مشروع قانون تنظيم المعاملات الالكترونية: التمايز في اعلان مبدأ “احترام الخصوصية” والتمايز في نسفه


2011-09-26    |   

مشروع قانون تنظيم المعاملات الالكترونية: التمايز في اعلان مبدأ “احترام الخصوصية” والتمايز في نسفه

بعد ان تبنت معظم الدول تشريعات ترمي الى تنظيم قطاع التكنولوجيا والمعاملات الالكترونية، خاصة في ما يتعلق باستعمال "البيانات المعلوماتية ذات الطابع الشخصي"، لما قد ينتج عن استعمال تعسفي لهكذا بيانات من خطر على الحياة الخاصة وعلى حريات الاشخاص الطبيعيين، جاء دور لبنان.
فكانت أول مسوّدة لمشروع قانون الاتصالات والكتابة والمعاملات الالكترونية المعدة من قبل الخبيرين الفرنسيين البروفسور بيار كتالا والاستاذة فاليري سيداليان في ايار 2005 ضمن اطار  EcomLeb بمبادرة من وزارة الاقتصاد والتجارة وبدعم مادي من الاتحاد الاوروبي[1].
الا ان مصير هذا المشروع كان مماثلا لمعظم مشاريع القوانين اللبنانية حيث تعدل حتى التشويه.
ففي آب 2010، قدمت اللجنة الاستشارية في البرلمان اللبناني برئاسة النائب غنوة جلول نسخة معدلة عن مشروع قانون EcomLebاثارت ردات فعل سلبية من قبل منظمات المجتمع المدني والوسط القانوني.
فقراءة هذه النسخة تثير نوعا من الانزعاج، ولا سيما فيما يتصل بحماية الخصوصية. فمن جهة، يكرس هذا القانون لاول مرة في تاريخ التشريع اللبناني بشكل صريح "هوية الشخص وحقوقه وحياته الخاصة" (المادة 2) كما ويمنع "جمع المعلومات ذات الطابع الشخصي او معالجتها اذا كانت تكشف، بصورة مباشرة او غير مباشرة، عن الحالة الصحية او الهوية الوراثية او الحياة الجنسية للشخص المعني" (مادة 136)، ومن جهة اخرى، يسمح بالقيام بعمليات من شأنها المس بحقوق الخصوصية بشكل كبير. فللهيئة المنشأة بموجب مشروع القانون (هيئة التوقيع والخدمات الالكترونية) القيام بعمليات تفتيش مادية وادارية والكترونية وبالوصول لاي معلومات او انظمة كمبيوتر او ادوات، ليس فقط في  مراكز العمل انما ايضا في  المنازل الخاصة، وليس فقط خلال ساعات النهار انما في أي وقت. كما أن بامكان الهيئة أن تتصرف من دون اخضاعها لأي ترخيص قضائي مسبق.
والواقع أن مشروع القانون يصبح أكثر قابلية للنقد في ضوء تعديلات أخرى بالنسبة الى مشروع 2005 لا تقل أهمية:  
فتسميتها قد تغيرت من "هيئة لحماية البيانات ذات الطابع الشخصي" الى "هيئة التوقيع والخدمات الالكترونية". مما يؤشر الى توجه المشروع الجديد والذي بدا أقل التزاما بحق الخصوصية.
كما أن ثمة اشكالية أكبر بخصوص شروط انشائها وتنظيمها والتي لا يمكن المحلل أن يدرك أبعادها من دون الاطلاع على مضمون مشروع قانون 2005 بهذا الخصوص: فعلى خلاف المشروع السابق (2005) بهذا الشأن، والذي وصف الهيئة بأنها "هيئة ادارية مستقلة لحماية البيانات ذات الطابع الشخصي"، ونص على أن أعضاءها لا يتلقون "تعليمات من اي سلطة اخرى خلال ممارستهم مهمتهم"، فانه بالمقابل سارع الى اخضاعها لوصاية الوزير المختص رغم التأكيد على استقلاليتها المالية والادارية، مما يتعارض تماما مع الاستقلالية المعلن عنها ويدخل القانون في ازدواجية.
والواقع ان مشروع القانون 2005 في صيغته الجديدة  يتعارض مع حركة تشريعية واسعة في القانون المقارن قوامها انتشار فئة جديدة من الهيئات الادارية التي  تنتمي الى الدولة دون ان تخضع لاي نوع من التبعية تجاه السلطة التنفيذية. ولا تتحلى هذه الأخيرة تجاهها باي من ادوات السيطرة المألوفة المتمثلة بالوصاية الادارية (Tutelle administrative) وبالسلطة التسلسلية(Pouvoir hiérarchique) .
وقد ظهرت هذه الهيئات كردة فعل على حاجات يعاني منها القطاع العام اولها ضمان عدم انحياز الدولة في ظل جو عام من الحذر تجاه الادارة وتدخلها في قطاعات حساسة تؤثر على الحريات العامة وعلى تنظيم الاسواق التجارية في حين ان الهيئات الادارية المستقلة تحاط نشأتها بقرينة استقلالية تبرز في طريقة تعيين اعضائها وصعوبة عزلهم من وظائفهم في الهيئة المنشأة.
ثانيا اشراك المحترفين وممثلين القطاعات الاقتصادية في تنظيم وتحديد القواعد والقوانين التي ترعى هذه القطاعات خاصة في سياق تطور التقنية حيث يصبح تدخل هؤلاء ضروري.
ثالثا ضمان الفعالية والسرعة لتفادي بطء الاجراءات القضائية من جهة والادارة التقليدية من جهة اخرى فتناط هذه الهيئات بسلطات واسعة من سلطة ذات طبيعة تقريرية (Pouvoir de decision) وتنظيمية  (Pouvoir règlementaire)الى سلطة اتخاذ العقوبات بحق كل من المواطنين ( (Pouvoir de sanctionمرورا بسلطة القيام بعمليات التفتيش من اجل انفاذ المهمة المناطة بها Pouvoir d’investigation)).
مما من شأنه القاء الضوء على تصور جديد للقانون ولتدخل وتنظيم الدولة فالقانون يصبح قانونا" سلسا" (droit mou) ناتجا" عن تفاعل وتشاور ووساطة بين جميع الاطراف المختصة خلافا" للنظرة التقليدية لقانون فارض وعمودي، فيما ان الدولة المنحازة بطبيعتها تفسح المجال لهيئات مستقلة تشكل ضمانة اوسع للحريات العامة واسلوب جديد في السياسة العامة.
 
وتاليا، وبنظرة سريعة لتنظيم هيئة التوقيع والخدمات الالكترونية في مسودة القانون المقترح، يتبين ان اهداف انشائها هي معاكسة تماما" لمفهوم الهيئة الادارية المستقلة. اذ ان مسودة القانون المقترح توليها اوسع السلطات واهمها واخطرها، وهي لا تقتصر على القيام بعمليات تفتيش مادية وادارية والكترونية والوصول الى اي معلومات او انظمة كمبيوتر او ادوات كما سبق بيانه، بل أيضا سلطة اتخاذ العقوبات بحق كل من المواطنين في اكثر المجالات المتعلقة بالحريات العامة، دون ضمان استقلاليتها وعدم انحيازها بل من دون اخضاعها لالتزامات المحاكمة العادلة وحق الدفاع وضمانات المرجع القضائي، حامي الحريات العامة.
 
فتنتقل الحريات العامة من تحت درع القانون والقضاء الى ميدان الادارة العامة المفرطة.
يبقى لنا ان نأمل بان يقوم القضاء عبر اجتهاده بضمان ما قد نسيه المشرع من مبادئ المحاكمة العادلة وحق الدفاع المنصوص عليها في المعاهدات الدولية[2].
 
 
 
فهرس بالمراجع العامة:
  Jean-Louis AUTIN, JurisClasseur Admninistratif, Fasc.  75 : autorités administratives indépendantes.

Michel Gentot, Les autorités administratives indépendantes, Montchrestien, 1994.

      Marie-José Guédon, Les autorités administratives indépendantes, LGDJ, 1991.

Rapport du Conseil d’Etat 2001, Les autorités administrative indépendantes
 



[1]مشروع قانون متعلق بالاتصالات والكتابة والمعاملات الالكترونية المنشور من قبل وزارة الاقتصاد والتجارة والممول من الاتحاد الاوروبي.
[2] لطفا مراجعة قرار مجلس الشورى الفرنسي الصادر بتاريخ 9/11/2009 والقاضي بالغاء عقوبات اتخذت بناء على عمليات تفتيش في مراكز شركتين دون الاستحصال على ترخيص قضائي مسبق، مما يشكل مسا" بالحياة الخاصة والمادة 8 من  الاتفاقية الاوروبية لضمان حقوق الانسان.
لطفا مراجعة ايضا اجتهاد القضاء الاداري والقضاء الخاص في فرنسا الذي اخضع الهيئات الادارية المستقلة لمبادىء المحاكمة العادلة.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، لبنان ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية