منى الحمصي قتلها زوجها بعد 3 سنوات من محاولتها التحرّر من عنفه


2023-03-08    |   

منى الحمصي قتلها زوجها بعد 3 سنوات من محاولتها التحرّر من عنفه
موقع جريمة قتل منى الحمصي على يد زوجها

صدمة كبيرة، يعيشها أهالي منطقة جبل محسن بعدما شهدوا الفصل الأخير من تعنيف الشابة منى الحمصي على يد زوجها ع. سوميا يوم 28 شباط الماضي. فقد أقدم الدركي المتقاعد على قتل أم أولاده الثلاثة بدم بارد، وبـ 4 رصاصات من بندقية “بومب آكشن”. رافقت “المفكرة القانونية” نبيل شقيق الضحية إلى مكان الجريمة الذي يبعد حوالي 50 متراً عن مكان سكن العائلة. هناك في إحدى الزوايا انتظر الفاعل ضحيّته، وتحيَّن الفرصة، ليخرج بندقيته ويردي الشابة بدم بارد. استقرّت الرصاصات في جسد منى. واستنفر الصوت المارة، فتجمهروا عليه، وانتزعوا أداة الجريمة. يؤكد أشخاص شهدوا الواقعة أنّ القاتل “هدّد شبّانًا انتزعوا منه سلاحه، قائلاً: سأقتلكم واحدًا واحدًا عندما أخرج من السجن”. عبارة تختصر تاريخًا من العدالة الناقصة أو اللا عدالة في قضايا قتل النساء، وقبل ذلك تاريخًا من الأعذار التخفيفية.   

يؤكد نبيل أنّ الفاعل ارتكب الجريمة بكامل قواه العقلية، وبعد أن رصد حركة منى، ليعرف أوقات مغادرتها منزل عائلتها الذي هربت إليه من تعنيفه، مكرّراً “في حال لم تقم الدولة بواجبها وتقتص للضحية منه، سنثأر لها بأيدينا، لأنه إنسان مجرم وعنيف، ويجب إعدامه”. وعبّر عن أسفه “لأنّ منى لن تكون الضحية الأخيرة للعنف الأسري، طالما هناك من يتدخّل لحماية المجرم وتجاهل مأساة الضحية”.

الرواية الحارقة

عند مدخل منزل آل الحمصي، تستقبلك ورقة نعي الضحية منى، جنباً إلى جنب مع نعوة والدها أحمد. لم تخلع العائلة الأسود بعد، ففي أربعين الوالد، قتلت منى بأبشع طريقة ممكنة. في الداخل، لا تكفّ الوالدة أم محمد عن رثاء ابنتها، تخبر الناس قصة اضطهادها على يد “رجل لم يعرف قلبه الرحمة يومًا”، تقول “خرجت منى كالمعتاد لممارسة الرياضة، ولكنه كان ينتظرها ويتعقّب خطواتها”، “ودّعتنا وخرجت، ولكن سرعان ما سمعنا صوت الطلقات والصراخ”.

تخبرنا  أم محمد عن قصة سيّدة تعرضت للعنف طوال 17 عامًا، فقد ظهرت باكراً عدوانية الزوج، ولكن ساد الظن بأنه “بكرا بيوعى، وبس يصير عنده ولد بيركز”. ولكن لم يتغير فيه شيء، لا بل ازداد الشقاق بين الزوج والزوجة، والأهل. وفي الموازاة، كانت عائلة منى تكبر فقد أصبح لديها 3 أولاد، ووفق الأعراف السائدة “يجب على الأم أن تضحّي لأجل أولادها”.

تؤكد أم محمد أنّ منى تركت منزله مرّات عدّة، إلّا أنّها كانت تعود تحت وطأة الضغط عليها من زوجها بسبب الأطفال. وحسب العائلة، كان يتقصّد الاتصال بها، ويريها الأطفال عبر الفيديو لمطالبتها بالعودة. إلّا أنّ منحى العنف شهد حدّه الأقصى في عام 2020، فقد ضربها بالأسلاك الكهربائية على كامل جسدها. هربت منى إلى منزل أهلها وكانت في حالة مريعة، واستنجدت بأشقائها لحمايتها، عندها تقدّمت بدعوى أمام المحكمة الجعفرية طالبة منه الطلاق على أساس العنف الذي كانت تتعرّض له والذي وثقته أمّها في “ألبوم صور”.  

تحضر أم محمد “الألبوم”، الذي يضمّ عشرات الصور لإصابات في سائر أنحاء جسد منى جرّاء العنف الزوجي. تقول الوالدة “طالما أنك تكرهها ولا تريدها، طلّقها، وحرّرها. هل يرضى أحد أن تضرب أمه أو شقيقته أو ابنته، وتصاب بأضرار فادحة من دون أن يتدخل؟”، محمّلةً “القضاء والتدخلات السياسية مسؤولية ما جرى مع منى لأنهم تدخلوا لحماية الفاعل وليس لإنصاف الزوجة التي تتعرّض للعنف”، في إشارة منها إلى عدم وصول دعوى الطلاق إلى خواتيمها.  

تعرف الأم أنّها لن تتجاوز بسهولة خسارة ابنتها “الهادئة والمتواضعة”. وتقول “أعلم أنّ الجميع يتأثر في البداية، ولكن لاحقًا الكل سيعود إلى حياته الطبيعية، وسيبقى الوجع والجمرة للأم”، مشيرةً إلى أنّ “معدتها لا تتقبل إلّا الماء بسبب الضغط النفسي الشديد”.

والدة منى تعرض عشرات الصور التي تظهر تعرض ابنتها للضرب المبرح من قبل زوجها

منى وأولادها ضحايا زوج عنيف

لم تستيقظ العائلة من صدمة مقتل منى، فهم يتحدثون عن زوج حوَل الشابة من إنسانة فاعلة في المجتمع، إلى ضحية العنف الأسري. وحسب شقيقها حسن “منى كانت ناشطة في مجال دمج الأشخاص أصحاب الإعاقة، قبل أن تتزوج، وما لبث أن منعها من ممارسة أي نشاط، وألزمها البقاء في المنزل”. يكمل الرواية “كان يرفض أي علاقة مع أهلها، لم يكن يأتي لزيارتنا، كما بدأ يمنع الأطفال من القدوم إلى بيت جدهم حتى في الأعياد”. ويضيف “بين الفينة والأخرى كنا نلتقيها، نشعر بأنها مكسورة، وتتعرّض للعنف. كانت ترفض أي تدخل من العائلة، لكي لا ينتقم من الأطفال”. وفي الفترات التي كانت تغادر وتأتي إلى منزل أهلها هرباً من اضطهاده، كان يمارس عليها العنف المعنوي، حيث يتّصل بها ويهدّدها بأنّه سيعنّف الأطفال إن لم تعُد. يقول حسن الحمصي “كنا فجأة في اليوم الثاني، نعود إلى المنزل فلا نجدها، فهي كانت تعود إلى المنزل لرعاية الأطفال”.

وتجد رواية تعرّض الزوجة والأطفال للعنف سندها لدى الجيران حيث تسكن، حيث أكدوا أنّ “الجاني مشهور عنه العنف تجاه الزوجة والأبناء”، وأنهم كانوا يسمعون صوت صراخه بصورة مستمرّة.

الانفصال آخر الدواء

في عام 2020، قررت منى الانفصال عن زوجها، بعد أن تعرّضت إلى عنف شديد. يروي حسن شقيقها “جاءتنا منى وقد غطّاها الدم، فتوجّه مباشرة إلى مخفر القبّة لتقديم شكوى، وعرضها على طبيب شرعي”. وحسب العائلة أرسل إليها أحد أشقائها مبلغ 5 ملايين ليرة لرفع دعوى الطلاق لدى المحكمة الجعفرية، إلّا أنّ الدعوى طالت ولم تصل إلى نتيجة. يقول حسن: “كان على المحكمة تطليقها شرعًا بمجرّد رؤية صور آثار التعنيف المريعة على جسدها وتقرير الطبيب الشرعي”.  

ويوضح المحامي رامي إشراقية (وكيل منى) أنّه تقدم بدعوى لدى المحكمة الجعفرية في تاريخ 12/10/2020، وقد سارت الدعوى ببطء وصدر قرار مؤقت بسلفة نفقة زوجية في 22/4/2021 بلغ مقدارها 300 ألف ليرة لبنانية، قبل أن يتم تعليق القرار بفعل اعتراض الزوج وتقديم طلب الطاعة. وقد قدّم المحامي طلب تحصيل النفقة في تاريخ 7/5/2021.

يوضح إشراقية أنّ مجموعة عقبات عرقلت السير الطبيعي للدعوى، منها ما يرتبط بالتدخّلات السياسية، ومنها ما يتّصل بالاعتكاف القضائي والإضرابات، بالإضافة إلى نواحي إجرائية فقهية. ويشير إلى أنه “لم يتم توقيف الزوج حتى ليوم واحد لأسباب سياسية على الرغم من الأدلة وآثار الضرب، والصور، والتقرير الطبي”. بعد إحالة محضر الضرب إلى المحكمة، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في طرابلس حكمًا غيابيًا بتوقيفه لعشرة أيام وبغرامة بقيمة مليوني ليرة لبنانية، ولكن الوكيل القانوني عجز عن تبليغ المدعى عليه بسبب الإغلاق المفروض أثناء جائحة كورونا.

ويوضح إشراقية عند استهلال الشكوى لدى المحكمة الجعفرية، تقدّم الفريق القانوني بدعوى النفقة من أجل إحضار الزوج إلى المحكمة لأنّ “الطلاق لدى المحكمة الجعفرية يحتاج إلى موافقة الزوج، وعليه كنا نحاول إقناعه بالطلاق في كل جلسة، وعرضنا التنازل عن كافة الحقوق الشرعية سواء أكانت مهرًا، أو نفقة وغيرها”. ويلفت إشراقية إلى أنّ “الشيخ حاول أيضاً إقناعه، ولكن من دون تجاوب. وقد كنا نقول له طلّقها طالما أنت لا تحبها وتضربها بعنف إلى أقصى الحدود طوال 15 عامًا، وصولاً إلى الهروب مع قرار اللارجعة”. ويلفت إشراقية إلى أنّ “عنف الزوج لم يقتصر على الزوجة، وإنما تجاوزه إلى الأولاد، فقد كان يضربهم ويحبسهم في المنزل”، كاشفاً أنّه “اتصل في إحدى المرات بنا، واشترط لتطليقها أن تعود إلى منزله وتطالبه بالطلاق وجهاً لوجه”. 

وخلال كل تلك السنوات منذ رفع دعوى الطلاق، لم تر منى أولادها إلّا مرة واحدة في المحكمة.

يطالب المحامي رامي إشراقية النيابة العامة بالتشدد مع جرائم العنف الأسري، و”توقيف الزوج عندما يثبت قيامه بتعنيف زوجته حتى لو ليوم واحد من أجل ردعهم عن التمادي”، ثم من أجل حماية كافة أفراد الأسرة.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة ، الحق في الحياة ، فئات مهمشة ، لبنان ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية