كلمة المفكرة في المؤتمر الصحفي لمتابعة قضية الرملة البيضا


2017-03-21    |   

كلمة المفكرة في المؤتمر الصحفي لمتابعة قضية الرملة البيضا

معركة تنفيذ أحكام الرملة البيضا، تمهد لمعركة أكبر ضد التدخل في القضاء

بعد أسابيع من بدء معركة تنفيذ القرارات القضائية بوقف الأعمال في الإيدن باي ريزورت في الرملة البيضا، كان لا بد من وضع الإعلام ومن خلاله الرأي العام بتفاصيل ما يحصل، عملا بمبادئ الشفافية وأملا بمزيد من تأييد الرأي العام لهذه المعركة بوجه تنين يستبيح ما بقي لنا من بيئة وملك عام. وعليه، سأعرض هنا لأمرين: الأول يتصل بتفاصيل معركة تنفيذ القرارات القضائية، والثاني لاستخلاص الدروس منها والأهم لاستشراف معركة أكبر، هي المعركة التي ما تزال غير مرئية ضدّ التدخلات في عمل قضاة مجلس شورى الدولة لحمله على الرجوع عن قراراته، والتي تكثر الشائعات والأخبار حولها بشكل جدّ مقلق.

بخصوص الأمر الأول، أذكر أن الممانعة إزاء تنفيذ القرار القضائي الأول الصادر في 8/2/2017 عن مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ الرخصة الأساسية، جاءت للأسف من قبل محافظ بيروت القاضي في مجلس شورى الدولة زياد شبيب نفسه، والذي تذرع بإصدار رخصة تعديلية لرفض تنفيذ القرار المتصل حسب رأيه فقط بالرخصة الأولى. إزاء هذه الحجة التي لا تستقيم أمام أي بحث جدي على اعتبار أن وقف تنفيذ الرخصة الأساسية يؤدي حكما إلى توقيف أي رخصة تعديلية أو ملحقة لها لعدم جواز التجزئة بين الأساسي والتابع، شهدنا على أمر استثنائي: عشرات المواطنين يتظاهرون لإرغام قاضٍ على احترام قرارات القضاء. ورغم ضعف الحجة التي ساقها المحافظ، بدا لنا أن بعض وسائل الإعلام تأثرت بها، ولا سيما في ظل دعم فاخر المحافظ بإعلانه من وزير الداخلية نهاد المشنوق. وحسما للجدل، وتجنبا لإضاعة الوقت، تقدمنا بطعن جديد ضد الرخصة التعديلية طالبين من مجلس شورى الدولة وقف تنفيذها تبعا لوقف تنفيذ الرخصة الأساسية. وهذا فعلا ما حصل في 6/3/2017 مع صدور قرار ثان دحض في حيثياته وبوضوح كلي ذرائع محافظ بيروت مجردا إياه، بحكم موقعه، من قدرته على الممانعة. حاول المحافظ تأخير التنفيذ لكنه وجد نفسه مضطرا بعد ثلاثة أيام على إصدار أمر لقائد شرطة بيروت بوجوب التنفيذ وذلك في 9/3/2017. ولأسباب نجهلها، انتظرت شرطة بيروت اكثر من 24 ساعة من صدور القرار لتنفيذه وذلك في ليل 10/3/2017. وإذ اعتقدنا آنذاك أن الأعمال ستتوقف، صرح وكيل الشركة (وهو محام) أنها تعتبر نفسها غير ملزمة باحترام هذا القرار على اعتبار أنه أرعن وتم إصداره بخفة. وسوق هذا الوكيل أن تعذر إبلاغه رسميا القرار يبيح له استمرار الأعمال على الرغم من قرار المحافظ. وبعد هذا التصريح، حاولت الشركة في الأيام الأولى خرق القرارات بوقف الأعمال فأوقفتها شرطة بيروت مرتين. إلا أنه ابتداء من يوم 16/3/2017، بدا وكأن الشركة حصلت على ضوء أخضر من أحد المراجع السياسية فعادت تعمل من دون أن تحرك شرطة بيروت ساكنا. وقد بينت الإتصالات أن تغطية هذه المخالفة الفادحة ليست قانونية (فلا القضاء ولا المحافظ عاد عن قراره) إنما واقعية سياسية محض تتصل بموازين القوى على الأرض. وهذا ما أكدته مصادر في قوى الأمن الداخلي، وما أكده صمت وزير الداخلية المسؤول الأول عن أعمال قوى الأمن الداخلي. وفي موازاة ذلك، أملنا أن تتحرك رئاسة الجمهورية التي توجهنا إليها صراحة، من موقعها في حماية الدستور ومبدأي استقلال القضاء وفصل السلطات، لكن لم تجرِ الرئاسة حتى الآن معنا لأسباب نجهلها أي اتصال مباشر، وندعوها مجددا لإيلاء هذا الأمر الخطير ما يستحق منها من اهتمام.

وفي ظل هذا المشهد المقزز الذي شهد فيه المواطنون تسريع أعمال الورشة بخلاف قرارات تقضي بوقفها، بدأت معركة تنفيذ القرار الثاني. فلجأنا إذ ذاك إلى القضاء العدلي المستعجل لنسف ذرائع الشركة ووضع غرامة إكراهية رادعة في حال حصول أي مخالفة للقرارات القضائية. وفي حادثة فريدة من نوعها، تدخّل القضاء المستعجل لفرض احترام قرارات مجلس شورى الدولة تحت طائلة تسديد غرامة إكراهية قدرها مائة وخمسين مليون ليرة لبنانية عن أي مخالفة. وقرر القاضي وضع نسخة عن القرار على باب الورشة ضمانا لاحترامه. وقد دحض القرار في الوقت نفسه ذرائع الشركة كلها تماما كما آل القرار الثاني الصادر عن شورى الدولة إلى دحض ذرائع محافظ بيروت. ومع هذا القرار الثالث الذي ما يزال تنفيذه صامدا حتى الآن، نكون أعدنا بعض الإنتظام العام وقهرنا (لحين) ليس فقط الشركة إنما أيضا القوى الخفية التي عملت على تغطيتها.

وبصدور هذه القرارات الثلاثة القضائية، وما أعقب كلا منها من معارك لضمان تنفيذها، تكون قضية الرملة البيضا قد شكلت حدثا هاما ليس فقط في مسألة حماية البيئة والشاطئ، لكن أيضا في مسألة ضمان استقلال القضاء وضمان تنفيذ أحكامه.

ومهما حصل لاحقا، ستبقى هذه الأحداث وتصرفات الإدارة مؤشرا على انهيار حكم القانون ومدى انتشار الفساد، وستؤدي حكما وللأسف إلى تخفيض مرتبة لبنان أيضا وأيضا في سلم الدول التي تحترم القانون والبيئة أو تقر باستقلال القضاء. وهذا ما سنشهده عند نشر القتارير الدولية في هذا المجال. فهنيئا للمحافظ وللجهة الحاكمة ما أنجزته حتى الآن.

ولكن، الأخطر من ذلك، ورغم أهمية ما تحقق رمزيا وواقعيا، فإن ما شهدناه من تحدّ للأحكام القضائية، إنما يشكل مؤشرا شديد الخطورة على الحلقات القادمة من معركة الرملة البيضا. فقد أظهر مشهد التمرّد أننا في مواجهة جدّ قاسية ضد قوى جدّ نافذة. وتبعا لذلك، أول ما يتبادر في الأذهان: إذا كان بوسع هذه القوى النافذة استباحة كل شيء بوضح النهار من دون أن تخشى أي عقاب، فما عساها تحاول فعله في الغرف المغلقة والكواليس؟ وما يزيد من مشاعر القلق والإرتياب هو الشائعات التي تتواتر عن أكثر من مرجع بوجود مساعٍ لثني مجلس شورى الدولة عن قراراته بل بوجود توجهات لدى بعض كبار القضاة في التسويق لهذا الأمر، وهي شائعات نضعها حكما في سياق التهويل والتدخل في أعمال القضاء. ومن اللافت أن هذه الشائعات تزداد حدة كلما نجحنا في استصدار حكم أو قرار قضائي، كأنما المراد منها هو إضعاف ثقة الناس بالقضاء وإضعاف منعة القاضي والتأكيد على أن السلطة الحاكمة تتحكم بكل شيء ولا تترك مجالا لأي نوع من أنواع المقاومة الإجتماعية، سواء أتت من الناس أو من القضاء.

أمام هذا الواقع، لا يسعنا إلا أن نناشد مجلس شورى الدولة، وبخاصة القضاة الأعضاء في الغرفة الناظرة في القضية، جبه كل محاولات التدخل، ضمانا لحقنا بالتقاضي ولكل ما أنجز في هذه الدعوى من انتصارات للبنان برمته، انتصارات يجدر المحافظة عليها كما نحافظ على أثمن كنز. وكما برهنا في الأسابيع السابقة، يبقى خير حصن للقاضي هو قناعة الناس والرأي العام واستعدادهم للدفاع عن استقلاله.

وتبقى معركة الرملة البيضا مستمرة.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية