هيئة القضايا تعمل لفكّ الارتباط عن الحسابات السياسية


2023-07-13    |   

هيئة القضايا تعمل لفكّ الارتباط عن الحسابات السياسية

يشهد الفضاء القضائي في الآونة الأخيرة تطوّرًا بالغ الأهميّة بشأن دور هيئة القضايا ومدى استقلاليتها في الدفاع عن مصالح الدولة. أوّل محطّات هذا التطوّر تمثّلت في مبادرة الهيئة إلى التدخّل من تلقاء نفسها في قضية ملاحقة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورفاقه حماية لمصالح الدولة ونيابةً عنها، من دون انتظار تلقّيها أي طلب في هذا الخصوص من المرجع الوزاري المعني (وزير المالية). وقد أقدمت على ذلك في الدعوييْن المقامتيْن ضدّ سلامة ورفاقه أمام قضاء التحقيق في بيروت وأمام الجهات القضائية في فرنسا. وإذ سارع محامو سلامة إلى الطعن في صفة الهيئة في الدعوييْن على خلفيّة أنّها تحرّكت عفوًا، فإنّ المفاجأة الأكبر جاءتْ من التقاء النيابة العامّة والحكومة اللبنانية مع مطالب سلامة. وبذلك، تعكس هذه التطوّرات مواجهة سيكون لها انعكاس على حظوظ الدولة في استعادة أموالها المنهوبة في هذه القضية وغيرها من القضايا التي قد تطرأ لاحقًا.    

هيئة القضايا تعلن استقلاليتها في الدفاع عن مصالح الدولة

وثقت “المفكرة القانونية” في مقال نشرته في 16 آذار 2023 التطوّر الهامّ في أداء هيئة القضايا والحاصل في معرض قضية الادّعاء على سلامة. ففيما كانت الهيئة تنتظر عادة موافقة الوزارة المعنيّة لمباشرة الدعوى، انتهتْ في هذه القضية إلى التدخّل في القضيّة العالقة أمام قاضي التحقيق في بيروت نيابة عن الدولة من دون انتظار الضوء الأخضر من وزير الوصاية عن مصرف لبنان. وقد نما لـ “المفكرة” أنّ هذا التحوّل لم يحصل بصورة آنيّة، إنّما أتى بعد مُراسلات عدة طالبت فيها الهيئة وزارة المالية إبداء موقفها من الادّعاء على سلامة بشأن شبهات الاختلاس وتبييض الأموال، من دون أن تلقى أيّ جواب منها. وقد عمدت الهيئة في آخر مراسلاتها إلى وضع وزير المالية أمام المسؤولية، محذّرة إيّاه من أنّها ستعدّ استمراره في لزوم الصمت بمثابة موافقة ضمنية على ضرورة اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية مصالح الدولة. وبذلك، تكون الهيئة اختارت الانتقال من موقع الانتظار إلى موقع الفعل، معلنةً استعدادها لاتخاذ القرارات اللازمة للدفاع عن مصالح الدولة في حال تخلّي الحكومة عن القيام بذلك. 

وبخلاف ما أثارته وسائل إعلامية عدّة لجهة توصيف توجّه الهيئة بأنّه خروج عن صلاحيّاتها، يجد هذا التوجّه دعامات هامّة في صلاحياتها المحدّدة في القانون الذي أنشأها (قانون تنظيم وزارة العدل). إذ بمراجعة الصلاحيات المناطة بها في هذا القانون، نلحظ أنّها تشمل إقامة الدعاوى باسم الدولة والدفاع عنها في الدعاوى المُقامة عليها وإعداد الاستحضارات واللوائح والمذكّرات وتوقيعها (…) والمثول أمام جميع المحاكم العدليّة والإداريّة والأهمّ القيام بجميع الأعمال التي يتطلّبها الدّفاع عن مصالح الدولة أمام المحاكم سواء كانت مدّعية أو مدّعى عليها. ويُلحظ تاليًا أمران بالغا الأهميّة: (1) أنّ القانون حدّد صلاحيّات ومسؤوليّات هيئة القضايا من دون أن يلزمَها بحالٍ من الأحوال أن تعلّق إجراءاتها على الحصول على موافقة مسبقة من الإدارات المعنية، و(2) أنّ القانون فرض عليها القيام بما يتطلّبه الدفاع عن مصالح الدولة. وعليه، وفيما يفترض بالهيئة التنسيق مع الإدارات العامّة من أجل تكوين ملفّاتها وتحديد خياراتها وتمكين هذه الإدارات العامّة من الإدلاء بجميع المعلومات والحجج لديها، فإنّها تبقى مسؤولة عن اتّخاذ الموقف المناسب لحماية مصالح الدولة، تحت طائلة تحميلها مسؤوليّة الإهمال الوظيفيّ. وهذا الأمر يصحّ من باب أوْلى في حال تقاعست إدارة (مثل وزارة الماليّة) عن إجابة طلباتِها أو التنسيق معها، أو أيضًا في حال طلبتْ هذه الإدارة من الهيئة اتّخاذ مواقف مُخالفة للقانون. أيّ قول مخالف لذلك يؤدّي إلى نتائج عبثيّة قوامها تغليب مصالح خاصّة أو فئوية على مصالح الدولة وتحوّل الهيئة من مؤسّسة ضامنة لمصالح الدولة إلى امتداد آخر للسلطة  السياسيّة الحاكمة. 

وما يؤكّد أكثر فأكثر إرادة المشرّع في منح الهيئة استقلاليّة ذاتيّة لتقدير المصلحة العامّة هو تحديدًا ما ورد في المادة 20 من قانون تنظيم وزارة العدل لجهة أنّه “لا يجوز للإدارات العامّة التابعة للدولة إجراء المصالحات في الدعاوى العالقة أمام المحاكم والتي يكون للدولة علاقة بها إلّا بعد موافقة رئيس هيئة القضايا ومدير عام وزارة العدل. وتعتبر باطلة كلّ مصالحة تعقد خلافًا لهذا النص”. ويستشفّ من ذلك بوضوح أنّ المشرّع أناط بالهيئة مهمّة الرقيب والضامن على أداء الإدارات العامّة، الأمر الذي يتنافى تمامًا مع التسليم بتبعيّتها لهذه الإدارات. الأمر نفسه نستقرئه من المادة 21 التي تمنح رئيس هذه الهيئة صلاحية التواصل مع الإدارات المختصّة مباشرة في كلّ ما يتعلّق بأعمال هيئته وأن يطلب منها كلّ ما من شأنه تمكينها من أداء عملها. ويفهم من هذا النص بوضوح أنّ الهيئة تستعين بالإدارات لتكوين ملفاتها وقناعاتها تمهيدًا لاتخاذ الخطوات التي تراها مناسبة لحماية مصالح الدولة من دون أي حاجة لانتظار تعليمات أو توجيهات مسبقة من هذه الإدارات.

بقيَ أن نذكر أنّ إقرار استقلاليّة هيئة القضايا في هذه المرحلة بالذات يرشح عن أهميّة فائقة على صعيد ملاحقة جرائم الإثراء غير المشروع أو المطالبة باسترداد الأموال المنهوبة، وهو أمر ضروري لإعادة بعض التوازن المالي في ظلّ ضخامة الخسائر المالية المسجّلة والانهيار الناجم عنها. ويؤمل تاليًا أن ينتهي القضاء اللبناني كما الفرنسي إلى تأكيد استقلاليّة الهيئة بما يتيح مجال التدخّل في مزيد من هذه القضايا.  

النيابة العامة ترفض مع سلامة استقلالية الهيئة  

ما أن أعلنت الهيئة عن توجّهها الجديد، حتى صدرت أخبار إعلامية تنكر على الهيئة إمكانية قيامها بادّعاء من دون ورود تعليمات صريحة إليها من الوزارة المعنية أو أيضًا مواقف مندّدة بنهج الهيئة صدرت عن عدد من القضاة المحسوبين على جهات سياسية في غرف بقيت مغلقة. وكما توقعت “المفكرة القانونية”، سرعان ما اصطدم نهجها الجديد بممانعة عكست بشكل أو بآخر مساعي مضادة من القوى السياسية بهدف إبقاء سطوتها الكاملة على القضاء والإدارة العامة في ما جاز تسميته “الشمولية السياسية”. 

أوّل الإجراءات القانونية المعبّرة عن هذا الاتجاه صدرتْ عن ممثّل النيابة العامّة رجا حاموش الذي أيّد في إطار الدعوى المقامة أمام قاضي التحقيق في بيروت مطلب حاكم مصرف لبنان بإعلان انتقاء صفة الهيئة في تمثيل الدولة في غياب توجيهات واضحة من الإدارة المختصّة. وما يثير الاستغراب والريبة هو أنّ النيابة العامّة كانت قد ادّعت بشخص حاموش نفسه ضد سلامة ورفاقه بجرائم تبييض الأموال والإثراء غير المشروع بعدما تحقّقت طوال سنتين من شبهات ارتكابها. بمعنى أنّ النيابة العامّة اعتبرت أنّ من واجبها التحرّك ضدّ سلامة حمايةً للحق العام من دون أن تجد حرجًا في إنكار حقّ التحرّك لهيئة القضايا دفاعًا عن حقوق الدولة وتحديدًا بهدف استرداد ما قد يكون قد استولى عليه بصورة غير شرعية. ولا يمكن تفسير هذا الموقف إلّا على أنّه يعكس أمرًا من اثنين أو ربما كليهما: (1) إرادة النيابة العامّة في التحكّم في مسار هذه الدعوى وفق ما تراه ملائمًا، بمعنى أنّه يكون لها وحدها دون سواها (الدولة) بعد استبعاد هيئة القضايا صفة تقديم الطلبات إلى قضاء التحقيق على اختلافها أو استئناف ما قد يصدره من قرارات، وتاليًا صفة الإقبال أو الإدبار في هذه الدعوى، (2) إرادة النيابة العامّة في حماية مصالح القوى السياسية الحاكمة في التحكّم بهيئة القضايا والدولة، بحيث يبقى عملها والدعاوى التي تقيمها تحت سقف إرادة هذه القوى من دون إمكانية تجاوزها. وما يظهّر خطورة هذا الموقف هو المسار الذي شهده التحقيق الأوّلي في هذه القضية من قبل النيابة العامّة حيث تعطّل الادّعاء لأكثر من 6 أشهر بعد إنجاز التحقيقات من قبل المحامي العام القاضي جان طنّوس. وقد انتهى قاضي التحقيق شربل أبو سمرا إلى ردّ طلبات النيابة وسلامة بانتقاء صفة الهيئة بعدما أودعت لديه هذه الأخيرة كتابًا وردها من وزير المالية بعد طول انتظار (18 نيسان) أفاد فيه أنّ “لا علاقة لوزارة المالية بإبداء الرأي بشأن اتخاذ الدولة اللبنانية صفة الادّعاء الشخصي في التحقيق الذي تجريه القاضية Aude Bursei (الفرنسية) ويتوجّب على الهيئة القيام بما تراه مناسبًا في هذا الخصوص”. 

وإذ طعن سلامة بتمثيل الدولة اللبنانية من قبل محامييْن فرنسييْن متطوعيْن في الدعوى المقامة في فرنسا على خلفية عدم صدور مرسوم بتعيينِهما، لاقته هذه المرة الحكومة اللبنانية التي ذهبت إلى حدّ الإعراب عن وجود علامات استفهام تحوم حول عضوية أحد المحامين المعنيين وهو إيمانويل داوود. وفي حين أعابتْ الحكومة عليه عضويّته في الهيئة القانونية لمنظمة “ليكرا” التي “يُشتبه بأنّها تناصر الأفكار الصهيونية” (وفق ما ورد في القرار الحكومي)، تداولت وسائل الإعلام بالإضافة إلى ذلك أنّ “علامات الاستفهام” شملت كونه يهوديًا. وهو أمر ذهب وزير العدل إلى نفيه مؤكّدًا أنه كاثوليكي، مذكّرًا أنّه رفع عددًا من الدعاوى ضدّ الحكومة الصهيونية، ليؤكّد أنّه لا يوجد أيّ سبب وجيه للتراجع عن تعيينه. وعليه، يُنتظر أن تصدر القاضية الفرنسية قرارها الظنّي قبل صدور المرسوم بتعيين محامييْن آخرين، وهو أمر ضروري لاستعادة الأموال المحجوزة، ومن شأن ذلك أن يعكس تخليًا جديدًا من السلطة الحاكمة عن واجبها في حماية مصالح الدولة وفي الآن نفسه أهمية نجاح الهيئة في فرض استقلاليتها عنها. فلنتابع.   

نشر هذا المقال في العدد 69 من مجلة المفكرة القانونية-لبنان

لقراءة العدد كاملا اضغط هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية