صدر قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب ونشر في العدد 27 من الجريدة الرسمية وقد تضمنت الفقرة الأولى من مادته الوحيدة إشارة مهمة فحواها أن مشروع القانون الذي تم إقراره جرى تعديله في الهيئة العامة. وبالفعل من خلال مقارنة المرسوم رقم  883 تاريخ 14 حزيران 2017 الذي أحال بموجبه رئيس الجمهورية مشروع القانون المذكور والنص النهائي الذي جرى التصويت عليه، يتبين لنا أن مجموعة مهمة من التعديلات جرى إدخالها على المشروع تتخطى الطابع الشكلي إذ يترتب عليها تداعيات مهمة على العملية الانتخابية.

 فبعد شهور من التكهن والغموض، بات لدينا نص كامل يمكن الإطلاع عليه وتفنيد بنوده المتشعبة بغية دراستها من الناحيتين السياسية والدستورية. ولا شك أن اعتماد النظام النسبي هو تطور إيجابي مهم وكبير في الحياة السياسية اللبنانية إضافة إلى إصلاحات أخرى أقرها القانون. لكن نقاط البحث التي تتطلب دراسة معمقة لجهة مدى انطباقها على المبادئ الدستورية تتعلق أساسا بتقسيم الدوائر الانتخابية وهل تم ذلك بطريقة اعتباطية دون اعتماد معيار واحد كما أقره اجتهاد المجلس الدستوري (قرار رقم 4 تاريخ 7/8/1996). ولما كان هذا الأمر يحتمل النقاش ويخرج حاليا عن موضوعنا سنحصر تعليقنا في التعديلات التي أقرتها الهيئة العامة والتي لم يتمكن الجمهور من التنبه لها.

سقف الإنفاق الانتخابي

نصت الفقرة الثانية من المادة 62 من الفصل الخامس المخصص للتمويل والإنفاق الانتخابي على التالي: "لا تعتبر محظورة التقديمات والمساعدات المذكورة أعلاه إذا كانت مقدمة من مرشحين أو مؤسسات يملكها أو يديرها مرشحون أو أحزاب درجوا على تقديمها بذات الحجم والكمية بصورة اعتيادية ومنتظمة منذ لا يقل عن ثلاث سنوات قبل بدء فترة الحملة الانتخابية...".

 لقد استعاد هذا النص المادة 59 من قانون الانتخابات القديم والتي أثارت انتقادات واسعة كونها رشوة مقنعة بحيث تضفي الطابع القانوني على ممارسة تدخل في صلب النظام الزبائني هذا علاوة عن إخلالها بالمساواة بين مختلف المرشحين لجهة تمكين الأغنياء وأصحاب النفوذ من صرف مبالغ تفوق بكثير الإمكانيات المادية للوائح المنافسة. لكن مشروع القانون تنبه لهذا الأمر، فحدّ من هذا الخلل نسبيا عبر إعلانه أن المدفوعات والمساعدات المقدمة أثناء الحملة الانتخابية تعتبر خاضعة للسقف الانتخابي المنصوص عليه في المادة 61.

لكن الهيئة العامة ارتأت تعديل هذه الفقرة بإضافة كلمة واحدة قلبت الأمر رأسا على عقب إذ باتت الفقرة الثانية من المادة 62 تنص على الآتي: "لا تعتبر المدفوعات والمساعدات المقدمة أثناء الحملة الانتخابية خاضعة للسقف الانتخابي...". وهكذا وبكل بساطة، عاد النص القديم على نحو يفقد الأحكام المتعلقة بالسقف الانتخابي جدواها ويسمح للجهات السياسية التقليدية بالتهرب من تطبيقه.

البيان الحسابي الشامل

فرضت المادة 64 على كل مرشح ولائحة تقديم بيان حسابي شامل خلال ثلاثين يوما من إعلان النتائج الرسمية للإنتخابات يتضمن بالتفاصيل مجموع الواردات والنفقات. لذلك نصت المادة 66 من مشروع القانون على عقوبات خاصة إذ اعتبرت أن من يتخلف عن هذا الموجب القانوني أو الذي يتبين انه تجاوز سقف الانفاق الانتخابي يعاقب "بإبطال انتخابه من قبل المجلس الدستوري". إن مقارنة المادة 66 كما جرى تعديلها مع النص الأصلي تظهر أن مجلس النواب قرر الاكتفاء بغرامة مالية قدرها مليون ليرة عن كل يوم تأخير أو بغرامة توازي ثلاثة أضعاف قيمة التجاوز في حالة المرشح الذي تخطى سقف الإنفاق. وهكذا لم يعد إبطال النيابة يتم حكما بل يتوجب أن يتقدم المرشح الخاسر بطعن أمام المجلس الدستوري الذي يعود له تقدير حجم المخالفة واتخاذ القرار المناسب.

التفويض بالتشريع 

منحت المادة 84 من مشروع القانون الحكومة الحق بتعديل قانون الانتخابات بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء لجهة إجراء التعديلات اللازمة التي يقتضيها اعتماد البطاقة الممغنطة. وهذا نص غير مالوف إذ أنه يعتبر تفويضا بالتشريع أي أنه يمنح السلطة التنفيذية صلاحية تعديل القانون وهو ما يعرف بالمراسيم الاشتراعية التي عرفها لبنان لفترة طويلة من الزمن قبل توقفها عمليا بشكل نهائي إذ لم يصدر منذ اتفاق الطائف حتى اليوم أي قانون يجيز للحكومة التشريع بموجب مراسيم. وقد أعلن المجلس الدستوري في قراره رقم 1 تاريخ 31/1/2002 أن "مبدأ سمو الدستور الذي ينجم عنه أن على كل سلطة عامة أنشأها الدستور أن تمارس اختصاصها المحجوز لها في أحكامه بنفسها وأنه لا يجوز لها أن تفوض سلطة أخرى في ممارسة هذا الإختصاص إلا إذا سمح الدستور بهذا التفويض بموجب نص صريح" أي أنه لا يحق لمجلس النواب تفويض سلطته التشريعية في المواضيع التي أعلن الدستور صراحة أنها تصدر بقوانين ومن المعلوم أن قانون الانتخابات هو واحد من تلك المواضيع.

وقد تنبهت الهيئة العامة لهذا الأمر فعدلت المادة 84 بحيث باتت تنص أن على الحكومة "أن تقترح على مجلس النواب التعديلات اللازمة على هذا القانون التي تقتضيها اعتماد البطاقة الالكترونية الممغنطة" ما يعني عمليا أن كل تعديل لقانون الانتخاب يحتاج إلى صدور قانون جديد عن مجلس النواب.

إن هذه الملاحظة تدفعنا إلى التطرق للفقرة الأخيرة من المادة 61 التي تسمح للحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بتعديل سقف الإنفاق الانتخابي لدى افتتاح الحملة الانتخابية في ضوء الظروف الاقتصادية. فإذا وضعنا مسألة جواز التفويض بالتشريع جانبا، ألا يفتح هذا النص المجال لاستنسابية السلطة السياسية التي بمقدورها رفع سقف الانفاق وفقا لمصالح بعض الجهات أو الأحزاب ما يهدد نزاهة وشفافية العملية الانتخابية؟

اقتراع اللبنانيين في الخارج    

نصت المادة 121 من مشروع القانون أنه في حال شغر مقعد في دائرة اللبنانيين المقيمين في الخارج، يحل محله أول الخاسرين من ذات المذهب بينما نصت المادة 121 المعدلة على ضرورة إجراء انتحابات جديدة لملء المقعد الشاغر.

نقطة دستورية

نصت المادة 124 على أن "تحدد دقائق تطبيق هذا القانون بمراسيم تتحذ في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين" بينما اكتفت المادة ذاتها من مشروع القانون بإعلان أن دقائق تحديد القانون تتم بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء أي بغالبية الحضور وليس غالبية مشددة. إن النص الوارد في مشروع القانون هو النص المألوف الذي نجده في الأحكام الختامية لمجموعة كبيرة من القوانين هذا علما أن قانون الانتخابات القديم نص في المادة 115 منه على أن المراسيم التطبيقية تحتاج فقط إلى غالبية الحضور وبالتالي يكون النص الجديد أول نص يتعلق بقانون الانتخاب يفرض غالبية مشددة لاتخاذ المراسيم في مجلس الوزراء ما يطرح علامات استفهام حول الأبعاد السياسية لهذا الأمر. هذا من جهة، لكن من جهة أخرى يبقى السؤال هل يحق لمجلس النواب التدخل في طريقة عمل مجلس الوزراء كلسلطة دستورية عبر فرض غالبية مشددة لا أساس دستوري لها ما يخالف مبدأ الفصل بين السلطات. ويشار إلى أن المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء عددتها الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور بشكل حصري.