نهاية حلم اصلاح القضاء التونسي، فهل يعد القضاة العدة لانتزاع استقلالهم؟


2012-08-20    |   

نهاية حلم اصلاح القضاء التونسي، فهل يعد القضاة العدة لانتزاع استقلالهم؟

تقدمت كتلة نواب الحرية والكرامة بالمجلس الوطني التأسيسي التونسي بمشروع قانون أساسي يقترح إنشاء لجنة تتكون من القضاة يكون دورها الإشراف على إعداد حركة تعيين ونقل وترقية القضاة. وينتظر ان يتم التداول في مشروع القانون مباشرة بعد انتهاء العطلة النيابية أي بعد 03 سبتمبر 2012 . وأتى المقترح التشريعي على خلفية فشل المجلس الوطني التأسيسي في التوصل لوفاق بين الكتل النيابية يسمح بتوفير الأغلبية القانونية اللازمة للمصادقة على قانون بعث الهيأة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي. سينظر النواب في الحل البديل للهيأة، الأمر الذي سيشكل تراجعا منهم عن التزامهم الذي ضمنوه بالفصل 21 من القانون المنظم للسلط العمومية والذي يقتضي ايجاد مؤسسة هيأةالإشراف على القضاء العدلي.
فشلت السلطة السياسية في تحقيق ما التزمت به من إصلاحأمر القضاء العدلي بإصلاح مجلس قضائه بعد أن حكمت التجاذبات السياسية مواقف النواب وأدتالى عجزهم عن التوافق على حدود دنيا تضمن الاستقلالية الوظيفية والهيكلية لمجلس القضاء. كما منع ضغط العمل التشريعي والتأسيسي ومجهود إدارةالشأن العام الحكومة والمجلس التأسيسي من تقديم مشاريع القوانين التي تعهدوا بإعدادها والتي قيل أنها  ستصلح مجالس القضاء الإداري والمالي وغابت الإرادة السياسية التي تبرز تمسكا بتحقيق الاستحقاق المذكور.
تحولت الوعود التي تضمنها قانون تنظيم السلط في خصوص القضاء الى عنوان للاخفاق واستحقاقات مؤجلة لما بعد صياغة الدستور وأقر السياسيون بعجزهم عن إدخالإصلاحاتجذرية على القضاء خلال المرحلة الانتقالية.وبعد طول حديث عن هيأة الاشراف على القضاء العدلي، بات المطلوب تجاوز حالة الفراغ وبعث هيكل معين يعد حركة التنقلات القضائية. تم فعليا في غياب التصريح الرسمي صرف النظر عن فكرة بعث هيأة الاشراف على القضاء العدلي. ولأن المجلس الاعلى للقضاء العدلي تم فعليا حله بعد أن انتهت المدة النيابية لأعضائه فقد أضحى القضاء يعاني فراغا. ولم يعد المطلوب اصلاح مجلس القضاء وتطويره وانما أضحت الأولوية البحث عن حل ينهي حالة الفراغ. حاول نواب كتلة الحرية والكرامة انهاء حالة الفراغ القائم والنأي عن المسائل المبدئية التي تطرح السؤال حول استقلالية القضاء وذلك باقتراح سن نص قانوني يبعث لجنة يرأسها الرئيس الاول لمحكمة التعقيب ويتكون أعضاؤها من وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب ومدير المصالح العدلية ورئيس المحكمة العقارية بموجب مهامهم ويضاف اليهم اربعة قضاة من الرتبة الاولى وثلاثة قضاة من الرتبة الثانية يعينهم رئيس محكمة التعقيب بعد أن يتشاور مع الهياكل المهنية للقضاة. ويقتصر دور اللجنة على اعداد الحركة القضائية واصدارها.
يكشف الارباك في التعاطي مع ملف اصلاح القضاء عن خشية الطبقة الحاكمة منه.اذ لم يخف نواب المجلس الوطني التأسيسي عند مناقشتهم لمشروع بعث هيأة الاشراف على القضاء العدلي خشيتهم من أن يكون استقلال القضاء سببا في اضعاف سلطة الحكومة.وقد تحدث عدد منهم صراحة عن الاستقلالية كمدخل لتأسيس حكومة القضاة.
أدى تعاطي السياسيين مع استحقاقات القضاء الى تعطيل عملية إصلاحه. وبدا الشأن القضائي موضوعا سياسيا بامتياز يستغل في اطار الدعاية الانتخابية ويوظف في الصراعات مع الاحجام عن أي مبادرة  لاصلاحه خوفا من الغرق في مستنقعه ورغبة في مواصلة الاستفادة من ضعف مؤسساته. كشف اصرار السلطة السياسية على مواصلة  احتكار صلاحية التعيين في المناصب القضائية العليا، رغما عن الأزمة التي عرفتها المحكمة الادارية جراء تعيين الحكومة المؤقتة لرئيستها، عن حقيقة تصورها لاصلاح القضاء. فالسياسي يظن أنه بما يمارسه من سلطة على القضاء من خلال اختياره للقضاة الذين يكلفهم بالخطط السامية وما يقابل ذلك من قدرته على اعفاء القضاة ونقلتهم من مراكز عملهم  يمكنه أن يتوصل للاصلاح الذي يرغب في تحقيقه للقضاء.
تخشى السلطة السياسية أن يؤول رفع يدها عن القضاء ومنعها من ممارسة سلطة الوصاية عليه من خلال ما لها من صلاحيات في التعيين والتأديب الى اضعاف هيمنتها على الوضع العام. وهي من هذا المنظور تصر على أن استقلالية القضاء تتحقق بمجرد التزامها بعدم التدخل في القضايا الجارية. وتضيف أنها تلتزم بتحسين الوضعية المادية للقضاة ورد الاعتبار للقضاة الذين ظلموا خلال الحقبة الاستبدادية.
وفي مقابل التصور الذي يقوم على ضمان الاستقلال الوظيفي من خلال التعهدات الأدبية لحكومة الثورة كان رأي القضاة كما عبرت عنه هياكلهم المهنية يؤكد على أن استقلالية القضاء لا يمكن أن تتحقق في غياب شروطها الموضوعية والتي تتمثل أساسا في الاستقلالية الهيكلية للسلطة القضائية عن باقي سلط الدولة بما يضمن الرقابة المتبادلة بينها وقيام كل منها بالحد من تعسف السلطة الاخرى.
دفع حلم الاستقلالية الهيكلية والوظيفية جمعية القضاة التونسيين ونقابة القضاة التونسيين الى صياغة تصورات للهيأة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي استلهمت من المبادئ الدولية لاستقلال السلطة القضائية.كما دفع طموح الاستقلالية اتحاد القضاة الاداريين الى مقاطعة أعمال المجلس الأعلى للمحكمة الادارية والى رفع مشروع قانون لرئاسة الحكومة يحثها فيه على اصلاح القوانين المنظمة لعمل هذه المحكمة.
توهم القضاة بعد أنأغرتهم وعود السياسينبأن تحمل لهم الأعمال التشريعية للمجلس الوطني التأسيسي بشائر الإصلاح الموعود لقطاعهم. ولكن كشفت لهم تجربتهم أن المرحلة الحالية لن تمكنهم إلا من لجنة قضائية محدودة الصلاحيات تسد الفراغ الذي نجم عن حل المجلس الأعلى للقضاء العدلي.تبين للقضاة بعد طول حلم أن السياسي لا يتنازل عن سلطاته التي تمكنه من التحكم في مساراتهم المهنية واستقلالية سلطته لفائدتهم دون مقاومة.
اجتمع القضاة التونسيون بعد أن مزقتهم فرقة الهياكل وتناحرها ليشتركوا في حصاد خيبة مسعاهم. اكتشف القضاة أن الطبقة السياسية لم تميز بينهم وعاملتهم بذات المنطق فأجلت حركتهم دون مراعاة لمصالحهم وحرمتهم من إصلاح شأنهم بما يعيد الثقة بينهم والمتقاضين وينهي حالة ضعف مؤسستهم.
تبين بعد تجربة القضاة مع السلطة السياسية لحكومات ما بعد الثورة التونسية أن نقص التجربة السياسية للقضاة في تعاملاتهم مع استحقاقات مؤسستهم أدى الى إضعاف أنصار استقلالية القضاء.فقد منعت حدة الخلافات بين جمعية القضاة التونسيين ونقابتهم القضاة من الاستفادة من الزخم الثوري الذي أعقب الثورة.إذ رفض القيمون على هذين الهيكلين الجلوس إلى طاولة واحدة وخون كل شق منهم الآخر. وكانت خلافاتهم الصاخبة وغياب التنسيق بينهم في تعاطيهم مع الحكومة والسلطة التأسيسية العذر الذي يستعمله الساسة لتبرير عجزهم عن إيجاد تصورات إصلاح القضاء. أفقدت الفرقة القضاة الثقل السياسي الذي كانوا يتمتعون به وجعلت منهم رغم ما بذلوه من جهد وما كشفوا عنه من رغبة جادة في اصلاح القضاء وتطويره عقبة منعت القضاء من الاستفادة من ضعف السلطة السياسية خلال الحكومة الانتقالية الأولى لتحقيق مكاسب تضمن استقلالية القضاء كما أعاقتأنصار استقلالية القضاء من السياسيينفي جهودهم لإصلاح القضاء خلال المرحلة الحالية.
فشل المجلس الوطني التأسيسي في الإيفاء بتعهداته بإعطاءالأولوية في عمله التشريعي لإصلاح القضاء. ويعود الفشل فيما يبدو الى عجز النخبة عن إيجاد تصورات تصلح شأن القضاء بعيدا عن حديث الشعارات الرنانة من جهة، وعجز القضاة عن التحول الى مجموعة ضغط تفرض على السياسيين تحقيق وعودهم من جهة أخرى لفرقتهم.
كانت تعددية هياكل القضاة ظاهرة صحية بينت عراقة تجربة القضاة التونسيين في العمل النقابي إلا أن رفض القضاة لتعدديتهم وطغيان الرأي الواحد في صفوفهم وضعف حسهم الديمقراطي سهل على من يرغبون في استثمار ضعفه ويرفضون إصلاح القضاء التملص من هذا الاستحقاق.
جرب القضاة الفرقة وما رافقها من تشتيت لمجهوداتهم فكان أن فشلت مساعيهم وتعمق ضعفهم خلال المرحلة الانتقالية. ووجب الإقرار تاليا بأن الفشل يستدعي منهممراجعة أسلوب تحركهم ليتمكنوا من فرض إصلاح يستجيب لطموحاتهم في دستور الجمهورية.
أتم نواب المجلس الوطني التأسيسي مسودة باب السلطة القضائية في الدستور وتم نشر نتيجة عملهم وتوضح أن إعادة هيكلة القضاء من خلال النصوص الدستورية المرتقبة ما زالت تحتاج لدراسة من قبل القضاة وشركائهم في معركة استقلال القضاء في المجتمع المدني.ينتظر من القضاة أن يدرسوا المشروع المقترح ويتوصلوا بعيدا عن تموقعات هياكلهم لتثمين المكتسبات التي يبشر بها والكشف عن مكامن الخلل داخله وهذا يفترض منهم أن يخرجوا من نطاق الفرقة إلى مجال التعددية البناءة.
 
 
 
 
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية