بتاريخ 14-10-2016، عقد مجلس القضاء الأعلى ورشة عمل للبحث في مسودة مشروع بتحديد يقضي آليات تقييم القضاة. وكان المجلس قد باشر منذ 2013 العمل على وضع هذه الآلية، وأنشأ في آخر ورشة انعقدت في أيار 2015 لجنة لوضع المسودة موضوع المناقشة. وقد دعي إلى ورشة العمل أعضاء المجلس (تغيّب أغلبهم) والرؤساء الأول لمحاكم الإستئناف، فضلاً عن أعضاء الهيئات الإستشارية. كما دُعيت "المفكرة القانونيّة" كمراقب. واستقدمت منظمة "كونراد أديناور" الداعمة لهذا الجهد خبيراً ألمانياً في شؤون التقييم، وهو والتر هورن، للمشاركة في النقاش. ولكن، وعلى أهميته من حيث المبدأ بالنظر إلى غياب أيّ آلية لتقييم القضاة في لبنان، فإن لأصول التقييم وموضوعه والجهة المخوّلة إجراؤه انعكاسات كبيرة على مدى ملاءمته. وقد بيّنت عدّة تجارب مقارنة المخاطر المرتبطة بالتقييم على صعيد إستقلالية القضاء وعلى صعيد نوعية إنتاجه.

انطلاقاً من وجودها كمراقب، خرجت "المفكرة" من النقاش بملاحظاتٍ عدّة، أهمها الآتية.

تشاركيّة في وضع نظام التقييم؟
اعتمد مجلس القضاء آلية غير مألوفة لوضع نظام التقييم تتّسم بايجابياتٍ عديدة. فإلى الإستفادة من خبراء إيطاليّ وفرنسيّ وألمانيّ، دعا العديد من القضاة إلى المشاركة في هذا الجهد. وإلى جانب أعضاء المجلس (الذين تغيبوا في غالبيتهم) والرؤساء الأول في المحافظات ورئيس معهد الدروس القضائية ومديره، دعا المجلس أعضاء الهيئات الإستشارية المنشأة في 2013 للمشاركة في النقاشات الدائرة حول أسس التقييم. وتكمن أهمية إشراك هؤلاء في أنهم منتخبون من قبل القضاة وفق فئاتهم، ما يعطيهم صفةً تمثيليةً للقضاة كافة، رغم وجود ملاحظات كثيرة حول آلية الانتخاب هذه، ليس هنا المحل المناسب للخوض بها.

لم تقتصر مشاركة أعضاء الهيئات الاستشارية على إبداء الرأي، بل شارك العديد منهم إلى جانب عدد من كبار القضاة في أعمال اللجنة المكلفة بصياغة التصوّر النهائيّ لأسس التقييم، وقد عقدت هذه اللجنة اجتماعات دورية خلال السنة القضائية 2015/2016.

وبمعزل عن أهمية إشراك القضاة في عملية تحديد معايير تقييمهم، فإن ذلك يشكّل حدثاً في المنظومة القضائيّة، حيث ينعدم أيّ انتظامٍ جماعيّ للقضاة، سواء اتصل الأمر بعقد جمعياتٍ عمومية على صعيد المحاكم أو إنشاء جمعيةٍ أو نادٍ للقضاة على غرار العديد من دول العالم. فغياب هذا الإنتظام الجماعي أدّى إلى غياب أيّ نشاط قضائيّ جماعيّ للتفكير في الشؤون القضائيّة. وبما لا يقلّ أهمية، شكّلت هذه اللقاءات مناسبة نادرة لتفعيل دور الهيئات الإستشاريّة المنتخبة.

كما لا بدّ من التوقّف عند دعوة "المفكّرة القانونيّة" لحضور ورشتي العمل في أيار 2015 وتشرين الأول 2016، ولو بصفة مراقب. إذ تعكس هذه الدعوة إنفتاحاً نادراً على المنظّمات الحقوقيّة من شأنه، في حال تطويره، أن يسهم في ورشة الإصلاح القضائيّ.

بالمقابل، تسجّل على صعيد التشاركية ملاحظات عدّة:

الأولى، هو أن مسودة آلية التقييم وزّعت على المدعويين بعد بدء الإجتماع، ما حرمهم من إمكانية درسها أو إعداد ملاحظاتهم عليها. وما زاد من قابلية الأمر للنقد هو أن كثيرين من أعضاء الهيئات الإستشارية تمّ انتخابهم حديثاً ولم يتسنّ لهم الإطلاع مسبقاً على إشكاليات التقييم،

والثانية، هو أن حسم الخلافات كان يتمّ عن طريق التصويت برفع الأيادي، بحيث يحسم الخلاف لصالح الأغلبية أحياناً من دون استنفاذ النقاش أو إمكانية الوصول إلى توافقات أو الإحتكام إلى معايير معينة،

والثالثة، أن لغة التخاطب كانت تتخذ في بعض الأحيان القليلة طابعاً لا يأتلف مع مستلزمات النقاش بين متحاورين متساوين، بحيث يتم استخدام حجج مبنية على السلطة أكثر مما هي مبنية على المحاججة المنطقية. فإزاء مطالبة بعض الأعضاء بوضع معايير لاختيار أعضاء لجان التقييم، أتى الجواب بأنه لا يجوز تقييد مجلس القضاء الأعلى بمعايير لعدم جواز التشكيك به أو بمن يعيّنهم أو أن التشكيك بهؤلاء يعني تجاوزاً للخطوط الحمراء، فهم قضاة لهم تاريخهم وخبرتهم.

ولكن، ورغم هذه الملاحظات، تبقى آلية التشاركيّة الحاصلة مناسبةً هامّة، يؤمل أن يستفيد منها القضاة لتطوير المساحات المشتركة ولتعزيز الرأي العام القضائي بما يطوّر قيم القضاة المشتركة ويخفّف من مشاعر الإستفراد لديهم.

وظيفة التقييم
قبل المضي في درس آلية التقييم المعتمدة، يجدر أن نتناول وظيفة التقييم المرجوة. وفيما خلت الوثائق الموزعة (وهي تحديداً كيفية إنشاء لجان التقييم واستمارتا التقييم) من أيّ معلومات في شأن وظيفة التقييم، فرض النقاش في جوانب عدّة منه طرح مسألة وظيفة التقييم.

إزاء تشكيك بعض القضاة بإمكانية الإستفادة من نتائج التقييم في إجراء المناقلات القضائية في ظلّ التدخّل السياسيّ فيها، أجاب رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد بأن وجود التقييم يمدّ مجلس القضاء الأعلى بمعطيات تعزّز قدرته على الدفاع عن موقفه في اختيار هذا القاضي أو ذاك في هذا المنصب أو ذاك، مشدّداً على أن للمجلس خطوط حمراء لا يُقبل بتجاوزها ولا بأيّ شكلٍ في التشكيلات: "فلا مشكلة إذا طرحت السلطة السياسية شخصاً ممتازاً لتولي منصب معيّن: المشكلة تحصل إذا قرّرت السلطة السياسية أن تقاتل لفرض قاضٍ ونحن غير مقتنعين به". كما أشار إلى أن التشكيلات ليست الهدف الوحيد للتقييم بل ثمة هدفٍ أساسيّ له، وهو تسهيل مسار العمل القضائيّ وتحفيز القاضي (دفعه إلى الأمام). والمقصود طبعاً هنا هو تعزيز إنتاجية القضاة من خلال مواكبة عملهم. تضاف إلى ذلك ما للتقييم من فوائد في تبيان نقص عديد القضاة في بعض المحاكم (وهو أمر يقول الرئيس فهد أنه أخذ بعين الإعتبار في التشكيلات الأخيرة). ورغم الثقة التي عبّر عنها الرئيس فهد لجهة قدرة المجلس على صدّ السياسيين، فإنه بدا أكثر تحفظاً في مكان آخر بقوله: "لن أضحك عليكم وأقول أنه سيطبّق غداً، لكن ما نقوم به هو مهم، هو عمل جبّار. جيلٌ يأتي من ورائنا ونكون فتحنا له الطريق".

وقد انتهى النقاش إلى الإتفاق على وجوب تضمين الوثيقة الخاصة باعتماد آلية للتقييم مادةً أولى حول الغاية المرجوة من التقييم.

موضوع التقييم
لتحديد موضوع التقييم، نستند هنا إلى ما تضمنته الإستمارتان المقترحتان، وهما تباعاً استمارة التقييم الذاتيّ التي يتعيّن على القاضي موضوع التقييم وضعها، والإستمارة التي تضعها لجنة التقييم في المحكمة المعنية (المحلية).

  • تقييم كمّي أم نوعي

لعلّ الإشكالية الأولى التي طرحت هنا هي التمييز بين التقييم النوعي والتقييم الكمّي.

وقد أبدى هنا كلّاً من الرئيس فهد والقاضية ميرنا بيضا (التي ترأست اللجنة الفنية المصغّرة) تفهّماً كبيراً للإنتقادات التي طالت التوجّهات السابقة في حصر مراقبة المحاكم بنتاجها الكمّي. وقد أشار الرئيس فهد إلى  أصداء كثيرة من محاكم الإستئناف تنامت إليه ومفادها أن هناك "سلق للأحكام" من قضاة البداية بهدف زيادة نتاجهم، وأنها تضطر بنتيجة ذلك إلى إعادة التحقيق بالوقائع. ومن هنا، يبحث مجلس القضاء الأعلى ليس فقط في حسن نتاج القاضي إنما أيضاً في نوعية هذه الأحكام. ولكن، رغم التأكيد على ضرورة التقييم النوعي، تتواتر التحذيرات الناصحة بوجوب الإعتدال في التعليل. فـ"الذي يريد أن يتوسع في التعليل، يقتضي أن يكون مرتاحاً في محكمته، وإلا فلماذا الإستفاضة؟"، حسبما قال الرئيس فهد.

الإنتاج الكمّي
في هذا المجال، تضمّنت استمارة التقييم الذاتي معايير قياس إنتاجية القاضي. فطُلب من القاضي توفير المعلومات عن "المعدّل الشهريّ لعدد الأحكام والقرارات النهائية منذ سنتين، مع المستندات المثبتة" كما "معدّل الفصل النهائيّ المتوقّع خلال السنتين المقبلتين"، و"المعدّل الوسطيّ للوقت الذي يحتاجه تحضير القضايا للمرافعة أو لإصدار حكمٍ نهائيّ"، و"العوامل المؤدية الى تأخير الفصل النهائيّ في النزاع". وبدت الاستمارة الذاتية لافتةً إذ طلبت تقييم القاضي لـ"طبيعة العمل الموكل اليه من عادي إلى مرهق"، و"مدى عدالة التوزيع الإداريّ للأعمال في الدائرة القضائية"، و"عدد ساعات العمل الأسبوعيّ لتنفيذ العمل الإضافيّ"، و"بريد المحكمة"، وإبداء ملاحظاته "حول ظروف العمل". تُعدّ هذه العوامل كلها مؤثّرة على إنتاجية القاضي.

التحذير الأقوى في هذا السياق جاء من الخبير الألمانيّ الذي أعرب عن خشيته من أن يكون قياس "عدد الأحكام السنوية الصادرة عن القاضي" هو مصدر ضغط غير مباشر عليه، مفضّلاً أن تتناول استمارة التقييم نتاج القاضي الكمّي فقط في حال أصدر عدد أحكامٍ أقلّ بكثير من المتوسّط المثبت. وقد ردّ الرئيس فهد على هذه الإنتقادات بصرامة، من منطلق أن إحدى مهام القاضي الأساسيّة هي العمل لإنجاز الملفات القضائية خدمةً للمتقاضين. أما أن يعمل أقلّ مما يتوجب عليه بحجة أن "ألف عين تبكي ولا عين تدمع" أو أن "يتغنج" فلا. وأكمل معتبراً أن القضاء ليس مأوى لأشخاصٍ يريدون ضمان آخرتهم، ليس مأوى للمتقاعدين، وأيّ تكاسلٍ من قبل قاضٍ سيشوّه سمعة القضاء برمته. وفي منتهى ذلك، أصرّ الرئيس فهد على ضرورة الإحتفاظ بتقييم القاضي على هذا الأساس، معولّاً على أنّ من شأن ذلك زيادة إنتاجية القضاة.

يُلحظ أن تقييم النتاج الكمّي يشمل المستشارين الذين طلب منهم أن يبينوا مدى مساهمتهم في أعمال المحكمة. ويُخشى أن يؤدي تفصيل التقييم على هذا النحو إلى ثني القضاة عن إجراء مداولاتٍ فعليةٍ في القضايا التي تحسب لأحدهم وليس للغرفة، ما يؤدي إلى المسّ بإحدى ضمانات المتقاضين الأساسيّة. كما يُخشى أن يؤدي التفصيل هنا إلى المسّ بسريّة المداولات، من خلال نسبة الأحكام إلى أحد مستشاري الغرفة.

