قراءة في نتائج الدورة الأخيرة للمجلس الأعلى للقضاء في المغرب


2014-03-13    |   

قراءة في نتائج الدورة الأخيرة للمجلس الأعلى للقضاء في المغرب

أسدل الستار مؤخرا على نتائج الدورة الأخيرة للمجلس الأعلى للقضاء، وقد شمل جدول أعمال هذه الدورة البت في طلبات انتقال القضاة، وتعيين فوج جديد منهم (الفوج 38)، وتعيين قضاة بمحكمة النقض، وتعيين قضاة في مناصب المسؤولية، فضلا عن البت في المتابعات التأديبية، وتكليف عدد من القضاة لسد الخصاص ببعض المحاكم.

وتكتسي نتائج الدورة الاخيرة للمجلس الأعلى للقضاء أهمية بالغة بالنظر إلى سياقها العام المتزامن مع الحراك القضائي الذي يشهده المغرب بفضل الجمعيات المهنية القضائية التي تحولت إلى أداة لمراقبة المجلس. وقد بلغ هذا الحراك مستوى لافتا بعدما أصدر نادي قضاة المغرب في أول سابقة من نوعها بيانا لتقييم نتائج احدى دورات المجلس الأعلى للقضاء الذي ظل ولوقت طويل يشتغل في منأى عن أي مراقبة لا قبلية ولا بعدية، بسبب القداسة التي حاول البعض اضفاءها على أشغاله. وفي الاتجاه نفسه، يسجل تزايد مطالب كل الفاعلين بضرورة اخضاع طريقة اشتغال المجلس لمعايير موضوعية تكفل تحقيق تكافؤ الفرص بين القضاة لتعزيز ثقتهم في هذه المؤسسة كمدخل رئيسي لتكريس استقلال القضاة واستقلال القضاء. فإلى أي حد استجابت مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء إلى مطالب القضاة؟ وإلى أي مدى انعكس الحراك القضائي خصوصا والحراك المجتمعي عموما الذي نعيشه في ظل دستور 2011 على نتائج هذه الدورة التي قد تكون هي الأخيرة في حال صدور قوانين السلطة القضائية الجديدة التي تمهد لإنشاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي سيشتغل بمعايير وقوانين جديدة وتركيبة حديثة وفي سياق مختلف؟

التعيين في مناصب المسؤولية القضائية:
أفرزت الدورة الأخيرة للمجلس الأعلى للقضاء تعيين 9 مسؤولين قضائيين جدد من مجموع 14 مسؤولا في المحاكم الابتدائية، وتعيين 6 مسؤولين قضائيين جدد من مجموع 10 مسؤولين في محاكم الاستئناف. والمثير للاستغراب حسب النتائج المعلن عنها أخيرا أنه لم يتم تعيين أي امرأة قاضية في منصب المسؤولية القضائية، مما يطرح عدة علامات استفهام حول مدى مراعاة المجلس الأعلى للقضاء لمقاربة النوع الاجتماعي أثناء تدبيره للوضعية الفردية للقضاة عموما، وعند بته في ملفات تعيينات القضاة في مناصب المسؤولية القضائية على وجه الخصوص. ويبلغ هذا التساؤل على ضوء تزايد نسبة النساء القاضيات بالمغرب وعلى ضوء الفصل 19 من الدستور الجديد 2011 الذي كرس مبدأ المناصفة بين الجنسين. وبالتالي لا يعقل أبدا تعيين 24 مسؤولا قضائيا ليس من بينهم أي مسؤولة قضائية. فهل مرد ذلك انعدام الكفاءات النسائية، أم مرده عدم تسليط الضوء على الكفاءات النسائية الموجودة، أم مرده بالأساس المعايير التي يستند عليها المجلس الأعلى للقضاء والتي تقصي وبشكل متعمد المرأة القاضية وتحول دون وصولها إلى مراكز صنع القرار، وإلى كرسي المسؤولية القضائية على سبيل المثال؟

لا شك أن نتائج الدورة الأخيرة للمجلس في الشق المتعلق بالمسؤوليات القضائية تدعو لإعادة فتح نقاش كبير حول معايير اسناد المسؤولية القضائية ومدى أخذ المجلس بعين الاعتبار لمقاربة النوع الاجتماعي التي أصبحت محورا لكل السياسات العمومية بل وأداة لتمكين المرأة ولإدماجها في التنمية.

وبقراءة نتائج الدورة الأخيرة للمجلس الأعلى للقضاء بإعمال مقاربة النوع الاجتماعي أيضا، يلاحظ استمرار الظاهرة التي سبق تسجيلها وبكثير من القلق وهو وجود محاكم ذكورية بامتياز. فقد حافظ المجلس الأعلى للقضاء على تقليد سابق يقضي باستثناء تعيين النساء القاضيات بعدد من المحاكم. وإذ كان من شأن ذلك أن يكشف عن تواجد معاملة تفضيلية للمرأة القاضية وبالتالي عدم تحميلها مشاق العمل بمناطق نائية، إلا أنه ينم من جهة أخرى عن هدر لحقوق النساء المتقاضيات وإغفال للأدوار التي يمكن أن تلعبها مؤسسة المجلس الاعلى للقضاء من أجل تجاوز الصورة النمطية المنتشرة داخل اوساط واسعة بخصوص المرأة. فمقاربة النوع الاجتماعي ينبغي ان ينظر اليها من وجهتي نظر متكاملتين: باعتبارها حقا للمرأة القاضية، وحقا للمرأة المتقاضية أيضا، بل وحقا للمجتمع برمته.

وإذا كانت المرأة المغربية قد استطاعت ان تحتل جميع المناصب وتشغل جميع الوظائف سواء في المدن الكبرى أو المدن الصغرى والقرى والمناطق النائية (على سبيل المثال قطاع الصحة، والتعليم..)، فإن الخريطة القضائية الراهنة لم يلحقها تعديل كبير على مستوى تواجد النساء القاضيات اللواتي بقين متمركزات بمحور ضيق كاد أن يؤدي إلى نشوء ظاهرة تأنيث بعض المحاكم (على سبيل المثال المحكمة الابتدائية بالقنيطرة) بينما لا تزال تتواجد محاكم لا توجد فيها أي امرأة قاضية. فما هي أسباب هذه الظاهرة؟ وهل هي تفسر باستمرار عقليات ذكورية ما تزال ترفض تقلد المرأة لكرسي القضاء رغم أن المرأة المغربية كانت سباقة لذلك عربيا وإسلاميا في وقت مبكر مند سنة 1961؟ في هذه الحالة، كان المفروض التدخل من أجل المساهمة في تغيير العقليات السائدة وليس العمل على التطبيع معها، من خلال الابقاء على خريطة قضائية تكرس التمييز الواضح بين الجنسين.
 
التعيينات والانتقالات:
من جهة ثانية إذا حاولنا قراءة نتائج الدورة الأخيرة للمجلس الاعلى للقضاء وربطها بالانتماء الجمعوي لعدد من القضاة، يمكن القول أن ثمة استجابة لطلبات عدد كبير من القضاة لا سيما على مستوى طلبات الانتقال وذلك ليس من باب الامتياز أو المعاملة التفضيلية كما يحاول البعض أن يلمح لذلك (على سبيل المثال انتقال رئيس نادي قضاة المغرب من ابتدائية تاونات إلى استئنافية مكناس، وانتقال الكاتب العام للنادي من نفس الابتدائية المذكورة إلى المحكمة التجارية بالرباط..)، وإنما مرد الاستجابة إلى طلبات الانتقال المقدمة بهذا الخصوص هو استيفاؤها للمعايير التي سبق وأن وضعها المجلس في قانونه الداخلي خاصة على مستوى المدد القانونية اللازمة للانتقال بين المحاكم المصنفة في المناطق "أ"،"ب"، و"ج". وبالتالي ما وقع على أرض الواقع هو تطبيق للنصوص القانونية الموجودة وانتصار لمبدأ معيرة طريقة عمل المجلس الأعلى للقضاء –ولو بشكل جزئي- كمطلب هام جدي ومسؤول وعاجل رفعه القضاة ورفعته جمعياتهم المهنية القضائية وفي مقدمتها نادي قضاة المغرب.

وبقدر ما كانت نتائج المجلس الأعلى للقضاء موضوعية إلى حد كبير في الشق المتعلق بالانتقالات، فإنها لم تخل من تسجيل حالات تم من خلالها حرمان عدد من القضاة لأسباب غير مفهومة من المعايير المذكورة وذلك بتنقيل القاضي الأحدث قبل الأقدم إلى نفس المحاكم المطلوبة (تنقيل عدد من قضاة الفوج 35 قبل الفوج 34، أو قضاة من الفوج 37 قبل الأفواج 36 و35 و34..)، بل وإقصاء حق قضاة في الانتقال رغم كونهم قد راكموا من الأقدمية مدة كافية تبرر الاستجابة إلى طلباتهم بالرغم من تقديمهم لمبررات معقولة ووجود مناصب شاغرة (بدليل التعيينات أو الانتقالات الجديدة). ومن المؤاخذات التي يمكن تسجيلها في هذا السياق عدم انصاف بعض القضاة المتضررين من سياسة اعادة الانتشار (قضاة الفوج 34) وعدم تلبية طلبات انتقالهم رغم ان انتقالهم من "محاكم التعيين الأولى" إلى "المحاكم المنتشر إليها"، كان بشكل قسري وليس بناء على طلب منهم، بل واستفادة عدد من القضاة من الانتقال إلى محاكم مصنفة ضمن المنطقة "أ" دون اكمالهم المدة اللازمة لذلك، وأحيانا على حساب زملائهم من أفواج سابقة ممن استوفوا المدة القانونية.

ان ذات الملاحظات بنسبية الموضوعية في طريقة تعامل المجلس الأعلى للقضاء مع ملف الانتقالات يمكن تسجيلها على مستوى ملف تعيينات القضاة الجدد إذ وبالرغم من حرص المجلس على تعيين القضاة الأوائل وفق ترتيبهم بحسب رغباتهم المعبر عنها وطبقا لمعيار الاستحقاق، فإن هذا المعيار تم تجاهله على مستوى عدة حالات أخرى، مما يعيد وبإلحاح طرح مطلب معيرة طريقة عمل المجلس الاعلى للقضاء على مستوى البت في تعيينات القضاة الجدد باعتبارها مناسبة مهمة لتكريس استقلال القضاة، ومساواتهم أمام أعلى هيئة دستورية تسهر على ضمانات استقلالهم.
لكن تبقى الظاهرة اللافتة بالنسبة لتعيينات القضاة في علاقتها بانتمائهم الجمعوي المعلن عنه هو استثناء القضاة المنتمين إلى نادي قضاة المغرب خاصة منهم قضاة الدرجة الاستثنائية من التعيين بمحكمة النقض. فرغم تعيين 11 قاض كمستشار بمحكمة النقض، فإن هذه التعيينات لم تشمل أي قاض يعلن صراحة انتماءه لجمعية نادي القضاة، لتبقى حالة المستشار محمد عنبر نائب رئيس هذه الجمعية ورئيس غرفة بمحكمة النقض مثالا فريدا يكشف عن صعوبة اختراق رياح التغيير لأعلى محكمة تتصدر الجسم القضائي أريد لها ان تبقى في معزل عن حالة الحراك التي تشهده مختلف مكونات الجسم القضائي.
 
تكليف القضاة:
من جهة ثالثة وبالوقوف على نتائج الدورة الاخيرة للمجلس الأعلى في علاقتها بموضوع "تكليف قضاة في درجات أعلى"، يلاحظ ان المجلس الاعلى للقضاء عاد من جديد لانتهاج أسلوب التكليف لمواجهة الخصاص المسجل على مستوى عدد من محاكم الاستئناف ببعض المناطق النائية وخاصة محاكم العيون، الراشدية، وورزازات. وإذا كانت النقطة الايجابية التي تم تسجيلها بهذا الخصوص هو حصر حالات تكليف القضاة للقيام بمهام أعلى من درجاتهم على القضاة الذين يزاولون مهامهم بمحاكم نائية وذلك في إطار تحفيزهم وتشجيعهم على العمل في تلك المحاكم. إلا أن الملاحظ في هذا الصدد هو غياب المقاربة التشاركية من طرف المجلس إذ لم يعمد على استشارة القضاة الذين قرر تكليفهم على هذا الوجه، على الرغم من أن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى المس بحصانتهم من النقل وتنقيلهم دونا عن ارادتهم ودون تقديمهم لأي طلب بهذا الخصوص. وهكذا تفاجأ حوالي 13 قاض بتكليفهم بمهام من درجة أعلى وتعيينهم بمحاكم استئناف وتنقيلهم لها دون استشارتهم أو أخذ رأيهم، بل ودون أدنى معايير واضحة تفسر مفهوم المصلحة القضائية التي ينبغي أن تسري على جميع قضاة المملكة وليس على جزء منهم دون الآخر، وكان من المؤسف أن من بين القضاة الذين تم تنقيلهم بمبرر "التكليف" قضاة خضعوا قبيل سنوات قليلة لإعادة الانتشار دونا عن ارادتهم تحت مبرر المصلحة القضائية وكأن هذا المعيار لا يسري إلا عليهم دون من سواهم.

وإذا رجعنا للمعايير التي ذكر بلاغ وزارة العدل والحريات أنه تم اعتمادها عند البت في ملفات تكليف القضاة نجد أنها تشتمل على: الكفاءة، خلو الملف من أي ملاحظة سلبية مهنية أو أخلاقية، مراعاة عنصر القرب الجغرافي، قضاء مدة لا يستهان بها في الدرجات الحالية، والظروف العائلية والاجتماعية. والملاحظ بخصوص هذه المعايير أنها تعدم ارادة القاضي المعني بالأمر في الاختيار. كما أنها غير واضحة فما المقصود مثلا بالظروف العائلية والاجتماعية للقاضي على سبيل المثال؟ هل ذلك ينصرف إلى الحالة العائلية للقاضي المعني بالأمر وما إذا كان أعزبا أو متزوجا، وله أبناء ..؟ مع العلم بأن حالات التكليف التي كشفت عنها الدورة الأخيرة للمجلس الأعلى شملت قضاة متزوجين وقضاة غير متزوجين بل وقضاة متزوجين ولهم أبناء وزوجاتهم موظفات أيضا مما يدل على أنه لم يتم مراعاة عنصر الظروف الاجتماعية في هذه الحالات.
وكان بإمكان المجلس الاعلى للقضاء أن يتفادى هذه الانتقادات بإجراء بسيط لن يكلفه الكثير سوى اعلان عدد المناصب الشاغرة في محاكم الاستئناف المعنية بالتكليف وفتح المجال أمام القضاة الراغبين في الانتقال اليها والاستفادة من تكليفهم بدرجة أعلى من درجتهم، وذلك بعد اعلان المعايير والشروط اللازمة بشكل قبلي في إطار الشفافية والتحفيز. وبهذا الاجراء البسيط سيجمع المجلس بين ضمان حق القاضي في عدم النقل إلا بناء على طلبه، والمصلحة القضائية التي تقتضي تنقيل عدد من القضاة للعمل بمناطق نائية تعاني من خصاص كبير.
 
طلبات تصحيح الوضعية الفردية للقضاة:
من جهة أخرى يلاحظ أن المجلس الاعلى للقضاء وحسب النتائج المنشورة مؤخرا عبر الموقع الرسمي لوزارة العدل لم يعر أي اهتمام لطلبات تصحيح الوضعية الفردية التي تقدم بها مجموعة من القضاة ممن سبق وأن قضوا مدة طويلة في العمل بمناطق نائية. ففيما تمت الاستجابة قبيل أشهر قليلة لطلبات انتقالهم للمحاكم التي يرغبون العمل فيها، الا أنهم تفاجؤوا بإعادة تنقيلهم من جديد إلى محاكم استئناف أخرى (بمناطق نائية) بسبب ترقيتهم إلى الدرجة الثانية بالرغم من أنهم لم يكملوا المدة القانونية في المحاكم التي انتقلوا اليها بناء على طلباتهم. بل ولم يتقدموا بأي طلب انتقال جديد. وهكذا بدا المجلس الأعلى للقضاء عاجزا عن انصاف هذه الفئة من القضاة وأغلبهم من الفوج 33 مثلما ظل عاجزا عن انصاف القضاة الذين تعرضوا لما يسمى بإعادة الانتشار من الفوج 34، ليبقى السؤال مطروحا حول المعايير المعتمدة للبت في هذا النوع من الملفات وما إذا كانت تراعي معيار العمل بالمناطق النائية، ومعيار الانتقال بناء على طلب القضاة المعنيين بالأمر. 
 
المتابعات التأديبية:
واصل المجلس الأعلى للقضاء البت في المتابعات التأديبية المنسوبة لعدد من القضاة، وذلك بالرغم من اعتراضات جمعياتهم المهنية التي سبق وأن طالبت بإيقاف البت في المتابعات التأديبية إلى حين تشكيل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وصدور القوانين التنظيمية الجديدة. ويلاحظ في هذا الصدد أن وزارة العدل تراجعت عن سابقة نشر أسماء القضاة المتخذ في حقهم عقوبة العزل أو الاحالة إلى التقاعد التلقائي والتي خلفت ردود أفعال قوية داخل أوساط الحقوقيين لكون ذلك النشر لا يستند على نص قانوني كما أنه استباق للممارسة القضاة المعنيين لحقهم في الطعن. وفي ذات السياق عمدت وزارة العدل والحريات إلى نشر المعايير التي تم اعتمادها من طرف المجلس عند نظره في الملفات التأديبية للقضاة والتي تتجلى فيما يلي:

–       اعتماد عقوبة العزل أو الإحالة على التقاعد التلقائي في قضايا الانحراف والفساد؛
–       عقوبة الاقصاء المؤقت عن العمل في المخالفات المهنية الجسيمة؛
–       عقوبة الانذار والتوبيخ في المخالفات التي لا تتسم بالجسامة؛
–       البراءة في حالة المخالفات المرتكبة بدون قصد، أو في حالة التبرئة.

وإذا كان بلاغ وزارة العدل قد ركز على العقوبات التأديبية المتخذة في حق عدد من القضاة، إلا أنه غاب عنه كشف ضمانات المسطرة التأديبية التي مكنهم منها والتي يبدو أنها غائبة تماما. فقبل الحديث عن عقوبات العزل والتوبيخ والإقصاء المؤقت عن العمل والاحالة على التقاعد، لا بد من الكشف عن ضمانات المحاكمة العادلة، وحدود ونطاق السلطة التقديرية الممنوحة للمجلس في تقييم موجب الاحالة وتقدير ما اذا كان الفعل المنسوب للقاضي المعني بالأمر على درجة كبيرة من الخطورة من عدمه، وتقدير وسائل الاثبات وتمكين القاضي المحال على المجلس ودفاعه من الاطلاع على جميع وثائق ملف المتابعة، والحق في تجريح الهيئة، ومدى حياد هذه الأخيرة، واستقلال جهة المتابعة عن جهة الحكم. وإذا كانت كل هذه المقتضيات شبه غائبة عن اعتبار المجلس الأعلى للقضاء فإن ذلك يدفع لطرح التساؤل التالي: لماذا تبدو قرينة الادانة أكثر جاذبية أمام الهيئة التأديبية للقضاة بالمغرب؟

وأخيرا وباستثناء المؤاخذات التي لن تمل الجمعيات المهنية القضائية من تسجيلها على مستوى استمرار المجلس في البت في الملفات التأديبية للقضاة، وباستثناء الحالات التي تم تسجيلها بخصوص بعض الاختلالات على صعيد البت في طلبات انتقال عدد من القضاة وكذا تكليفهم، أو عدم موضوعية تعيينات قضاة آخرين بالنظر إلى معيار الاستحقاق، لا بد من الاعتراف بأن المجلس الأعلى للقضاء تفاعل وبشكل كبير مع الحراك القضائي الذي تعيشه الساحة القضائية الوطنية، وحاول تطوير طريقة عمله من خلال الحرص على اعتماد معايير موضوعية وشفافة. ولا أدل على ذلك من اعلان المعايير المعتمدة من قبله، ونشر نتائج أشغال الدورة الأخيرة على غرار سابقاتها بشكل علني، وان كنا نفضل أن يتم النشر من خلال موقع خاص بالمجلس الأعلى للقضاء وليس من خلال بوابة وزارة العدل والحريات تجسيدا لمبدأ الاستقلال الفعلي والحقيقي للسلطة القضائية الذي ينبغي أن يشرع في تنزيله على أرض الواقع حتى وان تأخر صدور القوانين التنظيمية.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، المغرب ، المرصد القضائي ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية