كامل نتائج الجلسة التشريعية المنعقدة في 18/4/2023: تراشق مسؤوليات بين الحكومة والبرلمان يطيح بالانتخابات البلدية

،
2023-04-19    |   

كامل نتائج الجلسة التشريعية المنعقدة في 18/4/2023: تراشق مسؤوليات بين الحكومة والبرلمان يطيح بالانتخابات البلدية

عقدت الهيئة العامة للمجلس النيابي جلسة تشريعية في تاريخ 18/4/2023 تحت عنوان “تشريع الضرورة”. وقد دفعت “ضرورة” تأجيل الانتخابات البلدية كتلة لبنان القويّ إلى الحضور وتاليا تأمين نصاب الجلسة، مقابل مقاطعة لها من كتلة الجمهورية القوية والتغييريين والكتائب وبعض المستقلّين بحجّة عدم دستورية التشريع قبل انتخاب رئيس للجمهورية. وفي حين أدّى هذا التغيّب إلى خفوت الأصوات الاعتراضية على الاقتراحات وتقصير النقاشات خلال الجلسة، إلّا أنّ ذلك لم يؤدّ إلى وأد التوتّر الذي بقي قائما بين رئيس الحكومة وفريقه من جهة، مقابل كتلة لبنان القوي من جهة ثانية.

بالمحصلة، وفي حين ورد على جدول أعمال الجلسة 5 اقتراحات مُعجّلة مُكرّرة، لم يُناقش ويُصوّت سوى على اثنيْن منها حيث اُقرّ التمديد للمجالس البلدية والاختيارية لمهلة أقصاها 31 أيّار 2024، بالإضافة إلى تعديل قانون الشراء العامّ، وفقاً لما جاء في اقتراح القانون المقدم من النواب جهاد الصمد، علي حسن خليل وألان عون، مع تجاهل اقتراحيْ القوات والاشتراكي تماما.

بناء على ذلك، سنقوم بدراسة مجريات الجلسة وبنودها.

البندان 1-2: تراشق مسؤوليات بين الحكومة والبرلمان يُطيح بالانتخابات البلدية

أُقرّ اقتراح قانون معجّل مكرّر مقدّم من النائبيْن جهاد الصمد وسجيع عطية يقضي بالتمديد للمجالس البلدية والاختيارية حتّى مُهلة أقصاها 31/5/2024. وقد أُقرّ الاقتراح بعد إضافة عبارة “مُهلة أقصاها”، على أساس السماح للحكومة بالقيام بالانتخابات فور جهوزيّتها لذلك، أي مع إمكانية القيام بالانتخابات قبل انتهاء المهلة. وفي ظُلّ الإضرابات لموظّفي القطاع العامّ وتعثّر تأمين التمويل حتّى اللحظة، وفي ظلّ ما قيل ولم يُنف أثناء الجلسة لجهة أنّ الحكومة لم تجتمع أصلا مع القضاة والموظفين المعنيين بالعملية الانتخابية، يتبدّى أنّه من الصعب أن تترجم الحكومة مواقفها التي أعلنت فيها على لسان رئيسها ووزير داخليتها استعدادها للقيام بالانتخابات قريبا. سيدفع ذلك الانتخابات إلى التأجيل أقلّه إلى فصل الشتاء، وهو ما سيُحتّم تأجيلها بسبب الظروف المناخية في القرى والبلدات مرّة أخرى حتّى ربيع العام 2024. ويتبدّى في هذا السياق أنّه تمّ استبعاد اقتراح آخر مقدّم من النائب الياس بوصعب للتمديد لمدّة 4 أشهر فقط.

المناقشات النيابية:

شهد النقاش حول الاقتراح حماوة في مناسبتيْن، الأولى تتعلّق بتقاذف المسؤوليات بين الحكومة ومجلس النواب حول تأجيل الانتخابات بحيث بدا جليّا عدم استعداد أحد تبنّي طرح التأجيل، والثاني نقاش أخذ أبعادا طائفية. وقد بقي الصوت المُعترض الوحيد على هذا التأجيل الذي سلّم به الجميع هو النائب أسامة سعد في ظلّ غياب الكتل والنواب الرافضين للتمديد.

وفي التفاصيل، بدأ النقاش النيابي النائب هادي أبو الحسن باسم كتلة اللقاء الديمقراطي مُعلنا الالتزام بالاستحقاقات كانتخاب رئيس الجمهورية والقيام بالانتخابات البلدية في موعدها وعدم تأجيلها. إلّا أنّ كتلته تعتبر أنّه أمام الواقع القائم قد يكون التأجيل ضروريا. لذلك يُفضّل أن يكون بأقصر مدى أي وفق اقتراح بو صعب لأربعة أشهر، بخاصة أنّ الحكومة ستجتمع بعد الظهر لتقرير موضوع التمويل. تدخّل رئيس المجلس النيابي نبيه برّي، مُدرّجا عبارة “التمديد التقني” التي كُرّرت من المدافعين عن التمديد خلال الجلسة، ومؤكدا أنّه تمّ التوصّل إلى صيغة إضافة عبارة “مهلة أقصاها” بحيث يُتاح للحكومة إجراء الانتخابات فور تخطّيها العقبات الموجودة. وعند إثارة النائب هادي أبو الحسن موضوع إمكانية طعن بعض الكتل بالقانون وإبطاله من قبل المجلس الدستوري، استعاد برّي عبارة كرّرها في العديد من الجلسات السابقة في كلّ مرّة أُثير فيها موضوع الطعن وهي “ما حدا بهددني”، ما ينم عن نظرة شخصية لبرّي للقانون واعتباره ملكا له، لا بل اعتباره اللجوء إلى المؤسسات الدستورية تهديدا شخصيا له.

الاعتراض الفعليّ الوحيد على التمديد والصيغة التي سيُقرّ بها كان من قبل النائب أسامة سعد. فقد اعتبر أنّ في الأمر مخالفة لمبدأ السلطات ولتعهّد الحكومة في بيانها الوزاري بإجراء الانتخابات في موعدها، وأنّ الحكومة حدّدت مواعيد الانتخابات إلّا أنّ نيّتها المبيّنة هي عدم القيام بها وهي تكذب في ذلك وتضلل اللبنانيين، وتُحاول الاحتماء بالمجلس النيابي للتغطية عن ذلك. ردّ على ذلك مباشرةً رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، مُعتبرا أنّ المجلس النيابي (من دون أن يُسمّيه) هو من يكذب على اللبنانيين، ما استفزّ كتلة لبنان القوي وعلا صراخ عدد من أعضائها دفاعا عن المجلس من اتّهامات ميقاتي.

استكمل النائب أسامة سعد مداخلته، معتبرا أنّ تغطية أخطاء الحكومة وتقصيرها ليس من مسؤولية المجلس النيابي، وأنّ اقتراحيْ التمديد يعفيان الحكومة من مسؤولياتها وهي سعيدة بذلك، ومسؤولية المجلس النيابي هي محاسبة الحكومة على تقصيرها وليس التغطية عن أخطائها حيث لم تؤمّن الظروف اللوجستية والبشرية لتأمين إجراء الاستحقاق. وقد اقترح سعد في هذا الصدد التالي:

  • عدم البت باقتراحيْ التمديد وبالتالي إجراء الانتخابات في موعدها،
  • أو تحميل الحكومة مسؤولياتها عبر تقديم مشروع قانون تطلب فيه تأجيل الانتخابات معلّلة في أسبابها الموجبة أسباب عدم قدرتها.

لم يأخذ رئيس المجلس النيابي بأيّ من الاقتراحيْن رغم تذكير سعد به لاحقا. 

الأخذ بنظرية الظروف الاستثنائية كان محور مداخلة مقدّم الاقتراح جهاد الصمد، حيث أكّد أنّه قبل يوميْن من إغلاق باب الترشيحات في الشمال لا يوجد أيّ مرشح بعد ما يُحتّم التأجيل، منتقدا “شعبوية” مؤيدي إجرائها في موعدها. النظرية نفسها برزت في مداخلة النائب علي حسن خليل الذي اعتبر أنّ المجلس النيابي لا يُغطّي على أحد بل هو يغطّي الفجوة التي ستحصل بعد نهاية شهر أيّار في حال عدم التمديد، وذلك ينبع من المسؤولية الوطنية لتأمين استمرارية السلطة المحلية، مؤكدا أنّه في ظلّ إضرابات الموظفين لا يُمكن اقيام بالانتخابات حاليا. وقد أيّد اقتراح رئيس كتلته لجهة إضافة عبارة “مهلة أقصاها”.

الإشكال الثاني خلال الجلسة حصل بعد مداخلة النائب جورج عطاللّه الذي أكّد أنّ الحكومة تحاول إلقاء المسؤولية على المجلس النيابي في التأجيل مذكّرا بأنّ وزير الداخلية قال في اجتماع للجان المشتركة أنّه ليس جاهزا للقيام بالمهمّة على عكس ما يشيعه في الإعلام. تدخّل ميقاتي وأعاد التأكيد على استعداده لإجراء الانتخابات، وقد أفصح أنّ رئيس المجلس النيابي قد طلب منه ألّا يقوم بإرسال مشروع قانون لفتح اعتمادات لغاية إجراء الانتخابات، وأنّ ذلك سيُقدّم باقتراح (اعتبر برّي لاحقا أنّ ميقاتي قد فجّر لغما بما قاله). وقد أضاف ميقاتي أنّ وجود كتلة لبنان القوي اليوم هو أكبر دليل أنّهم لا يريدون الانتخابات، وإلّا كان بإمكانهم عدم الحضور. حصلت حالة هرج ومرج داخل القاعة عقب كلام ميقاتي، بخاصة بين كتلة لبنان القوي والنائب أحمد الخير الذي انتفض دفاعا عن “رئاسة الحكومة” منتقدا، وبوجهة طائفية بطبيعة الحال، تحميل المسؤولية الدائم من قبل كتلة لبنان القوي لرئاسة الحكومة في كافة المشاكل التي تحصل.

عقب احتواء الإشكال، أعاد ميقاتي التأكيد على جهوزية الحكومة مع إمكانية تأجيل بسيط لحوالي أسبوعيْن، ما دفع النائب مروان حمادة لاقتراح تأجيل جلسة مجلس النواب إلى الخميس حتى ينتهي مجلس الوزراء من جلسته ويبت بالمواضيع المتعلّقة بالانتخابات البلدية ماديا ولوجستيا.

أمّا أحد مقدّمي الاقتراح سجيع عطية فلم ينحصر دفاعه بنظرية الظروف الطارئة بل تخطّاه إلى اعتبار إجراء الانتخابات وصرف الأموال عليها ليس أولوية، حيث اعتبر أنّه لا يوجد أيُّ إيجابية لإجراء الانتخابات في ظلّ التشنّج وأنّ نسبة الاقتراع ستكون أقل من 15% لأسباب مادية ونفسية ولوجستية، مؤكّدا أنّه يفضّل إعطاء ال9 ملايين دولار أي كلفة الانتخابات للبلديات الحالية حتى تتمكّن من العمل.

بعدها عُرض الاقتراح على التصويت وصُدّق بغالبية الحاضرين.

البند 3: إقرار تعديلات على الشراء العام من دون نقاش

أقرّ اقتراح القانون المعجل المكرر المقدم من النواب علي حسن خليل وجهاد الصمد وألان عون والمتعلق بتعديل قانون الشراء العام من دون نقاش، ومن دون أن يعرف من يؤيد التعديلات ومن يرفضها، إذ اكتفى رئيس المجلس النيابي بطلب التصويت على الاقتراح برفع الأيدي، قبل أن يعلن تصديقه ثم رفع الجلسة. أكثر من ذلك، لم يتأكّد رئيس المجلس من توفّر أكثرية مؤيدة لصفة العجلة ولإقرار القانون حيث لم يتسنّ للنواب رفع أيديهم بوضوح، وقد مرّ ذلك من دون أيّ اعتراض. 

وقبل ذلك، ونظراً إلى وورود اقتراحيّ قانون آخرين يتعلقان بقانون الشراء العام نفسه، أعلن بري دمجهما مع الاقتراح الأول، من دون أن تتضح آلية هذا الدمج، لاسيما أن الاقتراح المقدم من النائب هادي أبو الحسن (البند رقم 5) لا يرمي إلى إجراء تعديلات محددة على القانون، كما في الاقتراحين الآخرين، بل يرمي إلى إرجاء تطبيق قانون الشراء العام على البلديات باستثناء مراكز المحافظات لمدّة سنتيْن بحجة عدم امتلاك البلديات للمؤهلات والقدرات اللازمة لتطبيقه، وذلك تجنّباً للوقوع في مخالفته. أما الاقتراح المُقدّم من نواب الجمهورية القوية (البند رقم 4)، والذي يرمي إلى تعديل آلية تعيين أعضاء لجان الاستلام، بحيث يكون الاختيار من بين الواردة أسماؤهم في اللائحة الموحدة على أن يكون على الأقلّ أحدهم من خارج الإدارة المعنية (القانون الراهن يفرض أن يكونوا جميعاً من داخلها)، في حين أنّ القانون الحالي يُفيد بأنّ هؤلاء يجب أن يكونوا كلهم من داخلها. ويأتي السماح بالاختيار من اللائحة الموحدة لدى هيئة الشراء العام للسماح بحلّ مسألة افتقار معظم البلديات الصغرى للعدد الكافي من موظفي الفئة الثالثة. 

لكن مسألة الدمج تبين أنها ليست سوى مجرد عملية إسقاط تام للاقتراحيْن واعتبارهما كأنّهما لم يكونا، كان التصويت “الشكلي” على العجلة مرتبطاً بالاقتراح الأول فقط. وعلى الأثر، طلب النائب جهاد الصمد الكلام، وعدد أبرز التعديلات، معلناً أنه تم التوافق عليها مع هيئة الشراء العام.

تجدر الإشارة إلى أن رئيسة معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي لميا مبيض كانت حذّرت، في حديث لـ”المفكرة القانونية”، من سوء نيّة البعض في تكبير حجر التعديلات، معتبرةً أنّ المشاكل التي تواجه التطبيق لا تتعلّق بنص القانون نفسه بل بالظروف المحيطة به والتي تؤثر على إجراءات عمليات الشراء. ولذلك، هي ترى أنّ المشكلة الفعلية تتعلّق برفض التأقلم مع نمط جديد من العمل. إذ ليس سهلًا الانتقال من آلية غير مهنية إلى درجة عالية من المهنية واحترام المبادئ المعترف بها محليًا ودوليًا، وأوّلها الشفافية والحرص على المال العام. 

وتأكيداً على هذا الموقف، أصدر المعهد ملاحظاته على الاقتراح الذي أقرّ، معتبراً أن بعض مواده تمسّ بجوهر القانون وتقوض مبادئ أساسية. 

وعلى سبيل المثال، اعتبر المعهد أن تعديل المادة 11 (التي توجب على الجهات الشارية إعلام خطتها إلى هيئة الشراء العام في مهلة 10 أيام عمل من تاريخ إقرار الموازنة بدلاً من شهرين من بدء السنة المالية) يسبب مخاطر عالية على الانتظام المالية، مقترحة أن تكون المهلة مرتبطة بإقرار موازنة الجهة الشارية نفسها انطلاقاً من أن عملية التخطيط يجب أن تسبق وضع الموازنة وليس العكس. 

كما حذر المعهد من إخضاع المعايير والإجراءات التي تستخدم للتأكد من مؤهلات العارضين لموافقة هيئة الشراء العام، لأن هذا التعديل “يغير من طبيعة عمل الهيئة كجهة ناظمة مراقبة، ويجعلها طرفاً تنفيذياً ويدخلها بالتالي في تضارب المصالح كما يتدخل بعمل الجهة الشارية. والاعتراض نفسه شمل التعديل الذي يطال المادة 19، والذي يسمح للهيئة بالمشاركة بوضع معايير التصنيف للصفقات المتشابهة، إضافة إلى اعتبار أنه يحدّ من المنافسة ويزيد من مخاطر الفساد. علماً أن المعهد رأى أن عدداً من التعديلات الأخرى يساهم في زيادة المخاطر المرتبطة بالفساد، ومنها إضافة مهمة التحقق من مؤهلات أعضاء لجان التلزيم والاستلام إلى مهام الهيئة (“لا يمكنها التحقق منها من دون وجود قاعدة بيانات”)، وعدم اشتراط أن يكون أعضاء اللجان من المدربين حصراً والاكتفاء بإعطاء الأولوية لهم…

انشر المقال

متوفر من خلال:

دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، المرصد البرلماني ، البرلمان ، أحزاب سياسية ، تشريعات وقوانين ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية