قراءة في نتائج المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب (1): التأديبات لا تحتمل مؤازرة أكثر من شخص واحد


2018-06-18    |   

قراءة في نتائج المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالمغرب (1): التأديبات لا تحتمل مؤازرة أكثر من شخص واحد

أفرج المجلس الأعلى للسلطة القضائية في المغرب بعد طول انتظار عن جزء كبير من نتائج أشغاله برسم دورته الاستثنائية، التي انتهت نهاية السنة الماضية. وكان بقي منها شطر المسؤوليات القضائية التي تأخرت المصادقة عليها لمدة قاربت نصف العام، ثم نتائج أشغال الدورة العادية التي انطلقت بداية هذه السنة ولا زالت مستمرة. ولكن تم نشر جزء كبير من أشغال هذه الدورة، والتي تتعلق بملفات التأديب التي بت فيها المجلس حتى الآن وانتقالات القضاة بناء على طلبهم أو بناء على ترقيتهم أو النقل لسد الخصاص في محاكم معينة وتعيين القضاة الجدد. فقد تم تعيين أزيد من 200 قاضية وقاض[1].

وتعد هذه النتائج هي الأولى من نوعها في ظل المجلس الجديد الذي راهن عليه القضاة كثيرا والرأي العام ليكون منفتحا وشفافا ومعياريا في عمله على خلاف ما طغى خلال سنوات على عمل المجلس الأعلى للقضاء السابق من انغلاق وقلة الشفافية والمعاريية في تدبير وضعية القضاة[2] وفق تقارير بعض الجمعيات المهنية للقضاة.

وسوف نقوم في هذا المقال بتسليط الضوء على أشغال المجلس المشار إليها قبله، مبتدئين في جزئها الأول بالملفات التأديبية على أن نتطرق لباقي الأشغال في الجزء الثاني من هذا المقال.

أولا: الملفات التأديبية التي بت فيها المجلس

بت المجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال دورته العادية والاستثنائية المشار إليها قبله، في عدة ملفات تأديبية اختلفت مواضيعها بين المخالفات المهنية المنصوص عليها في القانون التنظيمي للمجلس أو النظام الأساسي للقضاة وبين ملفات فيها شبهة الارتشاء. وترواحت العقوبة فيها بين الانذار والتوبيخ والتوقيف والبراءة، فيما ملفات أخرى عرفت طريقها لمزيد البحث والتقصي[3].

وإذا كان يتعذر إجراء تقييم شامل لمضمون التأديب في حد ذاته لعدم نشر المجلس لمقرراته التأديبية إلى حد الآن، رغم أن القانون ينص على النشر وترك للمجلس فقط تحديد طريقته[4]، فإننا سنقف على مؤشر واحد هو المتوفر لدينا بشكل يقيني، وهو مؤشر يعطي فكرة  أولية كافية عن التوجهات الحقوقية لمؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية. يتعلق الأمر بحق الدفاع الذي كفله القانون للقضاة المحالين تأديبيا على المجلس. فمن المعلوم أنه في المحاكمات بشكل عام سواء كانت تأديبية أو عادية، يعد حق الدفاع حقا مقدسا لا يجوز المساس به أو الانتقاص منه تحت أي مبرر. فهل احترم المجلس الأعلى للسلطة القضائية هذا الحق فيما عرض عليه من ملفات تأديبية خلال هذه الدورة؟

لاحظنا من خلال ملف تأديبي عرض عليه بتاريخ 27-03-2018 وكان كاتب هذا المقال مؤازرا فيه لزميلين قاضيين إلى جانب مؤازر آخر قاض ونقيب سابق للمحامين وهو الأستاذ النقيب ابراهيم صادوق من مدينة مراكش المغربية، حضروا جميعا إلى جانب القاضيين موضوع المتابعة التأديبية وأعدوا كل ما يتعلق بالدفاع عنهما من المذكرة وتقسيم أدوار الدفاع. إلا أنه عند المناداة على القضية ودخولنا لقاعة المجلس وبحضور كل أعضاء المجلس العشرين تقريبا، تفاجأنا بأمر لم يخطر على البال ولم يتم أبدا توقعه. فقد طلب رئيس المجلس التأديبي في البداية من القاضيين المتابعين تأديبيا اختيار شخص واحد من الدفاع إما قاض أو محام ليتولى المؤازرة، فيما الباقي عليه أن ينسحب. وبعد القيام بمرافعة في الموضوع من طرف جميع الدفاع الحاضر، جدد الرئيس رفضه مؤكدا بكون ذلك قرار المجلس وليس قراره. وقد كان أمرا غير مطمئن أن خرجنا من القاعة للتداول فيما بيننا نحن الدفاع الثلاثة فيمن سوف ينسحب وفيمن سيبقى تنفيذا لقرار المجلس، في أول ملف تأديبي بهذا الشكل عرض على المؤسسة التي راهن عليها الجميع. وقد شكل القرار صدمة لهيئة الدفاع وخاصة للنقيب صادوق باعتبار النفس الحقوقي الذي تحمله مهنة المحاماة وبالتأكيد للقاضيين المتابعين من باب أولى.

وبعد اعتبار أن ذلك يشكل تنقيصا من حقوق الدفاع ومساسا جزئيا بضمانات المحاكمة التأديبية العادلة للقضاة، نتساءل عن مبررات المجلس الأعلى للسلطة القضائية لاتخاذ هذا القرار والتضحية بسمعته كمؤسسة ساهرة على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة وفقا لنص الفصل 113 من الدستور[5].

وبالعودة إلى النص القانوني المنظم لحق المؤازرة، نجد أن المادة 94 منه تنص على أن القاضي يؤازر إما بزميل قاض أو بمحام. ومن المعلوم في فقه قانون المسطرة/ المرافعات أن لا أهمية لمفهوم العدد لأن المقصود هو حماية حق الدفاع الذي يبقى حقا خالصا للقاضي المتابع والذي قد يأتي للمجلس التأديبي وحده أو مع زميل واحد أو مع عشرات الزملاء من القضاة والمحامين حسب اختياره. وهو نفس التفسير المطبق بالمحاكم في المحاكمات المدنية والجنائية، حيث تكون المحاكمات أحيانا بعشرات المحامين ولم يتجرأ أحد في أي حين على تحديد العدد في مؤازر واحد. بل أكثر من هذا سبق للمجلس الأعلى للقضاء السابق تحت رئاسة وزير العدل وبحضور عدد مهم من أعضاء المجلس الحالي أن قرر تحديد العدد في عشرة مؤازرين في كل ملف. ومع ذلك تم اعتبار هذا القرار، في حينه، أنه يشكل تنقيصا من حقوق الدفاع وجوبه بالاحتجاج من طرف الجمعيات المهنية للقضاة. ويلحظ أن النص الملغى وهو الفصل 61 من ظهير 1974 هو نفسه حافظ عليه القانون الجديد للمجلس ولم يدخل عليه أي تعديل.

ويبقى بعد قرار المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي لم نكن نتوقعه أو نتمناه اعتبارا لأهمية الموضوع ولسمعة المؤسسة الدستورية، لاسيما وأنها تضم في عضويتها بعض الشخصيات الحقوقية المعروفة بتاريخها، فضلا عن انعدام أي ضرر للمؤسسة من حضور حتى عشرات المؤازرين في قضية واحدة، فإننا ننتظر أن تقول الغرفة الإدارية بمحكمة النقض كلمتها في هذا الموضوع في حال قرر القضاة المعنيون الطعن أمامها.[6]

 


[1] – نُشرت النتائج بشكل متأخر بحوالي 15 يوما من انتهاء المجلس منها بحسب الوضعيات، في فضاء خاص غير متاح للعموم بموقع المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وجدير بالذكر أن نادي قضاة المغرب كان عبر في مراسلة أرسلها للرئيس المنتدب للمجلس ولاحقا في بيان عن مطالبة المجلس بالنشور الفوري وفق ما تنص عليه القانون التنظيمي والنظام الداخلي للمجلس. كما قام النادي بإخراج تلك النتائج من الفضاء الخاص بالقضاة ونشرها للعموم في صفحته على الفايسبوك المفتوحة.

[2] – مع استثناءات معينة في عهد الوزيرين  عمر عزيمان (1998-2002) ومصطفى الرميد (2012-2017) بحكم ان وزير العدل هو من كان ينوب عن الملك في ترؤس المجلس الأعلى للقضاء قبل أن يمنح دستور 2011 ذلك للرئيس الأول لمحكمة النقض. وقد رصد نادي قضاة المغرب منذ تأسيسه سنة 2011 هذا الواقع في بلاغاته وبياناته .

[3] – معلومات غير رسمية ، مستقاة من بعض القضاة المعنيين بالملفات التأديبية  أعلاه ، لكون المجلس لم ينشر لحد الآن (12-06-2018) قراراته التأديبية .

[4] – المادة 60 من القانون التنظيمي رقم 100-13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمادة 17 من النظام الداخلي للمجلس.

[5] – ينص هذا الفصل في فقرته الأولى على ما يلي :”يسهرالمجلس الأعلى للسلطة القضائية على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ولاسيما فيما يخص استقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم”.

[6] – نذكر هنا بأن جميع القرارات التي تهم وضعية القضاة والتي يبت فيها المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيسه المنتدب هي قرارات قابلة للطعن أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض وفقا لنص الفصل  114 من الدستور والمادتين 101 و102  من القانون التنظيمي للمجلس.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، مقالات ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية