للكوميديا ما ليس لغيرها


2023-08-26    |   

للكوميديا ما ليس لغيرها

أمس، مثل الكوميدي نور حجار أمام الشرطة العسكرية في الريحانية وقد استبقيَ بعد التحقيق معه 11 ساعة هنالك بما يشكل عقوبة مقنعة، كل ذلك على خلفية “نكتة ساخرة” انتقد فيها أوضاع الجيش وعناصره بعد فقدان قيمة رواتبهم نتيجة انهيار قيمة العملة الوطنية. ولم يعرف بعد إذا كانت النيابة العامة العسكرية ستدّعي عليه أم لا، علما أنه في حال حصول الادّعاء، يتعيّن على حجّار أن يحاكم أمام المحكمة العسكرية، مما يشكّل انتهاكا آخر لحقوقه ولمبدأ عدم جواز محاكمة المدنيين أمام محكمة عسكرية.

وإذ ذكرّت المفكرة القانونية من خلال تغريداتها المنشورة أثناء التحقيق معه بكون المسرح الكوميدي يتمتع عموما بهامش حرية أوسع في أعمال الفقه المقارن والاجتهاد القضائي، يهمّنا بشكل خاص التذكير ب القرار الصادر عن محكمة استئناف بيروت في تاريخ 14/12/2012 والذي فسخ الحكم الصادر عن القضاء المنفرد في بيروت بإدانة الكوميديين إدمون حداد وراوية الشاب على خلفية تعرّضهما للآداب العامة. وكان حدّاد وشاب لوحقا على خلفية تقديمهما عرضا مسرحيا كوميديا لعب فيه ممثلون دور شبّان معروضين للبيع وقامت السيدات ضمن الحضور بالمزايدة العلنية ل “شرائهم” بهدف جمع تبرعات لصندوق “برايف هارت” لمعالجة الأطفال المصابين بأمراضٍ قلبيّة. وقد تحرّكت النيابة العامة ضدّ حداد والشاب تبعا لمقالات صحفية تحريضيّة نشرتها جريدة النهار واعتبرتْ أنّ هذه السهرة هي “دعارة من نوع جديد” حيث تم “بيع شبان في المزاد العلني”.

وبالفعل، انتهت محكمة الاستئناف بعد التدقيق في الوقائع إلى إسقاط العقوبات ضد حداد وشاب بعدما ركزت على الطابع الفكاهي والكوميدي للعمل المسرحي. فبعدما رأت “أن السهرة الفنية موضوع الدعوى جرت ضمن قالب الضحك والتسلية، الغاية منه إضفاء أجواء المرح والفكاهة على المسرح بهدف تمضية الوقت المخصص للحفلة على خشبة المسرح لجمع أكبر قدر ممكن من التبرعات لدعم المشروع الخيري الذي من أجله أقيمت الحفلة” وأن الشابين أقدما “على تقديم حفلة فنية عنوانها المزايدة على الشباب ضمن الإطار المسرحي الكوميدي المضحك المسكوب في قالب السخرية والدعابة لتلك النوع من السهرات بغية انجاح هذا الحفل وحث الحضور على التبرع بأكبر قدر ممكن للعمل الخيري”، اعتبرت “أنه وإن كان حصل ألفاظ على المسرح وعبارات وإيماءات، فإن هذه الأفعال تبقى في الإطار المسرحي الجائز قانونا طالما أنها لم تخرج عن المألوف ولم تخدش الحياء ولم تنلْ من الأخلاق والآداب العامة بالشكل والطريقة التي جرى تقديم الحفل من خلالها، ذلك أن ما هو جائز على المسرح غير مسموح في الأماكن العامّة لأنه يخرج عن إطاره التمثيلي والتعبيري والإيمائي ليصبّ في خانات تجعله خارجا عن المألوف ومؤذيا للنظر ومخلا بالآداب والأخلاق العامة”.

وعليه، يكون هذا القرار انبنى على توجّه أساسي مفاده أن مفهوم التعرّض للأخلاق والآداب العامّة يتم تفسيره بشكل أضيق عندما يطال الفن بناء على أن “ما هو جائز على المسرح غير مسموح في الأماكن العامة” بما يستعيد مقولة شهيرة في التاريخ العربي مفادها أن “للشعراء ما ليس لغيرهم” وذلك اعترافا بالوظيفة الاجتماعية للشعر في تلك الحضارة. وبالطبع، ما ينطبق من تضييق على مفهوم التعرّض للأخلاق والآداب العامة ينطبق على مجمل القيود على حرية التعبير، ومنها ما يتصل بسمعة كبار القوم أو الجيش حتى.

وهذا التوجه الذي اعتمدته محكمة الاستئناف إنما يلتقي تماما مع عدد هام من الآراء الفقهية والقرارات القضائية الأجنبية والتي تعتبر كلها أن للكوميديا هدفًا اجتماعيًا نبيلًا يستوجب الحماية القانونية. فعدا عن دورها في إضحاك الناس مع ما يستتبع ذلك من آثار إيجابية على صحة الإنسان وسلامته الجسدية والنفسية، فإن له فضلا عن ذلك دور أساسي في معالجة قضايا اجتماعية مأزومة يصعب معالجتها من خلال التصرفات أو النقاشات الجدية. فلنتابع.

انشر المقال

متوفر من خلال:

حريات ، المرصد القضائي ، محاكم عسكرية ، قرارات قضائية ، حرية التعبير ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية