بتاريخ 25 آذار 2017، أنذرت مديرية المخابرات لدى الجيش اللبناني، سكان مخيمات في عدد من القرى في البقاع الأوسط بوجوب إخلاءها قبل الخامس من نيسان 2017. وفيما يتم تبرير هذا القرار بقرب المخيمات من مطار رياق العسكري، لم يتم تقديم أي بديل لإيواء الآلاف من الأشخاص الذين أُنذروا قبل عشرة أيام فقط من الموعد المرتقب لهدم مساكنهم.

ينطبق هذا القرار على 80 الى 90 مخيم قرب قرى الدلهمية ورياق وتمنين الفوقا وتنميم التحتا وحوش الغنم. يعيش في هذه المخيمات، وفقاً للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بين 8 آلاف و12 ألف شخص. بالمقابل يتحدث الناشطون الإجتماعيون داخل هذه المخيمات عن حوالي 20 ألف شخص مهددين بالتشرد بحال هدم مخيماتهم. وتحتوي الدلهمية وحدها على حولي 40 مخيم، وهي عبارة عن منطقة زراعية تقع على مقربة من مدينة زحلة. أما التبرير الذي تلقاه اللاجئون في هذه المناطق، فهي ذات طابع أمني، فحواه أن هذه المخيمات تقع على مقربة من مطار رياق العسكري.

يوضح رئيس إتحاد عشائر البقاع الشيخ جاسم عسكر لـ"المفكرة القانونية" أن "سكان هذه المخيمات هم من العشائر السورية في حمص وحماة والرقة". كما أنهم "تاريخياً كانوا ينتقلون كل فصل صيف الى نفس المنطقة للعمل في الزراعة والحصاد، لذا هم معروفين من قبل المزارعين في المنطقة". أما بعد بدء الحرب في سوريا إضطرت هذه العشائر الى الإستقرار في لبنان فإختارت "سفوح السلسلة الشرقية". غير أنهم إنتقلوا الى منطقة الدلهمية وتربل بعد إخلاء مخيماتهم في السلسلة الشرقية من قبل الجيش قبل سنة، وهو الامر الذي يتم تكراره اليوم".

أي موازنة بين الأمن والحق بالمأوى؟

يبدو ان المبرر الأمني قد تحوّل الى حجة لتشريع الأبواب أمام عملية نسف للحقوق الاساسية. هكذا، تصدر قرارات تمس بحقوق أساسية، كالحق بالمأوى، وخارج أي إطار قانوني للإجراءات المنفذة، دون أي خطة لتأمين المأوى البديل لمئات العائلات. وعلى فرض صحة المبرر الأمني، فلا مرجعية حكومية أو قضائية لسكان المنطقة للاعتراض على القرار أو حتى لطلب تمديد المهلة غير المعقولة التي فرضت عليهم. ورغم محاولاتنا المتعددة للتواصل مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للحصول على المزيد من التفاصيل، إلا أنها لم تعاود الاتصال بنا.

يوضح المحامي نبيل الحلبي مدير المؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الإنسان (لايف) في حديث مع "المفكرة القانونية"، أن إنذار الإخلاء هذا تم "بناء على قرار صادر عن قيادة عسكرية، وهو ما لا يمكن القبول به في مسألة كهذه تؤدي الى تشرد الآلاف". إذن "الظروف الأمنية لا تبرر إتخاذ هكذا قرار بالصيغة العسكرية، ولا بد أن يمر بمجلس الوزراء وأن ينَسَق مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين". يضيف الحلبي موضحاً "نحن لسنا أمام حالة طوارئ، ولو كنا كذلك يكون على البرلمان أن يصدر قانون طوارئ يحدد بشكل واضح الحقوق التي يمكن التشدد في تقييدها، أو المساس بها ويحدد أيضاً الجهات المخولة التصرف في ظله، في هذه الحالة فقط يمكن للسلطات العسكرية أن تتصرف على نحو مشابه". بهذا المعنى، ان كان وجود اللاجئين السوريين في لبنان يستدعي إعلان حالة طوارئ بشكل أو بآخر، فلا بد للحكومة والبرلمان ان تنخرطان بالعمل على تنظيم الأمر على هذا النحو. وهذا يعني أن تبدأ بالعمل على تنظيم اللجوء من خلال سياسات صريحة وشفافة، بعيداً عن أي شكل من أشكال الإجراءات العبثية.

هذا ويجد الحلبي أن ما يحدث من إخلاء للمخيمات يعبر عن "توجه لدى السلطة المركزية لإثقال ملف اللجوء بالمشاكل لا سيما من خلال التحذير من انفجار امني واجتماعي بين المجتمع اللبناني المضيف واللاجئين، كل هذا يحصل بكثافة قبل الذهاب الى مؤتمر المانحين في بروكسل، بهدف وضع المجتمع الدولي أمام التزامات أكبر تجاه لبنان". كذا، وفي ظل عدم وجود مناطق آمنة في سوريا، الأمر الذي يعرقل أي إمكانية للسير بخطة إعادتهم في ظل إستمرار الحرب، يتوجه العمل نحو دفعهم للرحيل بخيارهم. يقول الحلبي أنه "لو راقبنا نجد أن هذا التشدد في التعامل مع اللاجئين، ينتهي الى إخضاعهم للرحيل الاختياري بعد تجريده من حقوقه الدنيا كانسان". بكلام آخر، تعمل السلطات اللبنانية على اقفال فرص العيش في لبنان امام اللاجئين السوريين، ما يشكل نوعاً من الترحيل المقنّع للاجئين عن أراضيها. هذه العملية تتم من خلال سلطات غير مركزية وغير مختصة، فتبدو أمام المجتمع الدولي وكأنها إستجابة لمطالب المجتمعات المحلية وتفاقم لازمة إجتماعية تعجز الحكومة عن التعامل معها.

عشائر البقاع تتضامن

لناحية الشيخ عسكر، لا يجد الحجة الامنية منطقية. فهو يقول أن "المخيمات مراقبة بإحكام من قبل الأجهزة الامنية والإستخباراتية، وأن لهذه الأجهزة عدد كبير من المخبرين داخل المخيمات"، هذا من جهة. أما من جهة ثانية، فالمخيمات "بعيدة كثيراً عن المطار، وأنه لو صح ما تقوله الأجهزة الامنية عن وجودها ضمن منطقة مسار الطيران العسكري، فماذا عن القرى المجاورة للمطار؟". أخيراً ينتهي الى القول "حرم المطار الداخلي مزروع بطاطا" فيما يعبر عنه الكلام عن تقليل من جدية الحجة الامنية.

تتفاقم المشكلة بنظر عسكر في ظل منع "مديرية المخابرات اللاجئين من بناء أي خيمة جديدة في منطقتي البقاع الغربي والأوسط على حد سواء". بالتالي فإن عملية الإخلاء هذه تتم من دون تأمين بديل أو حتى إتاحته. يذكر عسكر أن "أحد أصحاب الأراضي في الدلهمية وعد سكان أحد هذه المخيمات (عددهم 2500) الذين ينتقلون من أرضه، أن يجد لهم أرضاً بديلة في برالياس مقابل 15 مليون ليرة وأن يحصل على اذن من المخابرات لبناء خيم فيها". خلافاً لذلك، فقد "منعهم الجيش عند وصولهم الى برالياس من بناء خيمهم ليبقوا مشردين لأيام قبل ان يعودوا الى الدلهمية من دون التمكن من استعادة أموالهم". هذا مع العلم أن اللاجئين كانوا قد تكبدوا بداية العام "مبالغ طائلة تتراوح بين 20 مليون و50 مليون ليرة لبنانية كإيجار أرض لبناء المخيمات". والحال أن "كل هذه الاموال ذهبت سداً وأصحاب الملك يرفضون إعادتها للاجئين".

يجد عسكر أن هذا الإخلاء سيؤثر سلباً على اللبنانيين والسوريين في المنطقة. فترك هذه الاعداد الكبيرة من الناس دون مسكن سيؤدي الى إنفجار إجتماعي. بالمقابل، تستفيد المنطقة من وجودهم كيد عاملة من جهة، وكمحرك إقتصادي من خلال تواجد المنظمات الدولية المعنية بشؤون اللاجئين في المنطقة من جهة أخرى. على الرغم من ذلك يبقى الأهم بالنسبة لعسكر "أمن البلد، هذا الأمن لا ينفصل عن إحترام الشق الإنساني من خلال تأمين بديل أقله أو السماح ببناء مخيمات بديلة". ينتهي عسكر الى القول "نحن عشائر، ولدينا عادات وتقاليد، لو شخص قتل أخ لي ثم طلب مني الحماية أنا ملزم بحمايته، كيف لو كان لاجئاً من الحرب لا يريد الإنخراط بشرها، كيف لا أحميه؟". من هذا المنطلق يحسم إستمرار العشائر بحماية اللاجئين الى مناطقهم، ورفض هدم هذه المخيمات من دون تأمين بديل: "سنقطع الطريق على الجرافات في حال محاولة هدمها يوم الخميس (6 نيسان 2017)".