إيقافات ليلية في قضية التآمر على أمن الدولة: “هؤلاء الذين تم اعتقالهم إرهابيون”


2023-02-17    |   

إيقافات ليلية في قضية التآمر على أمن الدولة: “هؤلاء الذين تم اعتقالهم إرهابيون”
رسم عثمان سلمي

نفّذَت السّلطات الأمنية التونسية منذ فجر السّبت 11 فيفري 2023 حملَة اعتقالات طالَت معارضين سياسيين وأصحاب أعمال ومدير إذاعة خاصة وسفيرًا سابقًا وقاضيَيْن “معفييْن”. جَرَت حملة الاعتقالات في ظلّ تكتّم السلطات عن حقيقة التهم المنسوبة إليهم، والتزمَت كل من وزارة العدل ووزارة الداخلية الصمت إزاء تفاصيل حملة الاعتقالات وأسبابها. وطيلة الأيام الثلاثة الأولى التي تلَت الاعتقالات، لم يتمكّن محامُو الدفاع من الالتقاء ببعض المُعتقلين للاطلاع على حقيقة التهم المنسوبة إليهم. كما أشاروا إلى أن الاعتقالات شابَتها الكثير من الخروقات الإجرائية. مدير إذاعة “موزاييك أفم” نور الدين بوطار تمَّ الاستماع إليه بحضور مُحاميه ووقع الاحتفاظ به دون توجيه تهمة واضحة له، وبعض المعتقلِين الآخرين لم يتمّ الكشف عن أسمائهم وتكتفي وسائل الإعلام بالإشارة إلى أنهم أصحاب أعمال أو موظفون متقاعدون من الجيش والأمن والسلك الدبلوماسي.  

في ظلّ التعتيم الرّسمي الذي أحاطَ بحملة الاعتقالات، أشارَ مُحامو الدفاع إلى أنّ بعض المعتقلين تمّت إحالتهم بشبهة “تكوين وفاق بغاية التآمر على أمن الدولة وتدبير الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة”. وهذه القضية تمّت إحالتها على أنظار القطب القضائي لمكافحة الإرهاب. وإلى حدود مساء الثلاثاء 14 فيفري 2023، لم يتم استنطاق بعض المعتقلين المتهمين بالتآمر على أمن الدولة حسب ما أكده للمفكرة القانونية المحامي عيّاشي الهمّامي عضو لجنة الدفاع عن الناشط السياسي خيّام التركي الذي تم اعتقاله فجر السبت المنقضي من منزله بالضاحية الشمالية بالعاصمة التونسية. ولكن رئيس الجمهورية قيس سعيد صرّح خلال زيارة أدّاها إلى مقر وزارة الداخلية عقب حملة الاعتقالات، قائلا: “هؤلاء الذين تم اعتقالهم إرهابيين…ولن نترك تونس لقمة سائغة لهؤلاء المجرمين”.

استجواب المتّهمين حول جلسات خاصّة 

حسب المعلومات التي تحصّلت عليها المفكرة القانونية من محاميّ الدفاع، فإن ملف التآمر على أمن الدولة يضمّ 8 متهمين، من ضمنهم عبد الحميد الجلاصي القيادي السابق في حركة النهضة، وخيّام التركي القيادي السابق في حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، ولزهر العكرمي القيادي السابق في حزب نداء تونس، وكمال اللطيّف صاحب الأعمال والمعروف بعلاقاته في أوساط السياسة والمال، والمنصف بن عطية الدبلوماسي السابق الذي تمَّ إطلاق سراحه. أما المتّهمون الثلاثة الآخرون في الملفّ فهم كل من محمّد فاضل الجلاصي ومحمد بن ضو وأحمد المحيرصي، وهم من الشخصيات غير المعروفة في الأوساط السياسية والإعلامية ولم يتقلّدوا مناصب عليا في الأمن أو الجيش، وقد وردَت أسماؤهم في ارتباط بالمتهمين الرئيسيين المذكورين سابقا. والبعض منهم تربطه علاقات مهنية وسياسية بالناشط السياسي خيّام التركي. وحسب ما أفادنا به المحامي عياشي الهمامي، فإن الناشطين السياسيين خيام التركي وعبد الحميد الجلاصي رفضَا الإدلاء بإفادات في محاضر البحث الأولية وطلبَا الاستماع إليهما من قبل القضاء. 

بعد الاطلاع على أوراق الملف والأبحاث الأولية، أشار الهمامي إلى أنه لا تُوجد تهمة واضحة في الأبحاث الأولية وإنما جرى استجواب المتهمين حول جلسات خاصّة وردت حولها معطيات أمنية بأنها تضمنت نقاشا حول الترفيع في الأسعار والإعداد لتحريض الرأي العام. وقد أضافَ الهمّامي أنه لا وجود لشهود أو تسجيلات في الملفّ لإدانة المُتّهمين. وبخصوص إحالتهم بشبهة جريمة إرهابية قال الهمامي: “رغم أن المجلة الجزائية تتضمن جريمة التآمر على أمن الدولة، فإنه تم إحالتهم بمقتضى شبهة إرهابية للاستفادة من صورة قانون الارهاب والإيحاء بأنهم عناصر خطيرة، وأيضا للاستفادة من حرمانهم من حقّهم في حضور محامين طيلة الـ48 ساعة الأولى من الإيقاف. وحتى هذه المدة الزمنية تمَّ تجاوزها بـ24 ساعة إضافية في ملف الحال”.              

من جهته أشار سمير ديلو محامي الناشط السياسي عبد الحميد الجلاصي للمفكرة القانونية إلى أن: “ملف المؤامرة يتضمّن إشارة إلى لقاء في مقهى بين الناشطيْن خيّام التركي وعبد الجلاصي. كما تضمّنَ أيضا إشارة إلى مقابلة مع وفد تركي في مطعم بمنطقة البحيرة بالعاصمة حضرها الجلاصي”. كما تمّ استجواب الجلاصي أيضا حول تصريح إعلامي أدلى به بتاريخ 25 جويلية 2022، قال فيه: “إن ما حدث في 25 جويلية 2021 هو انقلاب وليس تدابير استثنائية”. بالإضافة إلى هذا، تضمّن ملف المؤامرة وثيقة تحتوي سبرا للآراء حول الأوضاع السياسية والاقتصادية في تونس، عُثر عليها في منزل الناشط السياسي خيام التركي. 

الخطاب الرئاسي وفرض سردية التآمر على أمن الدولة 

تساوَقَت حملة الاعتقالات مع حالة من التّعتيم نتَجَ عنها انتشار واسع للأخبار المُضلّلة في بعض وسائل الإعلام وفي منصّات التواصل الاجتماعي، من ضمنها الأخبار المُتواترة حول اعتقال إطار متقاعد في الجيش. وقد اتّضَح في وقت لاحق عدم صحّة هذا الخبر، إضافة إلى أخبار أخرى مُتعلّقة بحجز مسدس في منزل الناشط السياسي لزهر العكرمي، الذي تبيّنَ لاحقًا عدم صحّته. وقد ساهمت هذه الاستراتيجية الاتّصالية في خدمة سردية التآمر على أمن الدولة. بالإضافة إلى هذا، ساهَمَ تواتر الاعتقالات وتزامن البعض منها في تغذية صورة المؤامرة من خلال الإيهام بوجود شبكة تتحرّك بشكل منظّم ويوجد تنسيق بينها، في حين أن بعض المعتقلين تمّت إحالتهم بتُهم غير متعلقة بملف المؤامرة على غرار القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري الذي تمّ استجوابه حول تصريح يتضمّن دعوة لإسقاط الرئيس سعيد، أو مدير إذاعة “موزاييك أفم” نور الدين بوطار الذي تمَّ استجوابه حول الخط التحريري للإذاعة، ثم تمّت إحالته على أنظار القطب القضائي الاقتصادي والمالي. 

جرَت الاعتقالات بشكل استعراضي- أمني من خلال تفتيش المنازل ومحاصرتها بالسيارات الأمنية وحرمان بعض المُعتقلين من حضور محامين طيلة الأيام الثلاثة الأولى، علما أن بعض المتهمين كانوا وُضِعوا تحت المراقبة الأمنية في الفترة التي سبقت الاعتقال على غرار عبد الحميد الجلاصي، أو تعرّضوا إلى استجوابات أمنية في فترة سابقة على غرار الناشط خيّام التركي الذي أشارت جبهة الخلاص الوطني في بيان لها أنه “وقع استدعاؤه عدّة مرات من قبل فرق أمنية في الآونة الأخيرة قصد استجوابه دون وجه قانوني حول مأدبة غذاء نظّمها ببيته على شرف عدد من الوجوه السياسية المعارضة لانقلاب 25 جويلية 2021”. 

من خلال تتبّع سجلاّت بعض المُتهمين بالتآمر على أمن الدولة، يُفهم أن الاتجاه الرسمي سعَى منذ البداية إلى فرض سردية المؤامرة كأمر واقع دون اعتناء بالإجراءات أو قرائن الإدانة. لذلك تم ربط بعض الشخصيات السياسية المعارضة للرئيس بصاحب الأعمال كمال اللطيّف، الذي اقترنت صورته لدى الرأي العام بالأنشطة الخفية والتأثير غير المرئي في دوائر القرار، وقد سبق أن وُجّهت لكمال لطيف تهم بالتآمر على أمن الدولة في سنة 2013 زمن حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة. كما اتّهمه رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد بأنه يسعى إلى التأثير في التعيينات الحكومية. أيضا لم تُعرف بعض الشخصيات التي تمّ اعتقالها بنشاطها السياسي الواضح وحضورها الإعلامي الكبير، على غرار خيّام التركي الذي تردّد اسمه كثيرا في سنة 2020 عندما رشحته حركة النهضة لرئاسة الحكومة عوضا عن إلياس الفخفاخ. ورغم أن التركي كان قياديا سابقا في حزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، إلا أنه حضوره السياسي اقترن بترشيحه لتولي مناصب حكومية، خاصة من قبل حركة النهضة. وخلال الأبحاث الأولية في ملف التآمر على أمن الدولة تمّ استجواب بعض المتهمين حول الروابط التي تجمعهم بخيّام التركي.      

سعى الرئيس سعيّد أيضا إلى ربط الاعتقالات بالأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، لذلك صرح قائلا: “لقد أثبتتْ الإيقافات الأخيرة أن عددًا من المتورّطين بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي هم الذين يقفون وراء الأزمات المتّصلة بتوزيع السلع وبالترفيع في الأسعار”. كما أدى الرئيس زيارة يوم الثلاثاء إلى أحد الأسواق الشعبية وسط العاصمة، لتغذية فكرة الارتباط بين المؤامرة وغلاء المعيشة. وتشكل هذه الاستراتيجية تقليدا مستمرا في السلوك السياسي للرئيس سعيد الذي يسعى دائما إلى ربط المآزق الاجتماعية والاقتصادية بوجود مؤامرات تُحاك في الظلّ. وعادةً يجري استدعاء هذا الخطاب “التآمري” في سياق مأزقي، على غرار السياق الأخير الذي يشهد فيها النظام عُزلة سياسية بسبب تنامي المعارضات النقابية والسياسية والفشل الرسمي في إنجاح الانتخابات التشريعية الأخيرة، إضافة إلى العجز الحكومي في السيطرة على الانهيار المستمر للميزانية العامة.       

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، أجهزة أمنية ، حرية التعبير



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية