“هذا البحر لي”: من سرق بحر بيروت؟


2012-09-17    |   

“هذا البحر لي”: من سرق بحر بيروت؟

 "هذا البحر لي" عبارة ترمي الى تأكيد الطابع الحقوقي للقضية بامتياز. فكلمة "لي" تعني أن لي حقوق على هذا البحر (الشاطئ) ليس بامكان أحد انتزاعها مني وأن أي اعتداء عليه هو بمثابة اعتداء علي. ومن هذا المنظار، تكتسب عبارة "هذا البحر لي" طابع المواجهة بحيث تصبح مرادفا ل"حلّ عن البحر" فهو ليس حكرا لك. ولكن، لماذا تم استخدام "لي" وليس "لنا"؟ فبقدر ما يهم تأكيد حق المواطن بالتمتع بالأملاك العامة من دون تمييز (وهذه القضية الأولى)، بقدر ما يهم المحافظة على هذه الأملاك كمساحات مشتركة للتلاقي والتواصل الحرين بين المواطنين كافة، بمعزل عن مشاربهم وانتماءاتهم (وهذه القضية الثانية). فهل يتأتى ذلك عن ارادة في تحسيس المواطنين لهذه القضية من خلال اظهارها على أنها قضية شخصية تستدعي أن يبذلوا جهدا في الدفاع عنها بمعزل عن مشاعر المواطنة لديهم، أم أنه يتأتى عن الرغبة في صون الحقوق الفردية الملازمة بطبيعتها للانسان أو للمواطن مهما كان موقف الجماعة التي ربما تستهين التعدي على الحقوق الفردية باسم العصبية أو غيره من أدوات الاحتكار والاستقطاب والاستغلال؟ بقي أن نشير الى قضية ثالثة وردت بخجل تحت هذا الشعار ولا تقل عن القضيتين السابقتين أهمية ونبلا: هي قضية البحر نفسه، قضية المحافظة عليه وعلى نظافته ومعها قضية المحافظة على البيئة برمتها. فهل من يكشف حجم تلوث الشاطئ؟ (المحرر)

لم تكن هذه رحلة سياحية على أحد اليخوت، بل كانت رحلة إستكشافية لبيروت إنقلبت رأساً على عقب، ترى المدينة فيها من زاوية مختلفة لم تعتد رؤيتها من قبل، بيروت من عرض البحر. تنقلب المقاييس، بالكاد ترى الجبال بسبب علو الأبنية المصطفة على واجهة البحر، شيء مختلف عما تروّج له وزارة السياحة اللبنانية، فهنا ستتأكد أن البحر والجبل لا صلة وصل بينهما. ميناء عين المبريسة، أبناء بيروت يعرفونه وقلة منهم تزوره بين الحين والآخر، أما أبناء باقي الوطن فبالكاد يعرفون أن هناك ميناء منسي خلف بعض المقاهي التي إجتاحت شاطىء عين المريسة. من هذا الميناء تبدأ رحلة "هذا البحر لي" التي أطلقتها مجموعة "الدكتافون" كمحاولة منها لإعادة الذاكرة لبيروت، بمينائها وشاطئها البحري قبل الإعتداء عليه وتحويله إلى منتجعات سياحية ممتدة على طول الشاطىء البيروتي من عين المريسة إلى الرملة البيضاء.
"هذا البحر لي" هو خلاصة بحث قامت به عبير سقسوق "من مجموعة دكتافون" لمنطقة الدالية، وأستكمل ليضم كل الواجهة البحرية للعاصمة بيروت والتي قُسمت إلى منطقين تبعاً لقرار المجلس البلدي عدد 70 والمؤرخ في 31 آب 1954[1]: المنطقة التاسعة [2]والمنطقة العاشرة[3]الممتدة من كورنيش عين المريسة إلى كورنيش الرملة البيضاء. من هنا، سُجل العديد من المخالفات بحق كل من: مسبح عجرم، مسبح الريفييرا، الحمام العسكري، السبورتينغ وفندق ومسبح الموفينبيك. بمركب متواضع يملكه الصياد عدنان العود تبدأ الرحلة، فيروي الأخير حكاية الشاطىء، وتستكشف المجموعة المؤلفة من خمسة أشخاص ملكيتهم العامة البحرية، يستكمله شرح تفصيلي لتانيا الخوري "من مجموعة الدكتافون" للمستجدات التي طرأت على الواجهة البحرية من خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم، كيف خُصصت  ومن قبل من وما هي أبرز الإنتهاكات التي سُجلت في هذا اللإطار.
مسبح عجرم
"مسبح النسوان" الشهير سابقاً كما يروي عدنان العود، كانت ترتاده النسوة "البيروتيات" المحافظات لتعلّم السباحة، قبل أن يتحول في أوائل التسعينات إلى مسبح خاص بالنساء يشترط رسم دخول، ومستفيد من تعديل القانون رقم 4810 الذي يسمح بإستغلال الملك العام للأملاك الملاصقة للبحر رغم وجوده ضمن المنطقة التاسعة. حتى أصبح المسبح يسجل المخالفات التالية:

-مخالفة بناء: إنشاء سطح فوق مطعم الصياد دون ترخيص قانوني.

-مخالفة بناء: إضافة بناء من دون ترخيص.

مسبح الريفييرا
يقع ضمن المنطقة التاسعة، مبني على أملاك بحرية عامة، رسم الدخول إليه أربعين ألف ليرة لبنانية. يستفيد اليوم من التعديل على القانون رقم 4810 والذي ينطبق على الأملاك الملاصقة للبحر ويسمح بإستغلال الملك العام.
الحمام العسكري
يقع ضمن المنطقة العاشرة بحسب التصميم التوجيهي للعام 1954، أي أنه لا يستفيد من التعديل على القانون رقم 4810. ولكن، هذه النقطة التي تحولت من نقطة تمركز للجيش الفرنسي ومن بعدها للجيش اللبناني، أصبحت أخيراً ملكاً للمؤسسة العسكرية اللبنانية. وبذلك، يعتبر الحمام العسكري التعدي الأكثر جسامة على الأملاك العامة البحرية إذ أنه:

-مبني فوق البحر وليس على مقربة من الشاطىء.

-تفوق نسبة الإستثمار السطحي فيه أكثر من 15%.

-مغلق أمام العامة، ومشروط أمام قلة من المدنيين "من ذووي المستويات العلمية والإجتماعية اللائقة، واللذين يتمتعون بسمعة طيبة وأخلاق حميدة[4]".

 
مسبح السبورتينغ
يقع ضمن المنطقة العاشرة II، أي أنه واقع ضمن منطقة لا يسمح فيها البناء من أي نوع كان بموجب المرسوم رقم 41914. يستفيد مسبح سبورتينيغ اليوم من التعديل على القانون رقم 4810، بحيث إستطاع صاحبه الحصول على إمتيازات متعددة في عهد حكومة رفيق الحريري[5]. أما الإعتداءات التي يسجلها فهي:

-تعدي حمام سبورتينيغ كلوب المعروف سابقاً بحمام القمر على العقار وفقاً للمحضر الفني سنة 1964.

-في سنة 1964، قدم مالكي العقار دعوى بحق شاغل العقار لإزالة الإعتداءات والتجاوزات.

-سنة 1995 تعهد شاغل عقار سبورتينيغ أمام بلدية بيروت بهدم المخالفات التي أقامها خلافاً لإرادة مالك العقار.

الدالية
هنا تختلف القصة تماماً عن سابقاتها. الدالية، واجهة منطقة الروشة والتي تقع ضمن المنطقة العاشرة، هي مهملة بالكامل. يشتكي أصحاب المقاهي الشعبية في تلك المنطقة من عدم وجود طريق تؤدي إليهم من وإلى الكورنيش غير الطريق الرملية الوعرة. تقول إحدى النسوة التي تسكن في المنطقة أن أحد الوزراء وعدهم بإنشاء طريق، إلا أن خلافاً بين "الحريري" و"بنك الجمّال" كان عثرة في طريق المشروع إلى التخطيط المدني[6]. تختلف أسماء الشركات المالكة في منطقة الدالية، شركة البحر العقارية، شركة صخرة البحر العقارية وشركة صخرة اليمامة العقارية. تبحث في أسماء أصحاب الشركات لتصل أخيراً إلى إسم مالك واحد، "رفيق الحريري".
فندق ومسبح الموفينبيك
يقع ضمن المنطقة العاشرة، وتقول الرواية أن صاحب العقار تمكن من شرائه بعد الحصول على إمتيازات من رئيس مجلس الوزراء عام 1986، وإستطاع الحصول على رخصة قانونية للبناء من أحد رجال الميليشيات. وبعد إنتهاء الحرب، أصبح الأخير ذات سلطة سياسية ومادية تخوله الحصول على مرسوم إستثنائي يشرع له ما ليس مسموحاً ضمن تخطيط المنطقة العاشرة. من أبرز المخالفات المسجلة بحق الموفينبيك:

-أنه يقع ضمن منطقة تسمح للمؤسسات الرياضية والبحرية واللهو ببناء طابق واحد يعلو أربعة أمتار فقط!

 
الرملة البيضاء
هنا تنتهي الرحلة على متن قارب عدنان العود، بيروت تتنفس الصعداء من خلال شاطىء الرملة البيضاء وحده فقط. فهذا الشاطىء هو الوحيد المفتوح أمام العامة، لا منتجعات سياحية ولا مقاه تجتاح الشاطىء. ولكن، تبقى العقارات المواجهة لشاطىء الرملة البيضاء الأعلى سعراً، لتتحول الرملة البيضاء أيضاً إلى منطقة سكنية محصورة بطبقة إجتماعية واحدة، وإن كان الشاطىء عاماً لكل الناس.
مجموعة "الكتافون"
هنّ عبير سقسوق، تانيا الخوري وبترا سرحال، اللواتي شعرن بأهمية المساحات العامة في بيروت، ورأين في التدخل من خلال العروضات الحية المرتكزة على الأبحاث العامل الأكثر جاذبية لعامة الناس كي يتعرفوا أكثر على أهمية المساحات العامة. بدأت مسيرة "الدكتافون" من منطقة جونية، وتحديداً من "التليفريك"، ثم إلى "مقبرة الباصات" في منطقة مارمخايل. تقول تانيا الخوري: "الهدف من عمل مجموعتنا هو تسليط الضوء على عدم وجود نقل عام وأماكن عامة، وما هي أبعاد هذا الموضوع، هل هو قرار يهدف إلى عدم تلاقي الناس؟ وما هي السياسات التي تمنع وجود النقل العام والمساحات العامة؟ كل ذلك وصولاً إلى شاطىء بيروت الذي كان مفتوحاً أمام العامة قبل الحرب الأهلية، والذي تحول بعدها إلى مكان يملكه شخص واحد يمنع دخول العامة إليه مجاناً، أو مكان مهمل من قبل الدولة تماماً مثل حرش بيروت والحديقة العامة في منطقة الرملة البيضاء والتي لم يسمع بها أحد أصلاً، وشاطىء الدالية المهمل بشكل رهيب وكان قد إشتراه الحريري من خلال شركات ويمكن أن يمنع الناس بقرار سياسي من الدخول إليه. إن الدولة تقف دائماً مع أصحاب رؤوس الأموال، الذين يشكلون بأكثرهم الطبقة السياسية التي تحكم البلد".
وتؤكد تانيا أيضاً أن المجموعة لم تتقدم بإرسال أي دراسة أو بحث أو حتى عريضة إلى الجهات المعنية قبل تأدية عروضها، بحيث تعتبر أن العروض وحدها هي التعليق الأهم الذي يرفض ممارسات الطبقة السياسية ولا تريد المجموعة إستكماله بنشاط سياسي كلاسيكي. كما قامت المجموعة بإصدار كتيب يحمل العنوان "هذا البحر لي" أيضاً، ليلخص بالمعلومات والرسوم البيانية والخرائط مجموع الإعتادءات التي سجلت بحق المنتجعات الممتدة على طول الشاطىء البيروتي، بالإضافة إلى مجموعة من القصص الحية من متطقة الدالية على وجه التحديد. ولا تستبعد تانيا ربط أعمال "الدكتافون" بأعمال أخرى خارج لبنان كشاطىء البحرين الذي يتم الإعتداء عليه بنفس الطريقة.



[1]قرار المجلس البلدي عدد 70 المؤرخ في 31 آب 1954: تقسييم المدينة إلى مناطق وتحديد إرتفاعات وأنظمة كل منها. أقر المجلس البلدي النظام الخاص بقسييم المدينة إلى مناطق وتحديد إرتفاعات وأنظمة كل منها "المنطقة التاسعة والمنطقة العاشرة".
[2] المنطقة التاسعة: يحظر في هذه المنطقة كل بناء من أي نوع كان .
[3]المنطقة العاشرة: نظمت بالمرسوم رقم 4711 تاريخ 24-6-1966
القسم الثاني:يخصص للمؤسسات الرياضية والبحرية واللهو والسباحة والمطاعم. نسبة الإستثمار السطحي 15% عامل الإستثمار العام 0,20. العلو الأقصى للبناء 9 أمتار من أدنى نقطة من الأرض الطبيعية بمحاذاة واجهة البناء على أن يبقى سطح البناء أدنى من مستوى الكورنيش بمترين بمواجهة البناء مع وجوب تنظيم سطوح الأبنية المحاذية للكورنيش بشكل حدائق.
القسم الثالث: يحظر فيه إقامة أي مبنى من أي شكل كان كما يحظر تغيير أو تعديل الوجه الطبيعي للأرض ويمكن بصورة إستثنائية ضمن مهلة ثلاث سنوات من تاريخ العمل بهذا النظام إزالة المقاهي القائمة حالياً في هذا القسم وإعادة بنائها كمقاهي شرط أن تأتي هذه الإنشاءات بسطح (سقف) منخفض عن مستوى الطريق وضمن خط غلافي يؤمن المحافظة على المنظر الطبيعي الخالي. وأن يرضى المالك بأن يضع سطح البناء تحت تصرف بلدية بيروت كمنتزه عام، وأن يتخذ المالك الإجراءات اللازمة لتأمين هذه الغاية.
القسم الرابع: يخصص للمؤسسات الرياضية والبحرية واللهو والسباحة والمطاعم. نسبة الإستثمار السطحي 15% عامل الإستثمار العام 0,20. العلو الأقصى للبناء 9 أمتار من أدنى نقطة من الأرض الطبيعية بمحاذاة واجهة البناء على أن يبقى سطح البناء أدنى من مستوى الكورنيش يمترين بمواجهة البناء مع وجوب تنظيم سطوح الأبنية المحاذية للكورنيش بشكل حدائق.
القسم الخامس: يحظر فيه إقامة أي بناء من أي شكل كان كما يحظر تغيير أو تعديل الوجه الطبيعي للأرض.
[4] من الشروط التي يخضع لها المشتركين من المدنيين بحسب مديرية الجيش.
[5] كانت تمنح وزارة النقل موافقات متخطية بلدية بيروت والمديرية العامة للتنظيم المدني.
[6]كتيب هذا البحر لي الصادر عن مجموعة الدكتافون، الصفحة 19، قصة "مهى: إمرأة أربعينية تسكن الدالية".

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية