وزير داخلية تونس الجديد: ماذا يُخبِرنا عن نفسه؟


2023-03-25    |   

وزير داخلية تونس الجديد: ماذا يُخبِرنا عن نفسه؟
من الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على فيسبوك

اختارَ الرّئيس قيس سعيّد نهاية الأسبوع الفارط أن يضَعَ على رأس وزارة الداخلية شخصية جديدة مُقرّبة من محيطه السياسي المباشر ومعروفة بولائها لمشروعه. وزير الداخلية الجديد كمال الفقي لم يكُن من الوجوه السياسية المعروفة بنشاطها البارز طيلة السنوات الماضية، وإنما جَرى تداول اسمه عندما نصّبه الرئيس سعيّد واليًا على مدينة تونس أواخر ديسمبر 2021. يحمِل الوالي السابق ووزير الداخلية الجديد في سيرته ملامح الناشط السياسي والنقابي من خلال انخراطه في العمل النقابي صلب الاتحاد العام التونسي للشغل ونشاطه في إحدى المجموعات اليسارية الطلابية في الفترات التي سبقت الثورة التونسية.

طيلة الفترة التي قضّاها على رأس ولاية تونس (ديسمبر 2021- مارس 2023)، حَرِصَ كمال الفقي على إبراز تحيّزه السياسي لـ “مشروع” الرئيس. وسعى في أكثر من مناسبة إلى التهكّم من خصوم الرئيس والتقليل من دورهم وموقعهم، وحاول مرات عدّة مَنع الأحزاب السياسية المعارضة من التظاهر رغم أنه لم يكن يملك صلاحية تنفيذ قرار المنع عندما كان واليا، لأن هذه الصلاحية تعود إلى وزارة الداخلية.

سعَى وزير الداخلية الجديد عندما كان في منصبه السابق إلى الظهور بوجه “الرجل القوي” القادر على التحكّم في حركة الاحتجاج المتواترة التي يشهدها شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة. لذلك حاول مرات عدة التحكّم في خطّ سير المظاهرات السياسيّة عبر إبعادها عن الشارع الرئيسي ودفعها نحو الشوارع الخلفية (شارع باريس، شارع الحبيب ثامر، ساحة الجمهورية…) ودعَا في إحدى المناسبات إلى تخصيص شارع الحبيب بورقيبة للتظاهرات الفنية والثقافية ومنع الاحتجاج السياسي داخله. وقد برَّر هذه الدعوة بالدور الذي تلعبه المظاهرات السياسية في تعطيل السير العادي للشارع. ومن المنتظر أن يشهد شارع بورقيبة في المدة القادمة إقامة حواجز أمنية جديدة، خاصة وأنه يشهد منذ 25 جويلية 2021 ارتفاعا في نسق وضع الحواجز التي أغلقت نصف الشارع تقريبا.

من صفحة وزارة الداخلية الرسمية عبر فيسبوك

الاستناد إلى قوانين الحقبة الاستبدادية لمنع التظاهر

من داخل مكتبه السابق في ولاية تونس، أشَارَ كمال الفقي إلى الأساس القانوني الذي استنَدَ إليه لمنع تظاهرة دعتْ إليها جبهة الخلاص الوطني أوّل شهر مارس، ملوّحًا بالقانون عدد 04 لسنة 1969، الذي كان موجودا على رفوف مكتبه وأُبرٍزَت بعض فُصوله باللّون الأصفر. ويَعُود هذا القانون المتعلّق بالاجتماعات العامة والمواكب والاستعراضات والمظاهرات إلى أواخر ستينات الحقبة البورقيبية، وقد تمّ إقراره في سياق سعي السلطة السياسة آنذاك إلى إغلاق الفضاء العام ووضع قيود على حرية التعبير والتظاهر. ويُلاحظ أن هذا القانون قد أعطَى صلاحيات تقديرية واسعة للسلطات الأمنية من أجل منع التظاهر أو تفريق المتجمهرين باستخدام القوة تحت تعلة توقّع الإخلال بالنظام العام.

اقترن الحضور الإعلامي الصاخب لوالي تونس السابق بدعواته المتكررة لمنع التظاهر في شارع الحبيب بورقيبة. إذ لم تمضِ أسابيع قليلة من تعيينه على رأس ولاية تونس حتى أدلى بتصريح أشار فيه إلى أنه سيمنع التظاهر يوم 14 جانفي 2022 في الشوارع الرئيسية بالعاصمة، رغم أن الداعين لتلك المظاهرات المتزامنة مع ذكرى الثورة التونسية لم يتقدموا بتراخيص لولاية تونس. وقد شهدت تلك المظاهرات غلقا كليّا لشارع الحبيب بورقيبة واعتداءات أمنية على المتظاهرين واعتقال البعض منهم. إضافة إلى الوفاة المسترابة للمواطن رضا بوزيان إثر تعرضه للاعتداء بالعنف الشديد من قبل أعوان الأمن في أحد مراكز الاحتجاز.

بعد أشهر قليلة من حظر مَسيرات المعارضة، ظَهر كمال الفقي وسط أنصار الرئيس قيس سعيد في شارع الحبيب بورقيبة بتاريخ 08 ماي 2022. كانت المناسبة مظاهرة سياسيّة من أجل مساندة “مسار 25 جويلية” والتنديد بالمعارضة. حينها صَرّح الوالي السابق قائلا: “نحن اليوم في تونس مرّة أخرى أنصار الرئيس وأنصار النهج الجديد في إعادة بناء الدولة والمجتمع. هؤلاء كانوا في الموعد وكانوا بوسائل ديمقراطية وسلميّة ومدنية يشهد بها العالم (التظاهرات، الشعارات، الصور، الأفكار). النقاش بيني وبين مواطنيّ كان سليمًا وفيه مودة ومحبة وهذا يعني أن التونسيين مصرّون على الوحدة والتقدم وعلى إعادة بناء المجتمع والدولة وترتيب الأخلاق. أنا واجبي أن أرحبّ بهم”.

في الوقت الذي رَحَّبَ به الوالي السابق ووزير الداخلة الحالي بفئة من المواطنين ونزل للتظاهر معهم وأصدر أحكاما سياسية- أخلاقية إيجابية إزاءهم، سعى أيضا إلى اتهام معارضي الرئيس بأنهم “لا أخلاق لهم” وتوعّدَ بمنعهم من التظاهر تحت تبريرات مختلفة (الوضع الصحي العام، تخصيص شارع بورقيبة للعمل الفني، عدم طلب تراخيص…). وقبل أيام قليلة من تنصيبه على رأس وزارة الداخلية، أصدر بلاغا أشار فيه إلى أن ولاية تونس لن توافق على مسيرة جبهة الخلاص الوطني ليوم 08 مارس 2023، وذلك “لتعلق شبهة جريمة التآمر على أمن الدولة ببعض قياديي الجبهة” حسب ما ورد في نص البلاغ. وقد جاء هذا البلاغ متناسبا مع خطاب الرئيس قيس سعيد الذي اتّهَم فيه معتقلين سياسيين بـ”الإرهاب” و”التآمر على أمن الدولة” قبل الشروع في استنطاقهم وقبل إدانتهم قضائيا.

“أنا أنتمي لنهج الأستاذ قيس سعيد”

عندما سُئِل وزير الداخلية الجديد في فترة سابقة عن موقعه داخل النظام السياسي الجديد الذي يَسعى الرئيس سعيّد إلى إرسائه، قال: “أنا أنتمي إلى نهج جديد لم يتحدّد بعد. لكن معالمه الكبرى واضحة. وعلى التونسيين دون استثناء أن يقوموا بصياغته. هو نهج الأستاذ قيس سعيد”. ويُعتبر كمال الفقي من المقربين للنواة السياسية الأولى التي التفت حول الرئيس سعيد منذ سنوات، والتي يمثلها أساسا حزب “قوى تونس الحرة” الذي أعلن عن نفسه إثر ثورة 2011 ويضمّ وجوها يسارية عُرفتْ بنشاطها الطلابي والسياسي السابق على غرار سنية الشربطي ورضا شهاب المكي وأحمد شفتر…وتنظُر هذه النواة إلى نفسها بوصفها “أنتلجنسيا” المشروع الجديد الذي يبشّر به الرئيس سعيد. وقد كان الفقي من بين المنخرطين في الحملة الانتخابية للرئيس سعيّد سنة 2019.

إن الانتماء إلى “النهج الجديد” يترتب عنه -حسب دُعاته- إعادة نظر في المنظومات السياسية المعهودة. لذلك صرّح كمال الفقي قائلا: “في النهج الجديد كلّ ما يتعلق بالقديم يجب إعادة النظر فيه بما في ذلك التنظيمات السياسية (الأحزاب). ويجب إعادة النظر في التنظيم السياسي: هيكلته، مقولاته الرئيسية، خطابه السياسي، وبرامجه”. ويلُوح أن هذه النظرة السلبية تُهَيكل علاقة الفقي بالأحزاب السياسية، خاصة المعارضة، لذلك يسعى دائما إلى التقليل من وزنها داخل المجتمع ويتهمها بالتحريض لأنها لا تعترف بمشروعية الرئيس قيس سعيد. لذلك سبق وأن صرّح قائلا: “خطابهم (أحزاب المعارضة) انحدَر إلى عدم الاعتراف بالسلطة القائمة لأنهم متشبثون بدستور 2014 ولا يعترفون بدستور 2022”.

إن عدم الاعتراف بحق الأحزاب المعارضة في التظاهر أو التواجد السياسي -بهيكلتها الحالية- يُشكّل إرث الأمس القريب الذي حمَله معه والي تونس السابق كمال الفقي إلى وزارة الداخلية بعد أن عُيّن على رأسها أواخر الأسبوع الفارط. ويأتي تقلّده لإحدى أكثر الوزارات مركزية في بنية النظام السياسي التونسي منذ عقود، في ظل سياق جديد يتسم بعودة السياسات الأمنية- القمعية وعودة التضييقات السياسية على حريات الصحافة والتظاهر والتعبير. إضافة إلى أن الرئيس سعيد بات يعوّل كثيرا على الأجهزة الأمنية من أجل إحلال سياساته وتصوراته بالقوة. ويلُوح أن النزعة الإلغائية التي أبرزها وزير الداخلية الجديد في الفترة السابقة تتَماثل مع السياق الحالي، وتُشكل إحدى الخصال التي ساهمت في استقدامه إلى وزارة الداخلية، لأنه سعى طيلة الفترات السابقة إلى التسويق لنفسه كشخصية مُحبّذة للمنع والإغلاق والتحكم في حركة الاحتجاج السياسي التي تشهدها شوارع العاصمة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، تشريعات وقوانين ، مرسوم ، قرارات إدارية ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية