مراجعات في التاريخ اليهودي: اليهودية نتاجا للصهيونية


2023-10-26    |   

مراجعات في التاريخ اليهودي: اليهودية نتاجا للصهيونية
صورة لفلسطينيين تم تهجيرهم سنة 1948

من الضروري الیوم، فیما نعتقد، أن نتابع ما یَحصل داخل الساحة الأكادیمیة الإسرائیلیة، على الأقل فیما یتعلق بالجدید حول التاریخ الیھودي والاستعمالات التي أخضعتْه لھا الصھیونیة. هناك في إسرائیل الیوم، بل منذ زمن لیس بالقریب، من انطلق في عملیة إعادة حفر في التاریخ الیھودي السحیق، متسلّحا بالمنھج العلمي وبكل الاكتشافات الأثریة والأدبیة الجدیدة. یأتي ھؤلاء من آفاق سیاسیة متنوعة، یساریة وفوضویة في الغالب، وقد استطاعوا التمييز بین الالتزام السیاسي الشخصي والالتزام العلمي عبر اتباع منھج یقوم على الاتزان. یخرج ھؤلاء باستنتاجات وخلاصات من شأنھا، لو أتیحَ لنخبنا أن تُحسن استغلالھا، أن تغیّر الكثیر من نظرة الرأي العام الدولي إلى “إسرائیل المسكینة” وأن تمنح شعوبنا القدرة على فھم أعمق لما یجري.

ظرفية نشأة تيار التاريخ الجديد

بدأ تیار التاریخ الجدید في إسرائیل في البروز مع نھایة الثمانینات من القرن الماضي، لیتحوّل الیوم إلى اتجاه واضح یُعید المنتمون إلیه النظر في كل الروایة التاریخیة الرسمیة لوجود إسرائیل، بل وللصھیونیة. وبالرغم من حالة الحرَج التي تسببھا أبحاث ھذا التیّار للوعي الجمعي الإسرائیلي، والمضایقات التي یتعرض لھا ھؤلاء المؤرخون، وعملیة “التنظیف” التي طالت الكتب المدرسیّة تحت وطأة تدخّل متحمّس للیمین الإسرائیلي، فإن الأمر لم یصل إلى حدّ منعھم من النشر أو طردھم من الجامعات التي یزاولون تدریس التاریخ فیھا. وأكثر من ذلك، فإن الأسئلة التي ما انفكّ المؤرخون المنتمون إلى ھذا التیار یطرحونھا قد طالت فضاءات أخرى، لیس أقلھا السینما وغیرھا من الفنون الجماھیریة.

من المفید الإشارة ھنا إلى أن ھذا التیار قد بدأ في البروز بفضل فتح الأرشیف الإسرائیلي للعموم سنة 1980 وھو ما منَحَ ھؤلاء فرصة للإطلاع على الوثائق التي یُفترض أن التاریخ الرسمي قد بُنيَ علیھا. سرعان ما اكتشف ھؤلاء الفارق الكبیر بین فحوى التاریخ الرسمي إزاء نقاط محوریة في وجود إسرائیل وتاریخ الحركة الصھیونیة، وبین ما تدلّ علیه الوثائق. بالنسبة لعدد من ھؤلاء المؤرخین لم يعد الأمر قابلا للاحتمال بفعل ضخامة التناقضات بين التاريخين، الحقيقي والرسمي. يرى هؤلاء في معظمهم أن عملية التزييف الواسعة التي تعرض إليها التاريخ الإسرائيلي خصوصا، واليهودي عموما، تتطلب الكشف خاصة وأنهم يُرجعون عملية التزييف تلك إلى ضعف “معسكر السلام” الإسرائیلي وتغوّل معسكر المتطرفین الذین یمسكون بمقالید الأمور منذ 1948، عسكرا كانوا أو متدینین.

یُصنّف ھذا التیار ضمن ما بات یعرف ب “ما بعد الصھیونیة” post-sionisme. والمقصود بذلك ھي عملیة إعادة التفكیر في إشكالات الصھیونیة والمشروع السیاسيّ الصھیوني وتقییم ما أفضتْ إلیه تجربة إسرائیل في محیطھا المباشر (في علاقتھا بالفلسطینیین منذ انطلاق الھجرة الیھودیة نحوھا في نھایة القرن التاسع عشر ثم تكثفھا فیما بعد) وغیر المباشر (العلاقة بالدول العربیة التي وقع تركيز المشروع الصھیوني على حدودھا، وخاصة مصر والأردن وسورية ولبنان). في لحظة مُعینة قرّر بعض المؤرخین الوقوف والتساؤل عن فحوى الصھیونیة وموثوقیة الإیدیولوجیا التي حقنت بھا أجیالٌ عدیدة منذ ظھورھا بالمقارنة مع ما بدأت في كشفه الوثائق التي كان طوق السریة یحیط بھا. وإذا ما حاولنا أن نضبط حدود ھذا التیّار وأسماء المؤرخین المنتمین إلیه، لأمكَن القول بأن الأمر بدأ أولا مع حلقة ضيقة من المؤرخین لیتوسع بعد ذلك شیئا فشیئا ویشمل دائرة ثانية من الأكادیمیین والمثقفین ولیس من المؤرخین فحسب. ھؤلاء المؤرخون ھم بني موریسBenny Morris  وأفي شلیم Avi Shlaim وإیلان بابيIlan Pappe  وشلومو ساند Shlomo Sand، الذین یُقابلون في الوعي القومي الیھودي الیوم كل المؤرخین التقلیدیین الذین شرَّعُوا لوجود إسرائیل وبنوا إیدیولوجیا النقاء العرقي الیھودي، ورعُوا فكرة أن الصھیونیة ھي التعبیر القومي الوحید والممكن عن الفكرة القومیة الیھودیة.

قبل الانتقال إلى بسط نقاط الخلاف في النظر إلى التاریخ الیھودي وتاریخ إسرائیل، ینبغي التأكید على أن الأمر یبدو في أحد وجوھه استذكارا للجدل حول الصھیونیة الذي قادته الصھیونیة وروّادھا الأوائل ضدّ التیار الاندماجي الیھودي قبل انتصار الصھیونیة واحتكارھا كل فضاءات الثقافة والتّاریخ الیھودیين وسطوھا الناجح على الذاكرة القومیة الیھودیة. منذ منتصف القرن التاسع عشر، كانت الصھیونیة الثقافیّة قد بدأتْ في شكل حركة إحیاء ثقافيّ ھدفھا إعادة اللغة العبریّة للتداول بین الجالیات الیھودیة في الشّتات والمحافظة على مثل أعلى قومي یھودي، ستجد فیه الصھیونیة السیاسیة لاحقا، عند تفجر الفكرة القومیّة في أوروبا وضجر الیھود من عملیات الاضطھاد اللاسامي الموجّھة ضدھم، الوقود اللاّزم لصیاغة إیدیولوجیتھا العنصریة والعدائیة.

ككل القومیات والشعوب عاش الیھود، بحرص مباشر من النخبة الصھیونیة، أزمة الھویة الثقافیة وظھرت محاولات متكررة لمدة أكثر من قرن من الزمان (منذ صدور كتاب موزس ھاسMoses Hess “روما والقدس” وإلى قیام الكیان الصھیوني رسمیا في ماي 1948) لحل مشكلة الھویة حلاًّ قومیا. بالتدریج، نشأت نظریة سیاسیة وثقافیة تعتبر الصھیونیة الحلّ الأنجع للمشكلة الیھودیة. وعندما تمّ تأسیس المنظمة الصھیونیة في بال في 1897، كانت عملیة التأسیس قد قطَعت شوطًا حاسما على سبیل إعطاء الیھود ھیاكل كیانھم السیاسي المستقبلي. ككل الشعوب والقومیات الأخرى احتاج الیھود في ھذه المرحلة إلى نظریة تاریخیة قومیة تُسنِد مشروعا في طور التشكل.

أعادَ مؤرّخو الجیل الأول بناء التاریخ الیھودي انطلاقا من تعلیمات التوراة التي تُعتَبر كتاب التاریخ المقدس لدى الیھود، حیث بدأ الوعد الإلھي للشعب المختار بالانتصار على الأغیار، منذ اللازمان. كل ما سیحصل بعد ذلك في تاریخ إسرائیل كان تصدیقا لوعد الرب، یھوه. “السنة القادمة في أورشلیم” كانت دعاء الیھود على كل مائدة وفي كل عید. الرب أراد والصھیونیة حققت إرادة الرب إذا. منذ ذلك الزمن، قبل قرن وأكثر، لم یكن الأمر یتعلّق بأكثر من تبریر الاستیلاء على أرض الآخرین وإبادتھم وإخراجھم من التاریخ ومن الجغرافیا في آن. لغایة في سیاستھا، صمتَت أوروبا، كل الغرب وبعض الشرق: لیس هناك أقدس من الدعوة القومیة في عصر القومیات الصاعدة، كل ما عدا ذلك سيصبح مجرد تفاصیل صغیرة في بحر المصالح الدولية المتلاطم.

یتّھم المؤرخون الجدد الیوم في أوساط المؤرخین القدامي -ولیست القضیة قضیة منھج بالتأكید ولا قضیة اختلاف أجیال- بأنھم دعَاة مراجعة في شكل آخر، على نمط “المشكّكین” في المحرقة، ولكن من داخل النسق ولیس من خارجه. ھذا ما یعتقد أنه سبب الخطورة التي تُشكّلھا كتابات ھؤلاء. یحتاج المؤرخ دوما إلى درجة دنیا من الالتزام حتى یستطیع مواصلة الحفر، كالباحث عن الماء تماما. لولا العطش لما فكّر أحد في حفر بئر، یقول بعض الحكماء.

اعتراضات تيار التاريخ الجديد على “التاريخ الصهيوني”

في مقال له نشره بمجلة الحولیات، كتب أفي شلیم موافقا أرنست رینان: “الأمة ھي مجموعة من الأشخاص تُوحّدھا رؤیة مغلوطة لماضیھا وعداء جمعي لجیرانھا. منذ زمن بعید لم تنفكّ الأساطیر تشكّل أدوات ذات فعالیّة خاصّة لبناء الھویات القومیة. عن طریق حملة علاقات عامة نجحت الصھیونیة التي أنشأت دولة إسرائیل في تحقیق نتائج نادرا ما أمكن للغیر أن یحققھا في القرن العشرین. رغم ذلك، فإن تلك الحركة لم یكن لھا ما یمیّزھا عن غیرھا في إرادة نشر صیغة مُبسطة وملمِّعة للماضي من أجل بلوغ أھداف قومیة. على العكس من ذلك تماما، ومثل كل الكتابات القومیة للتاریخ، فإن الصیغة الصھیونیة للتاریخ كانت انتقائیة ومُبّسطة وموجھة. كان ھدفھا ھو تولید إحساس بالانتماء القومي لدى یھود من أصول متنوعة واستثارة عطف البلدان الأخرى على دولة إسرائیل الناشئة. أما في الجھة المقابلة فإنھا كانت تتّجه بوضوح لإلغاء أيّ إمكانیة لحصول تفھّم متبادل وتصالح بین الیھود والعرب”[1].

یلخص ذلك أبرز اعتراضات “التاریخ الجدید” على “التاریخ القدیم”. فمن جھة الأساطیر المؤسسة للھویة القومیة، سعتْ الصھیونیة إلى ترسیخ فكرة الشعب المختار والعرق النقي، ولم تمنع علمانیة الآباء المؤسسین من أن ینھلوا من التوراة بعد أن حصل ذلك التحالف مع متدیّني “عشاق صھیون”. على عكس الحركات القومیة الأخرى، كان على الصھیونیة أن تصوغ الخطاب القادر على النفاذ في أوساط جالیات لا یَجمع بینھا سوى شعور بالتشابه معتمد على العرق والدین، وأن یَخترق كل حدود الدول الموجودة دون أن تُشكّل إحداھا اعتراضا على المشروع برمته، وتقدیم المسألة كحل لمشكل أعیا الأوروبیین فضه.

في التاریخ الیھودي التوراتي وكذلك الصھیوني، في البدء كان الشتات. غیر أنه لا شتات. ذلك ما تؤكده على سبیل المثال أبحاث شلومو ساند Shlomo Sand  الذي خصص كتابه “كیف خلق الشعب الیھودي؟”[2] لنقض وتنسيب “أساطیر الآباء”. ینحدر شلومو ساند من الجالیة الیھودیة النّمساویة، ومن أقصى الیسار الإسرائیلي، وقد قاده التنقیب في الوثائق وفي ما توصّل إلیه علم الآثار إلى نفي الشتات الأوّل والشتات الثاني. لم یفعل الأشوریون في القرن السادس ق.م. والرومان في 70 م سوى أخذ نخبة الیھود ونفیھا خارج فلسطین. لا دلیل على عملیّة تھجیر واسعة النطاق للیھود من فلسطین حیث بقى معظم ھؤلاء في خدمة المحتلّ، معتنقین المسیحیة طورا والإسلام طورا آخر حتى أصبح ما تبقّى منھم مجرّد أقلیّة دینیّة في محیط دینيّ مختلف. استنتاجا، وطالما أنه لم یكن ھناك تھجیر، فلم یَكن ھناك شتات، وبالتالي فكلمة “عودة” تعتبر فاقدة لأي معنى.

عوضا عن “الشتات” الذي ینطلق من فكرة التھجیر، یَرى شلومو ساند أن الأمر كان مجرّد فكرة لا إثباتات علیھا ولكنھا كانت فكرة عبقریة. أقنعت الصھیونیة الیھود أولا بأنھم شعب واحد، ثم بأن علیھم أن یعودوا “من حیث أتوا”، إلى “أرض المیعاد” المقدّسة. یَعتمد شلومو ساند على نتائج حفریات علماء الآثار الإسرائیلیین التي بدأت غداة حرب 1967، مستَنتجا منھا أن الیھود لم یحتلّوا أرض كنعان مطلقا، وھو ما شكّل خیبة لعلماء الآثار الذین تكتّموا على الأمر مُفضّلین رعایة الأكذوبة الكبرى على الإصداع بالحقیقة المُحرجة. لم یكن ھناك غزو لكنعان إذا، ولم یكن ھناك بالتالي غزو معاكس أخرج الیھود من كنعان لاحقا مرتین، ولا داعٍ بالتالي للحدیث عن”عودة” الیھود إلى أرض المیعاد. یُمیز شلومو ساند بین الیھود والعبرانیین، وبین التسمیتین فوارق سعت الصھیونیة دائما للقفز فوقھا. یَعتبر مؤلف “كیف خلق الشعب الیھودي؟” أن الیھود ھم أبناء أولئِك الذین اعتنقوا الدیانة الیھودیة، ولم یَرثوھا بالضرورة، اعتناقا طوعیا أو قسریا. وقد كانوا مُوزعین على كل العالم ولا رابط قومي یجمع بینھم. أما العبرانیون فإنھم أولئك الذین كانوا باستمرار على أرض فلسطین والذین اعتنقَ معظمھم في فترة أولى المسیحیة ثم الإسلام. بھذا المعنى، یصبح الفلسطینیون ھم العبرانیين، وھو الشعب الوحید الذي تتوفر فیه ممیزات الأمة القومیة التي لا تشكل الدیانة عنصرھا الأساسي، حسب ساند.

یُراجع شلومو ساند فكرة الیھودیة، ویرى أنّ الأمر یتعلّق بدیانة كانت نتیجة عملیة تثاقف حصلت بین النخبة الیھودیة المُھجّرة إلى بابل والمعتقدات الفارسیة، وھو ما یُسقط عنھا تسمیة الدیانة السماویة تماما. یُعید ذلك النظر في فكرة محوریة في الأنتروبولوجیا الثقافیة، وھي التي تقوم علیھا النظریة الانتشاریة بتركیزھا على فكرة المنبع الواحد للثقافة ثم انتشارھا بعد ذلك في أنحاء المعمورة نتیجة الھجرات. تُشیر دراسات ساند إلى أن الیھود لم یكونوا شعبا واحدا في التاریخ السّحیق، وإنما مجموعات اعتنقت الیھودیة دون أن یكون لھا أصل عرقي واحد مثلما أرادت أن توحي به الصھیونیة. ما یعني، في أفضل الحالات، أن الیھودیة دیانة لم تتحوّل إلى عرق إلا على ید الصھیونیة التي كان الدمج بین البعدین یخدم هدفها السياسي الأعلى، أي تأسيس كيان سياسي قومي في عهد دول القوميات في أوروبا. أكثر من ذلك فإن تسمیة “الشعب الیھودي” تبدو ھي الأخرى إنتاجا صھیونیا لم یراعِ ما یفترض توفره في مجموعة ما لتكون شعبا، أي الثقافة الواحدة على الأقل، تلك الثقافة التي لم تتوفّر بالشكل المطلوب لمجموعات شدیدة الاختلاف عاشت في مناطق متباعدة قرونا عدیدة، وسعى المشروع الصھیوني لدمجھا في بوتقة قومیة واحدة لاحقا.


[1] -1 Avi Shlaim and Émilie Souyri, « La guerre des historiens israéliens », Annales. Histoire, Sciences Sociales, 59e Année, No. 1 (Jan. – Feb., 2004), pp. 161-169

[2] Shlomo Sand, Comment le peuple juif fut inventé ? Fayard, 2008, 442 pages.

انشر المقال

متوفر من خلال:

فلسطين ، منظمات دولية ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية