ملاحظات على القرار التاريخي في قضية ذوي المفقودين في لبنان: فاتحة لتكريس حق الاطلاع على المعلومات


2014-06-02    |   

ملاحظات على القرار التاريخي في قضية ذوي المفقودين في لبنان: فاتحة لتكريس حق الاطلاع على المعلومات

بتاريخ 4-3-2014، أصدر مجلس شورى الدولة- الغرفة الأولى المؤلفة من الرئيس شكري صادر والمستشارين ميريه عفيف عماطوري وفاطمة الصايغ عويدات –  قراراً تاريخياً قضى بتكريس حق المعرفة لذوي المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان وذلك عن طريق إبطال القرار الضمني الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء برفض تسليم ذوي المفقودين ملف التحقيقات التي قامت بها لجنة التحقيق الرسمية للاستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين وإعلان حقهم بالاستحصال على نسخة عن الملف الكامل عملاً بحق المعرفة.

وفي وقائع القضيّة أنه بتاريخ 21/1/2000، عيّن رئيس مجلس الوزراء اللبناني لجنة تحقيق رسمية للإستقصاء عن مصير جميع المخطوفين والمفقودين، فأصدرت اللجنة المذكورة تقريرها بتاريخ 25/7/2000 بيّنت فيه أنها وجدت مقابر جماعية في مدافن الشهداء في منطقة حرج بيروت ومدافن مار متر في الأشرفية ومدافن الإنكليز في التحويطة، واستخرجت عظاما منها وعيّنت لجنة من الأطباء الشرعيين للكشف عليها وقد خلصت هذه اللجنة الأخيرة إلى استحالة تحديد هوية الضحايا، وأوصت لجنة التحقيق بالإيعاز لذوي المفقودين بإعلان وفاة هؤلاء منذ ما يربو على الأربع سنوات. إلا أنه لم يتم تمكين ممثلي ذوي المفقودين أي  لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين في لبنان وجمعية دعم المعتقلين والمنفيين في لبنان (سوليد)، من الإطلاع على التحقيقات أو المشاركة في أعمال لجنة التحقيق، فضلاً عن عدم قيام الدولة بأية مبادرة لإخراج الرفات والسعي إلى تحديد هويتها ولا لتحديد موقع المقابر الجماعية وتسييجها وحمايتها من العبث.

وإزاء هذا الواقع تقدمت الجمعيتان الممثلتان لذوي المفقودين، بتاريخ 29/4/2009،من رئاسة مجلس الوزراء بطلب الإستحصال على نسخة كاملة عن ملف التحقيقات الآيلة إلى تحديد مواقع المقابر الجماعية وتقرير الأطباء الشرعيين، إلا أن رئاسة مجلس الوزراء التزمت الصمت خلال مدة الشهرين القانونية المفروضة للرد على هذا الكتاب. فما كان من الجمعيتين إلا أن تقدمتا بتاريخ 27/8/2009 بكتاب ثانٍ إلى رئاسة مجلس الوزراء أكدتا فيه على طلبهما بالإستحصال على نسخة عن ملف التحقيقات بشان مصائر المفقودين المخطوفين فالتزمت الإدارة الصمت أيضاً. وهذا ما حدا بالجمعيتين المذكورتين إلى التقدم بتاريخ 24/12/2009 بمراجعة إبطال أمام مجلس شورى الدولة طعناً بقرار الرفض الضمني الناجم عن سكوت رئاسة مجلس الوزراء تجاه الطلبات الموجهة، فصدر بنتيجة ذلك القرار المبدئي موضوع تعليقنا.
 
وقد لفتنا في هذا القرار عدة نقاط سنعمد إلى إبرازها تباعاً، وهي تضاف الى تعليقات أخرى حوله:
 
1-يتبدّى من الإطلاع على القرار موضوع تعليقنا من حيث الشكل، أنه استند للخلوص إلى النتيجة التي توصّل إليها على مراجع باللغة الإنكليزية وهو أمر غير مألوف لدى القضاء الإداري في لبنان الذي يعمد إلى الإستناد في اجتهاداته على المراجع الفرنسية. ويعود السبب في ذلك إلى مبدأ تعدد الجهات القضائية الذي يعتمده لبنان أسوة بفرنسا حيث يوجد فصل فيما بين القضاءين الإداري والعدلي وهو أمر غير موجود في النظام الأنكلوسكسوني المعتمد في البلدان الناطقة بالإنكليزية.
 
2-من الواضح، ومن حيث الشكل أيضاً، أن القرار موضوع تعليقنا قد اتخذ بالإجماع وخلافاً لما خلص إليه تقرير المستشار المقرّر ومطالعة مفوّض الحكومة، آخذاً بملاحظات الجهة المستدعية. ومن المعلوم أن المستشار المقرّر هو أحد أعضاء الهيئة الحاكمة بحسب المادة 89 من نظام مجلس شورى الدولة التي تنص أنه: «فيما خلا النصوص المتعلّقة بتأليف مجلس القضايا تنظر في كل دعوى هيئة مؤلّفة من رئيس وعضوين أحدهم المقرّر وتتذاكر الهيئة سراً وتتخذ قرارها بالإجماع أو بالأكثرية…»وهذا ما يدل على أن المستشار المقرّر قد بدّل موقفه الذي خلص إليه في تقريره، على ضوء ما أوضحته ملاحظات الجهة المستدعية على هذا التقرير.
 
3-أما من حيث المضمون، فيتبدّى أن مجلس شورى الدولة في لبنان كان خلاقاً في تكريس مبدأ قانوني جديد هو حق المعرفة، في الوقت الذي لا يزال المشرّع يتخبّط في إقرار قانون حق الوصول إلى المعلومات، وفي ذلك ما يدل على إعمال القاضي الإداري اللبناني لدوره التاريخي في استنباط المبادئ القانونية من ضمير الجماعة العام ومن إرادة المشترع المفترضة، وانطلاقاً من قاعدة مرونة القانون الإداري التي تتيح له إمكانية التفاعل بصورة سريعة مع متطلبات المجتمع وقاعدة قضائية القانون الإداري التي تسمح للقاضي باجتراح الحلول المناسبة للخلافات الناشئة بين الإدارة والأفراد.
 
4-جاء في القرار وفي معرض تفصيله للمبدأ الذي أقرّه: «أن حق معرفة مصير المخطوفين والمفقودين هو حق طبيعي لأعضاء أسرهم، أكانوا متوفين أو على قيد الحياة بحيث يترتّب على ذلك في الحالة الأولى قيام الأسرة بمراسم الحداد والدفن بشكل لائق يتوافق مع الكرامة الإنسانية للمتوفي، وفي الحالة الثانية استكمال المراجعات لمعرفة مكان احتجاز المفقود وإمكانية رؤيته والعمل على الإفراج عنه إذا كان مخطوفاً أو تأمين وسائل الدفاع إذا كان مسجوناً كذلك تأمين العناية الطبية والمواكبة العاطفية ….،وهي من الحقوق الأساسية التي أقرتها الشرائع الدولية والدستور اللبناني».

ومن هنا يمكن القول أن مبدأ الحق بالمعرفة الذي كرّسه القرار تتولّد عنه حقوق متفرّعة كالحق بالحداد والدفن التي لا تقل أهمية عن الحق بالحرية والحق بالدفاع. والأهم من ذلك أن القرار قد تحدّث عن حق المساندة العاطفية للمحروم من حريّته، وقد اعتبر أن هذه الحقوق هي حقوق أساسية أقرّها الدستور اللبناني، ما يعني أنه رفعها إلى مصاف المبادئ الدستورية التي لا يجوز حتّى للمشرّع أن يخرج عنها.
وقد عاد القرار ليؤكد على ذلك بقوله:«وبما أن حق ذوي المفقودين بمعرفة مصيرهم هو حق طبيعي متفرّع عن حق الإنسان بالحياة وبالحياة الكريمة وبمدفن لائق وعن حق العائلة باحترام الأسس العائلية وجمع شملها وعن حق الطفل بالرعاية الأسرية والعاطفية والحياة المستقرّة، وهي حقوق كرّستها المواثيق والشرائع الدولية التي انضم إليها لبنان، مما يستتبع إعلان حق ذوي المفقودين بالإطلاع على كافة التحقيق لكشف مصيرهم وأن هذا الحق لا يقبل أي تقييد أو انتقاص أو استثناء إلا بموجب نص صريح،الأمر غير المتوافر في القضية الحاضرة».

وبذلك يكون القرار قد رد ضمناً على الحجج الواردة في تقرير المستشار المقرّر لناحية سلطة الإدارة الإستنسابية بالكشف عن مصير المفقودين ولناحية أن الإطلاع على تقرير اللجنة "يؤدي إلى انعكاسات على صعيد السلم الأهلي واستقرار الأوضاع الأمنية وطي صفحة الحرب"، إذ كان القرار صريحاً بعدم الأخذ بهذه الإعتبارات كون الحق بالمعرفة هو حق دستوري يسمو على هذه الحجج ولا يجوز تقييده دون نص صريح.
 
5-إن موضوع القرار يعكس مشكلة كبرى تتمثّل بتعامل رئاسة مجلس الوزراء مع حق الوصول إلى المعلومات، إذ أنها تتشدد إلى أقصى الحدود، ودون مبرر منطقي، في إعطاء الوثائق التي تكون في حوزتها حتى لذوي المصلحة. وهذا ما لمسناه من خلال مسار مراجعة الإبطال التي تقدّمنا به أمام مجلس شورى الدولة في العام الماضي طعناً بقرار مجلس الوزراء الرامي إلى تعليق التوظيف في الإدارة العامة، حيث رفضت الأمانة العامة لمجلس الوزراء تزويدنا بنسخة طبق الأصل عن قرار مجلس الوزراء المطعون فيه رغم تكليفنا بذلك من قبل مجلس شورى الدولة. كما أن هذا العداء مع حق الوصول للمعلومات، إن صح التعبير، أو الحذر الشديد ازاءه قد تجلّى من خلال مواقف رؤساء الحكومة المتعاقبين. وهذا ما عبّر عنه رئيس الوزراء الحالي تمام سلام خلال الجلسة التشريعية في 1 نيسان 2014 والتي طلب فيها التريّث بإقرار اقتراح القانون المتعلّق بحق الوصول إلى المعلومات، وإن كل هذه المواقف تبشّر بمعركة قضائية من نوع آخر في سبيل تنفيذ القرار موضوع تعليقنا.     
 
وقد توصل المجلس الى هذه النتيجة بعدما أعلن حقا أساسيا جديدا هو حق ذوي المفقودين، على أساس أن هذا الحق هو حق طبيعي متفرع عن حقوق الانسان بالحياة وبالحياة الكريمة وبمدفن لائق وعن حق العائلة باحترام الأسس العائلية وجمع شملها وعن حق الطفل بالرعاية الأسرية والعاطفية والحياة المستقرة، وهي حقوق كرستها المواثيق والشرائع الدولية التي انضم اليها لبنان، مما يستتبع اعلان حق ذوي المفقودين بالاطلاع على كافة التحقيقات لكشف مصيرهم وان هذا الحق لا يقبل أي تقييد أو انتقاص أو استثناء الا بموجب نص صريح، الأمر غير المتوفر في القضية الحاضرة. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية