ألقت هذه الكلمة المديرة التنفيذية ل "كلنا إرادة" في المؤتمر الصحافي الذي عقدته المفكرة القانونية وكلنا إرادة في فندق مونرو بتاريخ 3 أيلول 2019 تحت عنوان "تعطيل حق الوصول للمعلومات هو تحصين للفساد".

 

في ظل التزام الدولة اللبنانية بمكافحة الفساد وضبط الإنفاق العام، صدر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 26 حزيران 2019 قرار برفض طلب قدمته جمعيتا "كلنا إرادة" و"المفكرة القانونية" للحصول على معلومات بشأن معمل دير عمار لإنتاج الطاقة الكهربائية، أتى بمثابة تراجع رسمي من قبل الحكومة عن التزامها بتطبيق قانون حق الوصول الى المعلومات الذي يشكل ركنا أساسيا من أركان الشفافية والمحاسبة. لم يعلل القرار رفض الطلب بأسباب تتصل به، بل ذهب حدّ القول بأن قانون حق الوصول للمعلومات غير قابل للتطبيق لعدم صدور مرسومه التطبيقي ولعدم تعيين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

بالطبع، مخالفة قانون حق الوصول إلى المعلومات ليست الأولى من نوعها، ولا هي محصورة بالأمانة العامة لمجلس الوزراء، بل تكاد تكون الإدارات التي تخالف هذا القانون أكثر من الإدارات التي تنفذه بأمانة، وفق ما كشفته العديد من تقارير المنظمات الحقوقية نخصّ بالذكر منها التقرير الصادر عن جمعية غربال في 2018.

إلا أنه رغم ذلك، نرى أن خطورة هذا القرار تتمثل أولا بطبيعة المعلومات التي رفض تسليمها، بحيث أتى ليؤكد امتناع الحكومة عن نشر قرار مجلس الوزراء المتعلق بالموافقة على تحويل العقد الموقّع مع الشركة المتعهدة معمل دير عمار 2 من طبيعته الحالية إلى عقد شراء طاقة طويل الأمد، والذي يرتب نفقات بمئات ملايين الدولارات على الخزينة على مدى 20 عاما من دون أي شفافية حول آلية التلزيم أو هوية الشركة المتعهدة أو قيمة العقد.

كما نستشف خطورته من المعطيات الآتية: 

1- أنه يصدر عن مرجع رفيع في الإدارة العامة والذي يفترض به أن يكون المثال والمحفز الأساسي للإدارات العامة في تطبيق القانون. وهو يظهر من هذه الزاوية بمثابة تعميم أو كلمة سر يراد منها ثني جميع الإدارات العامة عن الاستجابة لطلبات الحصول على معلومات تبعا لرفع الحرج "القانوني" عنها تماما. فكيف تُلام أي إدارة على مخالفة القانون، إذا كانت الأمانة العامة لمجلس الوزراء أفتت بعدم جواز تطبيقه؟

2- أنه يشكل تراجعا عن مواقف الحكومة السابقة والتي كانت ذهبت إلى حد استثمار صدور القانون ونفاذه في محافل وتقارير دولية عديدة، لإثبات أنها جادة في مكافحة الفساد. وآخر هذه التقارير هو التقرير الصادر عنها بتاريخ 14 كانون الأول 2018 بشأن الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري حيث ذُكر نفاذ القانون 5 مرات وأعلنت الحكومة فيه عن إنشاء موقع إلكتروني لمواكبة تطبيقه، تبين فيما بعد أنه لا يعمل.

3- أنه يعكس تحويرا في استخدام السلطة وبخاصة في قراءة القوانين وتفسيرها على نحو يؤدي إلى إعفاء الحكومة والإدارات العامة من الضوابط والالتزامات القانونية والدولية. وهذا ما نستشفه من التشويه الواضح لمضمون القانون خدمة لهذه الغاية. فهو من جهة نص أن القانون معلق على صدور مراسيم تطبيقية، فيما أن الصحيح أن القانون خوّل الحكومة امكانية إصدار مراسيم تطبيقية "عند الاقتضاء" أي عند الحاجة، من دون أن يكون صدور أي مرسوم بحال من الأحوال شرطا لنفاذه. وهذا ما أكدته هيئة التشريع والاستشارات في رأيين سابقين رقمي 441/2017 و951/2018. فالمراسيم التطبيقية المذكورة في هذا السياق تهدف إلى تسهيل تطبيق القانون من دون أن يشكل عدم صدور أي منها بحال من الأحوال عائقا أمام نفاذه، 

ومن جهة ثانية، رأى القرار أن ثمة استحالة لتنفيذ القانون من دون مرسوم، طالما أن الرسم الذي يتوجب على الإدارة استيفاؤه عند تسليم صور عن المستندات لم يُحدد بعد. وهنا أيضا تسقط هذه الحجة بمجرد قراءة المادة 18 من القانون: فهذه المادة تنصّ صراحة على مجانية الوصول إلى المستندات في حال الاطلاع عليها في مكان تواجدها، أو في حال إرسالها بواسطة البريد الإلكتروني؛ وأنه في حال تصويرها، فإنه لا يجوز تكليف طالب المعلومات أكثر من كلفة التصوير، من دون أن يكون للإدارة أي هامش في هذا الخصوص. وعليه، في جميع هذه الحالات، لا يشكل عدم تحديد الرسم بداهة أي حائل جدي دون تطبيق القانون.

ونسجل أخيرا في هذا المضمار أن كل هذه الحجج، على فرض صحتها، إنما تفيد أن الحكومة ترفض تنفيذ القانون لأنها لم تحدد بعد اجراءاته التطبيقية، وذلك رغم انقضاء سنتين ونصف على إقراره. وندعوها الى عدم الذهاب الى التحجج بتقصيرها للتنصل من مسؤولياتها تجاه مواطنيها.

4- وختاما، إن القرار يعكس اتجاها لإعادة العمل بتقاليد الإدارة القائمة أصلا على سرية الأعمال الإدارية، وعمليا لحرمان المواطنين والمنظمات غير الحكومية من إمكانية المشاركة في جهود مكافحة الفساد، خلافا للمادة 13 من اتفاقية مكافحة الفساد التي التزمت فيها الدولة بتشجيع هؤلاء على الكشف عن الفساد والمساهمة في مكافحته، والتي طبقها القضاء اللبناني في أكثر من مناسبة. وأخطر ما في هذا التراجع والانكفاء عن تطبيق حق الوصول للمعلومات أنه يأتي في ظل أزمة مالية اقتصادية، أي في وقت يفترض أن تبذل الحكومة فيه جهودا كبيرة لإقناع الجهات المقرضة والمانحة بمصداقيتها في مكافحة الفساد والحد منه، حفاظا على حظوظ المجتمع اللبناني بتجاوز أزمته. 

 

إنطلاقا من هذه الخطورة،

وإذ تقدمنا (كلنا إرادة والمفكرة القانونية) بدعوى بتاريخ 14 آب الماضي سجلت تحت الرقم 23815 بهدف إبطال هذا القرار لتجاوزه حدّ السلطة،

فإننا جئنا ندعو ونطالب بما يأتي:

أولا، أن تعود الحكومة وتؤكد في بيان واضح اللهجة ومن دون لبس التزامها الأخلاقي والدستوري بتنفيذ قانون حق الوصول إلى المعلومات، مع التعميم على جميع الإدارات العامة وجوب تنفيذه،

ثانيا، أن يؤدي مجلس شورى الدولة دوره في تحقيق دولة القانون وضمان حقوق المواطنين وحرياتهم ودورهم في مكافحة الفساد الذي ينهش بالدولة، من خلال إبطال هذا القرار،

ثالثا، أن يفتح البرلمان تحقيقا في تمنع الإدارة العامة عن تنفيذ قوانينه المتصلة بمكافحة الفساد وأن يبادر من دون تأخير إلى إقرار قانون بإنشاء هيئة مكافحة الفساد،

رابعا، أخيرا، نوجه دعوة عامة لجميع الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية إلى أوسع ائتلاف وطني لصون المكسب الحقوقي والاجتماعي المتمثل بقانون حق الوصول إلى المعلومات.