ما هو سياسي في القانون قد لخص في عملية تأثير الطبقة السياسية على التشريع والقضاء والتجاذبات في ما بينهم. وما عدا بعض الأعمال الأكاديمية القليلة العدد والقراء، وبعض الدراسات والمقالات ذات المستوى العلمي المتفاوت، فإن دراسة علاقة القانون بالمجتمع باتجاهَيها تبقى جد محدودة.
ومن هذا المنطلق، وفي سعي الى التخفيف من حدة هذا الواقع، تهدف المفكرة قبل كل شيء إلى إلقاء الضوء على تفاعلات القانون مع بيئتيه الاجتماعية والسياسية، عبر إزالة ورقة التين التقنية التي لطالما خُبِئت وراءها علاقات القوة والهيمنة. فالمادة القانونية ليست آلية محايدة يستخدمها تقنيون – القانونيون - لتحقيق أهداف قانونية وفق قواعد شبه رياضية، بل هي قبل كل شيء نتاجٌ اجتماعيٌّ وسياسي مؤسَّسٌ  ومؤسِّس يتفاعل معه عامة الناس يومياً، يتأثرون بها كما يؤثرون فيها على نحو غالباً ما يخرجها عن سياقها الأصلي. وإذا أدىالإمعان في إظهار القاعدة القانونية كرمز محايد للمساواة إلى تكريس "الباطنية الجماعية"[1] التي يتشارك فيها قانونيون مع الطبقة السياسية، فإن المفكرة سوف تعتمد اعتماداً منهجيًّا نظرة نقدية تجاه هذه المادة وتعمل على تعريتها كلما وجدت فيها أداةً لتحقيق هيمنة سلطة أو طبقة معينة على فئات أو طبقات اجتماعية أخرى. فضلاً عن ذلك، بإمكان الباحث والمحلّل استخدام هذه العلاقة شبه العضوية بين القانون والسلطة كأداة لفهم طبيعة هذه الأخيرة وتحولاتها عبر نتاجها القانوني، سواء كان تشريعياً أم قضائياً، ولمتابعة مسار علاقتها بسائر الفئات المجتمعية: أليس القانون الأداة الرئيسية للسياسات العامة، ويشكّل غالباً لغة السلطة بامتياز؟
 وفي الاتجاه نفسه، ترفض المفكرة النظرة التقليدية الآيلة إلى تحييد دور القانونيين من قضاة ومحامين ومساعدين قضائيين وضابطة عدلية إزاء مضمون القاعدة القانونية.فبعكس الرواية التبسيطية التي تسود الخطاب العام ويتظاهر القانونيون بالتقيد بها طوال مسيرتهم المهنية، فلا القاضي مجرد خادم للقانون الذي تضعه السلطة الحاكمة، ولا المحامي يكتفي بالدفاع عن مصالح زبائنه ضمن إطاره، ولا عمل الموظف يقتصر على تطبيقه إلخ...  بل بعيداً عن توزيع الأدوار الساذج هذا - أو السيئ النية؟ - والآيل إلى قمع القدرة التحليلية بدل تسهيلها، ستعيد المفكرة وضع هؤلاء في بيئاتهم الاجتماعية والسياسية، لتنظر إليهم كلاعبين اجتماعيين أساسيين في مجتمعاتهم، فهم بالنتيجة ذوو بيئة معينة وسيرة وأدبيات وعلاقات ومصالح واستراتيجيات يستحيل تجاهلها إذا أردنا فهم القانون الذي يتعاملون معه فينتجونه. ويحتلّ القضاة بالطبع مركزاً أساسياً في هذه المنظومة على أساس الوظيفة المناطة بهم في استيعاب قانون السلطة وتفسيره بما قد يتضارب مع مصالحها. فمن شأن المحاكمة وما تفترضه من أصول أن تشكّل مسرحاً تعرض فيه نظرات وتيارات اجتماعية قد لا يتوفر لها أي مكان عام آخر - أقله أي مكان رسمي - للتعبير عن ذاتها، وهي بأية حال الحيز الوحيد الذي قد تجد فيه السلطة أو المقربون منها انفسهم مرغمين على إبداء آرائهم وعلى تعليلها قانونياً، كما هو الحيز الوحيد الذي تجد فيه السلطة العامة ممثلة بالقاضي نفسها أمام استحقاق تقويم هذه المطالب وتالياً البت بين المصالح المتباينة. وبذلك تتميز مساحة المحاكمة عن سائر المساحات العامة حيث قد يجهد الفرد للتعبير عن آراء معترضة من دون أن تكلف نفسها السلطات العامة أو الخاصة عناء الجواب، ولو سلباً.  
كيف يمكن تثبيت هذه المبادئ في نشرةٍ دورية تصدر اليوم في تونس؟ وهل تسمح القدرات الإنسانية والعلمية والمادية المتوفّرة حالياً بإصدار نشرة على مستوى هذا الإعلان المبدئي؟ فسوسيولوجيا وأنتروبولوجيا وفلسفة القانون ما زالت في أولى خطواتها في أفضل الأحوال، ومصادر التمويل والدعم ليست دائماً متوفّرة لمبادرات كهذه تقترح معاملة المادة القانونية معاملة مغايرة للمتعارف عليه. ويضاف الى ذلك دون ريب تحفظ السلطة المتوقّع إزاء هذه المبادرة التي تجهد في تعزيز الآليات المجتمعية في صوغ القانون و ـ أو تقويمه وتحليله مع ما يستتبع ذلك لجهة تحجيم دورها في هذا الشأن أو على الأقل لجهة مساءلتها. كما لا مجال للاستهانة بالممانعة التي قد تعبر عنها أوساط قانونية وقضائية إزاء مبادرة تودّ إشراك العلوم الإنسانية والاجتماعية في تقويم العمل القانوني وفهمه وتفسيره، على نحو يضيّق المساحة التي دأبوا عموماً على احتكارها.
لكن، ومن دون الاستهانة بهذه العقبات، فإن "المفكرة" ترى أن ثمة ضرورة في وضع هذه المقاربة موضع التنفيذ، ولو بصيغة متواضعة تزداد خبرةً ودقة تدريجياً على ضوء تفاعل القرّاء والباحثين معها. ورهانها في ذلك يكمن في إطلاق دينامية فكرية في مجال النقد الاجتماعي للقانون بحيث يشكل كل عمل من أعمالها رافعة للعمل الذي يليه. وأولى الخطوات ستكون إطلاق نشرة دورية تهدف الى جانب موقعها الإلكتروني إلى رصد المستجدات القانونية ذات الدلالات الاجتماعية والسياسية والتي تستحق التعليق والمناقشة، على أن تعمل في موازاة ذلك، على تنظيم مؤتمرات أو منتديات، لمناقشة قضايا قانونية ذات تأثيرات هامة. كما أنها تطمح، تدريجياً وبالتعاون مع مؤسسات أخرى، إلى إطلاق مشاريع بحثية تتصل بالمكونات الاجتماعية للعمل القانوني على المديين المتوسط والطويل.

 ومن هنا، تحرص المفكرة على تحقيق أهداف تفصيلية أبرزها الآتية:

1. أداء دور إعلامي بالمستجدات القانونية ذات الأثر الاجتماعي وعرضها على نحو يسمح للقارئ بأن يكون على بيّنة منها ومن الإشكاليات التي تطرحها. فالجريدة الرسمية لا تزال على مسافة كبيرة من الفئات المجتمعية، إن لصعوبة الفهم أو لقلة الجاذبية، ما يشكّل ثغرةً مهمّة في حقّ المواطنين في البقاء على علم بما يصدر من موادّ قانونية سوف تطبق عليهم وتعدّل حقوقهم وطرق عيشهم وتمسّ بحرياتهم. كما ستجهد المفكرة خاصة في متابعة مسارح القضاء، وأعماله، والتي غالباً ما تبقى مجهولة باستثناء بعض الدعاوى ذات التأثيرات السياسية والتي غالباً ما يصبغ التركيز عليها القضاء برمّته على نحو يؤدي الى تكوين آراء مجتزأة ومحدودة عنه وعن دوره.

2. توثيق الأعمال القانونية والقضائية على نحو يسمح للباحثين بإجراء المقارنات وسبر التوجهات (الثوابت والمتغيرات) وتحليلها على نحو أفضل. وبهذه الطريقة، ستعمل المفكرة في موازاة أعمالها التحليلية الى تكوين قاعدة معلومات قانونية ـ اجتماعية يمكن الرجوع إليها في أي وقت لاحق لدرس مرحلة ما من تاريخ النظام القانوني - السياسي في تونس، ما قد يفتح الباب أمام أبحاث مستقبلية في المجالات العلمية كافة.

3. المساهمة في إشراك الرأي العام في تقويم المستجدات القانونية في مختلف مراحلها من منطلق كونها قضايا اجتماعية.

4. إيلاء اهتمام خاص لتقويم مدى نفاذ القوانين والمراسيم وكيفية تطبيقها في الدوائر الرسمية والمحاكم من قبل الموظفين والقضاة، ليس لأنه "يجب" تطبيق القوانين فحسب، بل لأن المفكرة تعتبر التطبيق، بما يتضمنه من تفسير وإعادة صياغة تلقائية للمادة القانونية من قبل لاعبين لا تقرّ لهم النصوص بأي دور على هذا الصعيد، هو في صلب التفاعلات والممارسات السوسيو ـ قانونية التي لطالما رماها علم القانون التقليدي خارج دوائر اهتمامه العلمي، والتي تطمح المفكرة الى إعادتها إلى صلب دراسة المادة القانونية في مجتمعنا. عدا أن عملية التقويم هذه بمختلف أشكالها يمكن استغلالها في العملية التشريعية كوسيلة لزيادة فعالية هذه العملية وتحسين نوعية المواد القانونية، فإنها تؤدي الى رفع الإشكاليات القانونية والحقوقية التي غالباً ما عملت السلطة بنجاح على حجبها أو حجب النقاش بشأنها، الى مصاف الإشكاليات المجتمعية مع ما يستتبع ذلك من آثار هامة على ماهية النظام السياسي.

5. تعزيز مساءلة منتجي الأعمال القانونية والقيمين على تطبيقها. وهذا الأمر يتحصل طبيعياً من خلال إخضاع أعمال هؤلاء للمتابعة والإعلام والتقويم. والمفكرة تسعى من خلال مقاربتها إلى إسقاط ثلاثة حواجز: حاجز التقنية القانونية والاعتقاد العام لدى الناس بعجزهم عن فهمها أو الخوض في تعقيداتها، الثاني، حاجز التسييس ملوّناً بالعصبية والذي غالباً ما يؤول إلى تقويم المشرّع على ضوء مواقفه السياسية بمعزل عن دوره التشريعي والقانوني، والثالث، هيبة القضاء التي غالباً ما تستخدم لتحريم المناقشة في أعماله، على نحو يتضارب مع أبسط القواعد الديمقراطية.

6. التذكير بالمستحقات والتعهدات القانونية، ولا سيما على صعيد الحقوق الاجتماعية. وهذا ما يتحقق عن طريق التركيز على تخلف الدولة عن وضع تعهداتها بضمان حقوق معينة موضع التنفيذ.

7. تطوير آليات المقاربة المتعددة الاختصاصات. فمن الواضح أن علم القانون وحده، على أهميته، لا يخوّل الباحث الوصول إلى أيّ من هذه الأهداف التي تبقى بعيدة المنال ما لم يتمّ استغلال كل الوسائل والأدوات الفكرية التي تضعها العلوم الاجتماعية كافة بتصرّفنا لدراسة المادة القانونية. فبالإضافة إلى الخبرات القانونية التي لا يمكن الاستغناء عنها لتفكيك تقنية هذه المادة وفهمها، تضع المفكرة في صلب قدراتها أدوات العلوم السياسية والسوسيولوجيا وعلم الاقتصاد مع أمل توسيع هذه القدرات نحو مجالات علمية أخرى.

ولكن ماذا وراء تحقيق هذه الأهداف كلها؟ ماذا بعد الإعلام بالتطورات القانونية وتوثيقها وطرحها كإشكاليات عامة والعمل على تقويمها في مراحلها كافة؟ ماذا بعد مساءلة القيمين على إنتاجها وتطبيقها والتذكير بالمستحقات القانونية، كل ذلك وفق مقاربة العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ لا شكّ بأنه من وراء هذه الأهداف تظهر مقاربة جديدة للقانون في مجتمعنا، من شأنها أن تسهم في قلب معادلة السلطة والقانون، وفي تعديل وجهة استخدامه، بحيث يتحول من أداة في يد السلطة بأوجهها كافة لتثبيت هيمنتها على المجتمع وأفراده، إلى سلاح لتعزيز الحركات المطلبية والتحررية، ومنها الحركات الأكثر تهميشاً، في مواجهة هذه السلطة، وحكماً في اتجاه مزيد من العدالة الاجتماعية. وبالطبع، تجد المفكرة نفسها في هذا الإطار في تكامل وانسجام تامّين مع حركات التقاضي التي تتوسل مسرح القضاء لتكريس حقوق فئات مهمشة أو مستضعفة أو الى وقف ممارسات معينة بحقها، وهو مسرح يراد له أن يكون في قلب الحياة العامة.

نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية - تونس


[1]Bourdieu P., 1991, « Les juristes, gardiens de l’hypocrisie collective », in Commaille J. and Jobert B., Normes juridiques et régulation sociale, LGDJ, Paris.