بعد الانتصار الذي حققه المجتمع المدني السنة الفائتة بشأن الغاء الفحوصات الشرجية (فحوصات العار)، بفعل المعركة التي قادتها المفكرة القانونية وجمعية حلم لالغاء هذا الانتهاك الفاضح لحقوق الانسان، فاجأت بلدية الدكوانة من خلال رئيسها الرأي العام اللبناني بردة مضادة، في اتجاه مزيد من التشدد والتهميش لشريحة واسعة من مواطني المجتمع. 
فرئيس بلدية الدكوانة أنطوان شختورة لم يكتف بمداهمة ملهى ghost، وهو ملهى صديق للمثليين، ليلة السبت الماضي، انما عمد الى القاء القبض على بعض الأشخاص من التابعية السورية وأحدهم من متحولي الجنس، واقتيادهم إلى مقر الشرطة البلدية حيث تعرضوا للضرب المتكرر والعشوائي والاهانات والاذلال والتحرش. وفي أجواء من الاستهزاء الجماعي، تم ارغام اثنين من الموقوفين على تقبيل بعضهما أمام أعين عناصر شرطة البلدية؛ كما تم ارغام الشخص المتحول جنسيا على خلع ملابسه بالكامل وتصويره وسط جو من الهرج والمرج بحجة اثبات هويته الجنسية أو تحوله الجنسي. وقد حصل كل ذلك بمبادرة محلية ومن دون أي تنسيق مسبق مع النيابة العامة خلافاً للأصول المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات الجزائية. لا بل أنه لم يجر التحقيق في أي جرم من أي نوع كان، فلم يكتب أي محضر تحقيق ولم يحل أي من الموقوفين الى شرطة الآداب أو الى مكتب مكافحة المخدرات لمواجهة أي من التهم المعلن عنها. ورغم ذلك، قامت شرطة البلدية من دون أي دليل بتدوين محضر ذكر أسماء الموقوفين مع اتهامهم صراحة بجرائم بعينها أهمها (الدعارة وتعاطي المخدرات)، وقد تم تعليق هذا المحضر على باب الملهى كذريعة لاغلاقه. 
وما زاد الأمر فداحة التصريحات العلنية لرئيس البلدية نفسه. فهدف المداهمة لم يكن ضبط جريمة معينة (ممارسة الدعارة مثلاً)، انما اقصاء المثليين بشكل عام من نطاق بلديته، وبكلمة أخرى تطهيرها من هؤلاء، الذين لا مكان لهم في بلدية الدكوانة. فهو لا يرضى بتواجد "نصف رجّال" و"نصف مرأة" في هذه البلدية "المعروفة بعنفوانها" وبأنها "قلعة الصمود"، فـ"نحنا حاربنا، دافعنا عن أرضنا وعن شرفنا مش تا يجوا اشخاص... يمارسوا هل أمور عندي بالدكوانة"[1]. وبذلك بدا شختورة وكأنه يستخدم مواهبه في شن الحروب لشن حرب جديدة ضد المثليين حفاظا على قلعة صموده، وهو لا يتورع لهذه الغاية عن اعلان امارته الخاصة التي تستقل في قوانينها وفي حكمها عن قوانين الدولة ومؤسساتها، فلا تقيم لها اعتبارا. وهكذا، بشكل اعتباطي تماما، حلل شختورة لنفسه أمورا ثلاثة:
-أن يحقق بالأفعال المرتكبة في بلديته فيداهم ويحبس من دون أي تنسيق مسبق مع النيابة العامة، وبمعزل عن أي اشارة منها،
-أنه يحقق في قضايا لا تعد جرائم جزائية كتحويل الجنس أو ارتداء ذكور لملابس نسائية أو وضع يد بيد لشخصين من الجنس نفسه وما ورد من أفعال استهجنها في حديثه التلفزيوني، وبكلمة أخرى في مجمل القضايا التي يكرهها دون أي اعتبار لمبدأ أن لا جرم من دون نص،
-أنه لا يتورع عن استخدام أساليب تحقيق ماسة بالكرامة الانسانية ضاربا بعرض الحائط الحقوق الأساسية المكفولة في الدستور وفي المعاهدات الدولية[2]. فالأساليب المشار اليها أعلاه تشكل بداهة انتهاكا فادحا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحظر إخضاع أي كان للتعذيب أو للمعاملة اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة كما يضمن لكل فرد من أفراد المجتمع الحق في الاّ تتعرض خصوصيته لأي تدخل أو مساس[3]. هذا عدا عن أن هذه الأفعال شكلت جريمة احتجاز غير شرعي للحرية المنصوص والمعاقب عليها في المادة 367 من قانون العقوبات[4]. وما يزيد هذه المخالفة فداحة، هو ما ترشح عنه تصرفاته من مزاوجة بين رهاب المثلية والعنصرية، فمجمل الأشخاص الموقوفين هم كما سبق بيانه من التابعية السورية. وبذلك، بدا رئيس البلدية وكأنه ينضم من خلال هذا الاستهداف الى حراك بلديات أخرى أخذت مؤخرا قرارات تمييزية بحق الرعايا السوريين وصولا الى حد منعهم من التجول خلال ساعات الليل، في تجاوز واضح لصلاحياتها وللقوانين.
والجدير بالذكر، أن هشاشة وضع المثليين ومتحولي الجنس في لبنان تبقى قائمة في ظل المادة 534 من قانون العقوبات التي غالبا ما شكلت نقطة انطلاق للاعلان عن المواقف التمييزية القمعية على اختلافها، وأيضا لتشريع أساليب تحقيق ماسة بالكرامة، قوامها استباحة جسد الآخر وتعريته باسم الأخلاق، ومنها الفحوص الشرجية التي أصدرت نقابة الأطباء تعميما بمنعها، وصولا الى فحوص التعرية بعدسة الكاميرات. والمطلوب، وفي ظل جمود التشريع، تدخل القضاة لحماية الحرية الشخصية وتكريسها عن طريق رفض تطبيق المادة 534 على العلاقات المثلية على أساس أنها ليست "مخالفة للطبيعة"، وذلك على غرار ما قام به القاضي المنفرد الجزائي في البترون منير سليمان سنة 2009، والهدف... درء اللاإنسانية.

[1] تراجع النشرة الاخبارية المسائية لمحطة الـLBCIبتاريخ 23/4/2013، كما يراجع موقع الـLBCIالالكتروني.
[2] وان هذه المواثيق الدولية التي تبنتها مقدمة الدستور اللبناني، تؤلف معا جزءاً لا يتجزأ من الوحدة وتتمتع معاً بالقوة الدستورية.
[3] المادة 7 و17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
[4] المادة 48 من أ.م.ج.