في عام 2014، قامت المفكرة القانونية بمراجعة مشروع قانون رعاية وعلاج الأشخاص المصابين بأمراض نفسية وعقلية. وقد تم إعداد مشروع القانون الأصلي من قبل منظمة "إدراك" غير الحكومية (جمعية مركز الأبحاث وتطوير العلاج التطبيقي) في عام 2008 وأُحيل إلى البرلمان اللبناني في عام 2012. إلا أنه لم يحظَ باهتمام يُذكر من قبل الرأي العام. أما أهداف التعديلات المقترحة من قبل المفكرة القانونية فكانت لضمان الإمتثال بالمعايير الدولية، لا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRDP، 2007) وتوفير أدوات عملية للتطبيق، وإطلاق نقاش عام حول هذه المسألة. وقد تم لاحقاً اعتماد نسخة جديدة من مشروع القانون من قبل البرنامج الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العامة تضمنت اقتراحات المفكرة القانونية في هذا الصدد، تقوم بدراستها حالياً اللجان البرلمانية المشتركة. إلا أن النقاشات وآخر المستجدات بشأن التقدم المحرز في مشروع القانون كانت غائبة إلى حد كبير عن الحيز العام منذ اعتماد وزارة الصحة لمشروع القانون.

ومن المهم الإشارة إلى أن التشريعات المتصلة بالصحة النفسية تتسم بأهمية خاصة، نظراً إلى تاريخ الطب النفسي المحفوف بالعديد من الانحرافات في ممارسة هذه المهنة. ومن أهم هذه الانحرافات، الإكراه والاحتجاز القسري وممارسات الاستشفاء الضارة (Goffman، 1991) وإساءة استخدام السلطة واستغلال الأشخاص الذين يعانون من أمراض وحالات نفسية وعقلية. فقد باتت التشريعات المتصلة بالصحة النفسية ركيزة أساسية في جميع أنحاء العالم في ممارسة الطب النفسي. وكما جاء في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ينبغي أن تكون هذه التشريعات قادرة على تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي:

  • حماية حقوق الأشخاص المصابين بأمراض وحالات نفسية وعقلية ومنع انتهاكات حقوق الإنسان والتمييز والوصم الاجتماعي.
  • تعزيز الإنصاف في إمكانية الوصول إلى رعاية وعلاج على أعلى درجة من الجودة ضمن البيئة الأقل تقييداً.
  • تنظيم الإستشفاء الإلزامي (القسري) من خلال إنشاء نظم ضمانات إدارية أو قضائية.

 

موجز عن الأقسام الرئيسية لمشروع القانون المقترح تعديلها:

1- تعريف المرض النفسي: يوضح مشروع القانون المقترح أن تعريف المرض النفسي يجب أن يستند إلى معايير معترف بها دولياً. وينطبق ذلك على الإضطرابات النفسية، بما في ذلك الإضطرابات النفسية العصبية (مثل الخرف أو الخلل الوظيفي الدماغي الناتج عن صدمة دماغية)، فضلاً عن الإعاقات الذهنية. في الواقع، لا تقضي وظيفة الطب النفسي بالسيطرة على السلوك الاجتماعي، وإنما علاج المشاكل والأمراض النفسية. فينبغي ألا يتم تشخيص المرض النفسي بناء على عدم الإنصياع للقيم الاجتماعية أو السياسية أو على أساس العرق والدين والجنس. ولذلك أهمية كبيرة لتجنب الإنحرافات التي شهدتها ممارسة الطب النفسي في الماضي (مثلاً، عندما كان يتم تشخيص المرض النفسي على أساس الميل الجنسي أو على أساس سلوك غير مقبول إجتماعياً).

2- وضع إجراءات واضحة لتعزيز العلاج ضمن البيئة الأقل تقييداً: في النسخة الجديدة لمشروع القانون، تتحمل الدولة صراحة مسؤولية تمويل وإنشاء مراكز مجتمعية للرعاية الصحية النفسية حيث يتم تقديم سبل الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل للأشخاص الذين يعانون من مشاكل وأمراض نفسية. وذلك يسمح للمرضى بالوصول إلى الرعاية الخارجية المجانية بدلاً من قصر الرعاية الصحية النفسية على الاستشفاء والإيداع في المؤسسات. كما يتحقق ذلك من خلال تغطية حالات الصحة النفسية من قبل شركات التأمين فضلاً عن أشكال أخرى من التغطية الاجتماعية.

3- التمييز بين المرض النفسي المزمن والإعاقة العقلية: لا تؤدي سائر الأمراض النفسية إلى إعاقة مزمنة. كما أن تحديد الإعاقة المزمنة هو عبارة عن عملية متعددة التخصصات تقوم بها وزارة الشؤون الاجتماعية. غير أن الأشخاص المصابين بإعاقات عقلية مزمنة أكثر عرضة للإيداع في المؤسسات، لا سيما عندما يأتون من أسر فقيرة. وهذا هو الحال حالياً في لبنان، إذ هنالك العديد من الأشخاص ذوي الإعاقات المزمنة (سواء كانت ناتجة عن مرض نفسي أو عن إعاقة ذهنية) الذين يعيشون في مؤسسات العلاج النفسي الثلاثة الرئيسية في لبنان، وإنما لأسباب اجتماعية أكثر منها طبية (عدم قدرة الأسرة على رعايتهم أو عدم الرغبة في استعادتهم). ويؤكد مشروع القانون على ضرورة عدم استخدام الإيداع الطويل الأجل في المؤسسات إلا كملاذ أخير بدلاً من اعتباره حلاً منهجياً للأسر التي تفتقر إلى الموارد اللازمة. في المقابل، لا بد من أن يلحظ البرنامج الخاص بالأشخاص ذوي الإعاقة المزمنة في وزارة الشؤون الاجتماعية بدائل لتمكين هذه الأسر وتطوير آليات طويلة الأجل لإعادة التأهيل الاجتماعي ضمن البيئة الأقل تقييداً. ولكن تجدر الإشارة إلى أنه في ظل وجود نظام مجتمعي فعال للرعاية الصحية النفسية قائم على الوقاية والعلاج المبكرين للأمراض النفسية، يتراجع احتمال أن تؤدي الإصابة بمرض نفسي إلى إعاقة مزمنة. فغالباً ما يكون عدم توفر مرافق خارجية للرعاية الصحية النفسية (تهدف إلى تعزيز الإندماج الاجتماعي) هو ما يؤدي الى الإعاقات المزمنة.

4- تنظيم الإستشفاء القسري: قد يكون المرض النفسي شديداً جداً في بعض الحالات مما يستدعي الاستشفاء القسري (ارتفاع خطر الإنتحار؛ الهوس الشديد في سياق اضطراب ثنائي القطب، أو نوبة هلوسية في سياق إصابة بالفصام الخ). يحدد مشروع القانون شروطاً واضحة للإستشفاء القسري إذ يُفضّل دائماً أن يكون طوعياً. فلا يجوز إدخال المرضى إلى المستشفى ضد إرادتهم إلا في الحالات التالية: إذا كانوا يعانون من اضطراب نفسي يشكل خطراً جسيماً على سلامتهم و/أو سلامة الآخرين؛ أو إذا كانت حالتهم تستدعي الإشراف والعلاج الطبيين الفوريين؛ أو إذا كانوا عاجزين عن منح موافقتهم بسبب مرضهم؛ أو إذا كان العلاج في المستشفى هو السبيل الوحيد لتلقيهم العلاج. وقد يتم الاستشفاء القسري بناء على طلب الوالدين أو المدعي العام. وفي جميع الحالات، يحدد القانون ثلاثة مستويات من الضمانات:

  • رقابة داخلية من قبل لجنة مسؤولة عن الاستشفاء الإلزامي ينبغي إنشاؤها في كل مستشفى تتضمن جناحاً للطب النفسي.
  • إشراف إداري من قبل لجنة تفتيش طبية تابعة لوزارة الصحة العامة.
  • رقابة قضائية من قبل قاضي الأمور المستعجلة.

وتهدف مستويات الرقابة الثلاثة هذه إلى توفير الضمانات لحماية المرضى الذين يتم إدخالهم إلى المستشفيات بشكل إلزامي، فضلاً عن توفير التوجيهات للأطباء النفسيين من دون تحميلهم مسؤولية الاستشفاء القسري بمفردهم.

1- تحديد حقوق المرضى: تشدد النسخة الجديدة من مشروع القانون على مجموعة واسعة من الحقوق التي يتمتع بها المرضى المصابون بمرض نفسي أو عقلي والذين يتلقون العلاج، بما في ذلك: الحق في الموافقة المستنيرة والمشاركة في خطة العلاج كلما كان ذلك ممكناً؛ والحماية من العمل القسري والإستغلال، والحق في التماس المشورة القانونية والاستئناف، والحق في تلقي العلاج ضمن بيئة آمنة وصحية، والحق في التواصل مع العالم الخارجي طالما لا يتعارض ذلك مع خطة العلاج. بالإضافة إلى ذلك، فإن شروط وطرائق استخدام القيود البدنية فضلاً عن العلاج بالصدمات الكهربائية محددة بدورها في مشروع القانون، إذ لا بد أن تتم تحت إشراف طبي مستمر وفي بعض الحالات فقط. كما يوكل مشروع القانون المعدل دوراً مهماً إلى جمعيات المرضى في تحسين ظروف العلاج والرعاية وحماية حقوق المرضى والدفاع عنها في المحاكم.

2- تحديد العقوبات الجزائية وآليات المساءلة: تحدد الصيغة المعدلة لمشروع القانون العقوبات الواجب فرضها في حال مخالفة أحكام القانون إذ تجرّم عدة ارتكابات، مثل كتابة تقارير طبية مضللة من أجل إدخال المرضى أو إبقائهم أو إخراجهم من المؤسسات أو قبول المرضى لتلقي علاج إلزامي في مؤسسة طبية أو احتجازهم بشكل غير قانوني. لهذه التوضيحات أهمية قصوى في أي قانون للصحة النفسية: إذ ينبغي للمرضى المصابين بأمراض نفسية أو عقلية أن يدركوا أنهم قادرون على التقدم بالشكاوى وأن يكونوا على ثقة بأنه سيُنظر في هذه الشكاوى وأن المرتكبين سيعاقبون.

المسائل التي لا تزال عالقة في مشروع القانون المقترح.

بعد إقرار مشروع قانون الصحة النفسية المعدل من قبل وزارة الصحة العامة في عام 2014، لم يعتر التقدم المحرز والتحديثات والمستجدات في مشروع القانون أي إهتمام عام. غير أن ثمة العديد من المسائل التي لا تزال مطروحة للنقاش والتي ينبغي إدراجها في مشروع القانون:

  • مدة الاستشفاء القسري قبل تدخل قاضي الأمور المستعجلة: تم اقتراح مدة 25 يوماً بعد استشارة عدة أطباء نفسيين. إلا أنه لم يتم التوصل إلى توافق واضح وحاسم بهذا الشأن، وما زالت هذه المسألة عالقة حتى هذا التاريخ.
  • آليات نقل المرضى الذين يتم إدخالهم قسراً إلى المستشفى عندما تعجز الأسرة عن إحضارهم بسبب انفعالهم المفرط على سبيل المثال. هنالك حالياً شركات خاصة قادرة على تأمين النقل. إلا أنه لا بد من مناقشة شرعية هذه الشركات، فضلاً عن الانحرافات المحتملة التي قد يتم ارتكابها. كما أن اللجوء إلى قوى الأمن الداخلي كحل بديل لإحضار مريض مصاب بمرض نفسي أو عقلي إلى المستشفى قد يكون ضاراً، خاصة وأن التعامل مع أي مريض في حالة انفعال أو هلوسة يتطلب خبرة ورعاية خاصة.
  • تحديد تشكيلة سائر اللجان المذكورة في القانون، خاصة اللجنة الطبية النفسية التابعة لوزارة الصحة العامة ولجنة التفتيش الداخلي في كل مؤسسة، وما إذا كان ينبغي أن تشمل أشخاصاً من خارج المؤسسة أو من خارج وزارة الصحة العامة، فضلاً عن ممثلين عن جمعيات المرضى.
  • الآثار المترتبة على مشروع القانون بالنسبة إلى الأشخاص المصابين بإعاقات عقلية مزمنة المودعين حالياً لدى مؤسسات للطب النفسي لأسباب اجتماعية. فإذا لم يعودوا يستوفون معايير القبول للاستشفاء الإلزامي، ما هي البدائل المتاحة في حال افتقار أسرهم للموارد اللازمة لرعايتهم أو انتفاء الرغبة في استعادتهم؟ وفي ظل غياب مرافق خارجية متاحة للرعاية الصحية النفسية وبرامج التأهيل والدعم الأسري، قد يؤدي إخراج هؤلاء المرضى من المؤسسات إلى تعريضهم لخطر التشرد أو العيش في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية هشة، كما حدث في بلدان أخرى.
  • ختاماً، يقتضي أيضاً النظر الى حالة مجموعات محددة ومناقشتها. ومن هذه المجموعات:

اللاجئون السوريون: قد يكون قبولهم لتلقي العلاج في المستشفيات محدوداً بسبب افتقارهم للمستندات القانونية التي تجيز إقامتهم في لبنان؛

العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية: أظهرت دراسة أجرتها زهر الدين مع مؤلفين آخرين (2014) أن العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية أكثر عرضة من نظيراتهن اللبنانيات للإستشفاء القسري وللتشخيص بالذهان والعلاج بالصدمات الكهربائية. بالتالي فهن أكثر عرضة لخطر إساءة استخدام السلطة، خاصة في ظل غياب أي أقارب أو أصدقاء لإبلاغهم عن العلاج وطلب موافقتهم عندما يتعذّر على المريضة القيام بذلك. ومن الاقتراحات المطروحة لمشروع القانون ضرورة وجود مترجم مع الطبيب النفسي إذ يستند التشخيص النفسي إلى إجراء مقابلة سريرية والإستماع إلى المريضة وفهمها. والحواجز الثقافية واللغوية قد تكون بالتالي مضللة لعملية التشخيص. وثمة اقتراح آخر يتمثل بإشراك ممثلين عن المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات التي تعنى بشؤون العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية في عمليات الاستشفاء الإلزامي ومنع المغادرة القسرية عن طريق الإشراف على عمليات الخروج وإعطاء بعض الوقت للتعافي بعد الخروج.

وتمثل هذه القضايا تحديات مجتمعية كبرى لا يمكن تجاهلها في عملية وضع الصيغة النهائية لمشروع القانون وتنفيذه. في الواقع، لا يجوز أن يشكل القانون نصاً معزولاً، إذ يبقى من دون أي أثر عملي في حال لم يتم تكييفه مع السياق الاجتماعي الذي ينطبق عليه.

نهج مجتمعي في مقاربة الصحة النفسية

يشدد مشروع القانون على أهمية العلاج ضمن البيئة الأقل تقييداً من خلال إنشاء مراكز رعاية صحية نفسية مجتمعية تمولها وزارة الصحة العامة، وتجنب الإقامة في المستشفيات أو الإيداع في المؤسسات في سائر الحالات من أجل تلقي الرعاية. وفي موازاة ذلك، تسعى الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية المعتمدة من قبل وزارة الصحة العامة (2015) إلى وضع نهج مجتمعي للصحة النفسية من خلال إدراج خدمات الصحة النفسية في مراكز الرعاية الصحية الأولية وتوفير خدمات رعاية صحية نفسية وعقلية للمرضى الخارجيين. ولكن ما الذي يُقصد بالنهج المجتمعي؟

يُقصد بمرافق خدمات الصحة النفسية المجتمعية، في تعريفها الكلاسيكي، نظام الرعاية الذي يكون فيه المجتمع المحلي هو المزود الرئيسي لرعاية أفراده المصابين بمرض نفسي أو عقلي، وليس منشأة محددة مثل المستشفى. وغالباً ما تتخطى أهداف مرافق خدمات الصحة النفسية المجتمعية مسألة توفير العلاج النفسي للمرضى الخارجيين (الأدوية والمهدئات و/أو العلاج النفسي الفردي). فهي تعالج الأمراض النفسية والعقلية باعتبارها مشكلة من مشاكل الرعاية الاجتماعية من خلال السعي إلى دمج المرضى (مثلاً من خلال معالجة قضايا معينة مثل الإسكان والبطالة وما إلى ذلك) ومساعدتهم على استعادة دور فاعل وهادف في مجتمعهم، الأمر الذي يتعذر على المتخصصين في الصحة النفسية (الأطباء النفسيين و/أو المعالجين النفسيين) القيام به بمفردهم. فلا بد أن تشمل هذه العملية أيضاً أخصائيين اجتماعيين وعاملين صحيين وأفراداً من المجتمع. غير أن الاستراتيجية الوطنية تصور الرعاية الصحية النفسية المجتمعية وكأنها تتمحور بشكل رئيسي على التشخيص الفردي وأنواع العلاج السريري، استناداً إلى التحليل الذي قام به عالما الأنثروبولوجيا مغنيه ومارانكوني مؤخراً (2017). إذ يقترح الباحثان اتباع نهج أكثر شمولية من قبل وزارة الصحة العامة في بناء مركز مجتمعي يتخطى مجرد تدريب العاملين والموظفين على اكتشاف ومعالجة الأمراض النفسية والعقلية من خلال إطار تشخيصي وسريري، خاصة وأن الهدف من مركز الرعاية الصحية النفسية المجتمعية يتخطى مجرد السيطرة على أعراض المرض. كما أن مرافق خدمات الصحة النفسية المجتمعية تنظر في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للأمراض النفسية، وليس فقط في الجوانب الطبية؛ وهي تدعو إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية من خلال التصدي للأسباب الرئيسية للضائقة الاجتماعية، مثل الفقر وعدم المساواة بين الجنسين والنزاعات، وذلك عبر الربط بين الموارد الاجتماعية والقانونية وموارد الحماية، والعمل مع المجتمع المحلي لاسترداد الأنماط الرئيسية للقوى والموارد الاجتماعية الجماعية.

أهمية إجراء نقاش علني

إن النقاش العلني هو من أسس الحياة الديمقراطية، إذ يشرك الناس بشكل ناشط في عملية اتخاذ القرار ويمهد الطريق لمواطنة حقيقية وديمقراطية فاعلة. فهو يساعد على خلق إدارة شفافة وخاضعة للمساءلة ويقلل من خطر إساءة استخدام السلطة عبر إنشاء آلية إشراف ومراقبة مستمرين. وفي سياق قانون الصحة النفسية تحديداً، يساعد النقاش العلني على مكافحة الوصم والتمييز من خلال تسليط الضوء ولفت انتباه الرأي العام إلى الأشخاص المصابين بأمراض نفسية وعقلية ورفع مستوى الوعي بأهمية التشريعات المتعلقة بالصحة النفسية؛ كما أنه يشرك الأطباء النفسيين والعاملين في مجال الصحة العقلية والنفسية إذ إنهم المعنيون مباشرة في عملهم اليومي بوجود تشريعات فعالة؛ وهو يساعد من جهة أخرى على خلق بيئة منفتحة ومستجيبة لمشروع القانون من أجل سنه وإقراره وتنفيذه، كما حصل مع سائر تحركات المجتمع المدني من أجل إقرار قانون الحماية من العنف الأسري؛ بالإضافة إلى أنه يزيد الوعي أيضاً بين القضاة والمدعين العامين بشأن قضايا الصحة النفسية ويسهل تطبيق القانون.

بالإضافة إلى ذلك، وفي سياق الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية التي تسعى إلى وضع نهج مجتمعي، يمكن لإشراك أفراد المجتمع المحلي والمجتمع المدني في النقاش العلني أن يفيد هذه الاستراتيجية ويوجهها في تصميم تدخلات ذات صلة بالتحديات والاحتياجات الاجتماعية الفعلية للسياق المحلي، بدلاً من تطبيق جدول أعمال محدد مسبقاً. إننا لا ننكر أهمية التدخلات الطبية السريرية التي تركز عليها الاستراتيجية الوطنية، غير أن هذه النهج قد تتكامل من خلال تدخلات مجتمعية أكثر استدامة تنظر أيضاً في الجوانب الاجتماعية والسياسية للأمراض النفسية والعقلية.

نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية

المراجع:

Goffman E. (1991). Asylums: Essays on the Social Situation of Mental Patients and Other Inmates. UK, Penguin Books.

Ministry of public health. 2015. Mental Health and Substance Use: Prevention, Promotion, and Treatment, Situation analysis and Strategy for Lebanon, 2015-2020, http://www.mhinnovation.net/sites/default/files/downloads/resource/MH%20strategy%20LEBANON%20ENG.pdf

Moghnie L, Marranconi F. 2017. Mental Health Strategy in Lebanon: An Anthropological Critique, http://legal-agenda.com/en/article.php?id=3635 (accessed June 4, 2017 )

United Nations General Assembly Resolution 62/170. (2007). Convention on the Rights of Persons  with Disabilities.  

Zahreddine N, Hady RT, Chammai R, Kazour F, Hachem D, Richa S. Psychiatric morbidity, phenomenology and management in hospitalized female foreign domestic workers in Lebanon. Community Mental Health Journal 2014; 50(5): 619-628.