التقييم النوعيّ:
بخصوص التقييم النوعيّ، تضمنّت استمارة اللجنة المحلية خانةً مكرّسة لنوعية أحكام القاضي وتعليلها، ومدى تقيّده بأصول المحاكمات، كما جرى التصويت بين القضاة على إضافة خانةٍ مرتبطة بنوعية الإستجواب الذي يجريه القاضي ومدى استعمال مضمونه في الحكم النهائيّ. وصوّت 19 قاضياً لصالح هذا الاقتراح و6 ضدّه، وامتنع الباقون عن التصويت. كما تضمّنت الإستمارة خانةً مخصّصة لعدد الأحكام والقرارات التي يتم فسخها سنوياً لخطأ في تطبيق القانون على الوقائع نفسها.

ولإجراء هذا التقييم، تمّت الإشارة إلى فكرة تم تداولها خلال إعداد النظام المقترح، تفيد بأن يطلب إلى كلّ قاضٍ أو هيئة قضائية إختيار عددٍ معيّن من الأحكام التي تشكّل برأيه/هم "زبدة أحكامهم"، تضمّ إلى ملف تقييمه/هم، وأن يتم اختيار عددٍ آخر منها عشوائياً. إلا أنه لم يتمّ حسم هذا الإقتراح، بحيث يكون للجان التقييم السير على هداه أو استبعاده.

هذا التقييم لا يخلو بدوره من المحاذير. ومنها ما كانت اللجنة المكلّفة قد حّذّرت منه لجهة أن يؤدي التقييم إلى وسيلةٍ جديدةٍ لمراجعة الأحكام القضائية. ما أكّد عليه أيضاً الخبير الألماني على اعتبار أن عملية التقييم هي عملية "إدارية" وغير قضائية، بمعنى أن تقييم جودة أحكام القاضي تأتي لتخدم تحسين سير مرفق العدالة العام، وليس من باب إعادة النظر القضائية بها، والتي هي حكرٌ على طرق الطعن القانونية.

  • دوام العمل

إلى جانب قياس انتاجية القاضي ونوعية أحكامه، استحوذ مدى احترام القاضي لأوقات الدوام و"عدد أيام الحضور إلى المحكمة" حيزاً هاماً من النقاش. كما تضمّنت استمارة التقييم الذاتي سؤالاً عن "عدد أيام الحضور إلى مركز العمل" و"عدد ساعات العمل الأسبوعيّ".

وقد علّق الخبير الألماني على مسألة الحضور إلى المحكمة، مشدّداً على أن القاضي في النظام الألمانيّ يحضر إلى المحكمة حين تكون هنالك جلسة. أما في الحالات الأخرى فيعمل القاضي في منزله، ويبقى على السمع. ويقتضي احترام حقّ القاضي باختيار مكان عمله ضماناً لاستقلاليته. ردّاً على ذلك، بادر الرئيس فهد إلى تحديد مفهوم إستقلالية القاضي: "استقلالية القاضي لا تنفصل عن قواعد الجاذبية: آتي إلى المحكمة أو لا آتي"، و"القاضي مخوّل بوظيفة عامة، وعليه أن يحضر إلى المحكمة وأن يؤمن حدّاً أدنى من الحضور، والإلتزام بحدّ أدنى من الأصول المتأتية عن العمل القضائي".

  • مواضيع تقييم أخرى

من اللافت جداً تضمّن الإستمارة قياس "القدرة على تقدير التبعات الإجتماعية والإقتصادية للقرارات القضائية"، لما في ذلك من تكريسٍ لدور القاضي الإجتماعيّ. ودار نقاشٌ حول هذه النقطة، إذ اعتبر البعض أن ذلك مرفوض في ظل مبدأ استقلال القضاء وضرورة أن يبقى القاضي محايداً بغض النظر عن آراء هذه الجهات في أحكامه. إلا أن الغالبية أبقت على هذا المعيار الذي يقبل بواقع التأويل لجهة المواصفات المطلوبة من القاضي في سياق تقييمه. ويخشى مثلاً أن يفرض عليه هذا المعيار إظهار درجةٍ عاليةٍ من الإنسجام والمرونة مع متطلبات النظام السياسيّ أو الإجتماعيّ السائد والإمتناع عن الإجتهاد، أو اتخاذ مواقف من شأنها التسبّب بردود فعلٍ قوية.

من يقيِّم؟  
استحوذت مسألة "من يقيّم" على أكبر قدرٍ من النقاش بين القضاة في ورشة العمل الأخيرة. نذكّر هنا بأن المجلس اعتمد بدءاً من 2014 مبدأ إجراء التقييم على مرحلتين، أمام لجنة محلية ومن ثم أمام لجنة مركزية. فإشراك اللجنة المحلية يضمن حصول التقييم على أيدي أشخاصٍ مطلعين كفاية على عمل القاضي، فيما تضمن اللجنة المركزية وجود مسافةٍ بين الجهة المخولة إجراء التقييم والقاضي، ما يخفف من الإعتبارات الشخصية. ويشار إلى أنه يحق للقاضي أن يطلب مراجعة قرارات اللجنة المحلية أمام اللجنة المركزية المذكورة خلال مهلة شهرٍ من تبليغه نسخةً طبق الأصل عن استمارة التقييم الموضوعة بشأنه.

وتجدر الإشارة الى أن اللجنة المكلفة كانت قد اقترحت تفرّغ أعضاء اللجنة لهذه المهمة، إلا أن ذلك لم يلق موافقة مجلس القضاء الأعلى لسببين على الأقل: الأول، لا يمكن استحداث مراكز قضائية جديدة من دون قانون، والثاني، هنالك نقص كبير في الطاقات القضائية يمنع تفريغ أعضاء لهذه الوظيفة حصرياً.

اللجنة المحلية:
اقترحت اللجنة المكلّفة تكوين لجنة التقييم المحلّية على مستوى كلّ محافظةٍ، من 5 أعضاء هم:

  •  الرئيس الأول لمحاكم الإستئناف في المحافظة رئيساً حكمياً
  • قاضيان من بين رؤساء الغرف أو المستشارين في محكمة الإستئناف الذين استمرّوا في وظيفتهم هذه لمدة ثلاث سنوات على الأقل، على أن يكون أحدهما قد تولى خلالها قضايا جزائية والآخر قضايا مدنية،
  • قاضيان من المستشارين العاملين في محكمة التمييز منذ ثلاث سنوات على الأقل، أحدهما عمل في القضايا المدنية والآخر في القضايا الجزائية.


وقد دار نقاشٌ حول آلية تعيين أعضاء هذه اللجنة. فاقترحت اللجنة أن يتم تعيين الأعضاء بقرارٍ من مجلس القضاء الأعلى بعد إستشارة رؤساء محاكم الإستئناف، إلا أن القضاة أقرّوا بعد مناقشةٍ طويلة وبأكثرية 15 صوتاً انتخاب عضوَي محكمة الإستئناف، فيما يعيّن مجلس القضاء الأعلى عضوَي محكمة التمييز.

ويجدر هنا الثناء على تمسّك القضاة بتكريس مبدأ الانتخاب، وزيادة المساحات المكرّسة له داخل المؤسسات القضائية. ويسجّل في الوقت نفسه حذر القضاة إزاء الإنتقال إلى نظام إنتخابٍ لأعضاء اللجنة بشكلٍ كامل، معلنين عن تفضيلهم للجان المختلطة في هذه المرحلة.

اللجنة العليا:
اقترحت اللجنة أن يتمّ تأليف لجنة التقييم العليا (أي اللجنة المركزية) من 5 أعضاء، من بين رؤساء غرف محكمة التمييز ومستشاريها[1]، منتخبين من قبل قضاة محاكم الدرجة الأولى الخاضعين للتقييم. وبخلاف اللجنة المحلية، لم يثر تشكيل اللجنة المركزية أيّ نقاشٍ بين القضاة.

آلية التقييم
في هذا المجال، استند التقييم المقترح على إستمارتين: إستمارة تقييم ذاتيّ يعدّها كلّ قاضٍ، واستمارة خاصة نموذجية تعمد اللجنة المحلية إلى تعبئتها، واضعةً تصنيفات بين "ممتاز - جيد جداً – جيد – كافٍ - بحاجة إلى تحسين - غير كاف"، لمجموعة من مواضيع التقييم السابق ذكرها.

وعمد الإقتراح إلى إشراك القاضي في عملية تقييمه بشكلٍ فاعلٍ جداً. فتطلب اللجنة المحلية، عند حلول فترة التقييم الدوري، من كلّ قاضٍ تعبئة إستمارة تقييمٍ ذاتيّ يرفق بها جميع المستندات المثبتة للبيانات الواردة في الإستمارة. كما يتوجب على اللجنة المحلية الإستماع إلى القاضي المعني بشأن البيانات التي أوردها في استمارة التقييم الذاتيّ. وفيما نصّ الإقتراح الأوليّ المقدّم في ورشة عمل تشرين الأول 2016 على قيام اللجنة المحلية بتقييم القاضي وفقاً لإستمارة خاصة نموذجيّة تملأ بياناتها وفقاً لما "تحقّقته من إستمارة التقييم الذاتيّ (...) ودراستها وتدقيقها في بياناتها والمستندات" التي قدّمها القاضي، أضيف إليها – إثر نقاش طويل في ورشة العمل مع أعضاء الهيئات الاستشارية - حقّ اللجنة بالإعتماد على "معطيات موضوعية متوفرة لها من مصادر مشروعة". ما شكّل تكريساً عملياً لحقها بأن تجري استقصاءات و"تستمع إلى من تراه مناسباً من سلطات "موثوقة ومشروعة". وقد أشارت القاضية ميرنا بيضا إلى أن من شأن هذا التعديل أن ينسف روحيّة المشروع وأن يهدد الموضوعيّة التي ينبغي احترامها في عملية التقييم. ففي حين كان الإقتراح الأوليّ يضع الثقل الرئيسيّ في عملية التقييم على استمارة القاضي الذاتية والمستندات التي يوفّرها، جعلت الصيغة المعتمدة بعد النقاش الإستمارة الذاتيّة أحد المصادر التي للجنة الإعتماد عليها.

وقد كرّس المشروع حقّ القاضي بتقديم مراجعة ضد التقييم الصادر عن اللجنة المحلية أمام اللجنة العليا في مهلة شهرٍ من تبليغه.

وعند طرح إمكانية الاعتماد على إستماراتٍ يعبّئها المحامون أو المتقاضون، وهي من المعايير التي تمّ إقرارها منذ إنطلاقة المشروع مع لجنة الخبراء في أيار 2014، تمّ رفضها من قبل الهيئات الاستشارية، بحجة إمكانية تأثير ذلك على إستقلالية القاضي، والتشكيك بموضوعية التقييم. إذ من الممكن أن تصدر عن نيّةٍ كيدية. ويتعارض هذا التوجّه مع المعايير الفضلى، حيث يقتضي توفَر وجهات نظرٍ أخرى في حسن سير مرفق العدالة العام، من أصحاب اختصاص، ومحامين، ومتقاضين، وخبراء في الإحصاءات، وفي مسح نتائج البينات والإستمارات.

من هم القضاة الخاضعون للتقييم؟
بدأ المشروع بقاعدةٍ واسعةٍ من القضاة الخاضعين للتقييم. إذ كانت تضمّ قضاة محاكم الدرجة الأولى، ومحاكم الإستئناف، وأعضاء النيابات العامة، وقضاة التحقيق. وكان رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد قد اعتبر (في ورشة العمل في أيار 2015) أنه لا يجوز تقييم قضاة محكمة التمييز والرؤساء الأول لمحاكم الإستئناف، إذ لا يحتاجون إلى ذلك. وأبدى القضاة في الورشة نفسها رفضهم لأن يتمّ تقييم القضاة من قبل قضاة من الدرجة ذاتها. الإجتماعات الدورية للّجنة المكلفة إعداد مشروع التقييم ذهبت أبعد من ذلك، من خلال الإستناد على قواعد تقنية وضعتها هي بنفسها وقيدت نفسها بها رغم أنه كان بإمكانها تعديلها.

على الرغم من إرادة وضع نظامٍ موحّد لتقييم قضاة جميع الدرجات (درجة أولى وإستئناف)، هنالك صعوبة حدّدتها القاضية بيضا: "شمول لجان التقييم المحليّة لقضاة من محكمة الإستئناف سوف يؤدّي إلى قيام هؤلاء بتقييم قضاة إستئناف من درجة موازية لدرجتهم، ويشغلون مراكز مماثلة لمراكزهم، وهو أمر غير جائز". فأفضى النظام المقترح في ورشة العمل الأخيرة إلى وضع نظامٍ للتقييم حصراً لقضاة محكمة الدرجة الأولى. ويشكّل ذلك تراجعاً سلبياً في المشروع.

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة المفكرة القانونية

 


[1] وهم عضوين من بين رؤساء محكمة التمييز استمروا في وظيفتهم 6 سنوات على الأقل ويكون الأعلى درجة رئيساً، و3 من مستشاريها استمروا في وظيفتهم 3 سنوات على الأقل.