شكايات القضاة المعفيين ضدّ وزيرة العدل في تونس: عدم الامتثال لأحكام القضاء “فساد” أيضا


2023-01-24    |   

شكايات القضاة المعفيين ضدّ وزيرة العدل في تونس: عدم الامتثال لأحكام القضاء “فساد” أيضا
من صفحة الرئاسة التونسية على فيسبوك

أعلن العياشي الهمامي، منسّق هيئة الدفاع عن استقلاليّة القضاء والقضاة المعفيين، في نقطة إعلاميّة أمام قصر العدالة بتاريخ 23 جانفي 2022، عن إيداع شكايات جزائيّة نيابة عن 37 من بين القضاة المعفيين ضدّ وزيرة العدل ليلى جفّال، بسبب رفضها تنفيذ الأحكام الصادرة عن الرئيس الأول للمحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ الأمر الرئاسي المتعلّق بإعفائهم. وقد استندتْ هذه الشكايات بالأخصّ إلى القانون المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين، الذي يصنّف “تعطيل قرارات السلطة القضائية” ضمن تعريفه للفساد، والفصل 315 من المجلة الجزائية الذي يجرّم “عدم الامتثال للأوامر والقرارات الصادرة ممن له النظر”.

تأتي هذه الخطوة بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على صدور أمر الإعفاء في حقّ 57 قاضيا غالبيّتهم لم تتعلّق بهم أيّة ملفات تأديبيّة، وهو ما سمّته المفكّرة “مذبحة القضاة”، وبعد أكثر من خمسة أشهر على صدور أحكام إيقاف تنفيذ أوامر الإعفاء لصالح 47 منهم. فبعد أن كان منتظرا أن توفّر أحكام إيقاف التنفيذ مخرجا يحفظ شيئا من ماء الوجه للسّلطة في هذا الملفّ، خصوصا بعد انكشاف حجم المظلمة، فضّلت وزيرة العدل، ومن ورائها الرئيس قيس سعيّد، التعنّت والهروب إلى الأمام. فشرعت من حينها في إثارة تتبعات ضدّ القضاة المعفيّين بتهم ثقيلة وملفات فارغة، كما أغلقت مكاتبهم وغيّرت مفاتيحها ووضعتها تحت الحراسة الأمنيّة، في حين لا يزال سعيّد يعطّل صدور الحركة القضائيّة السنويّة منذ أشهر، برفضه دمج القضاة الذين أنصفتهم أحكام توقيف التنفيذ ضمنها.

وقد أشارت هيئة الدفاع عن استقلالية القضاء والقضاة المعفيين بأنّ كتابة المحكمة الإدارية قد قامت بإعلام وزارة العدل بقرارات توقيف التنفيذ، بالإضافة إلى أنّ القضاة المحكوم لفائدتهم قد قاموا بدورهم بإعلام الوزارة عبر محاضر إعلام مبلّغة عن طريق عدول تنفيذ، مما يفقد وزيرة العدل أيّ تعلّة إجرائيّة ممكنة لعدم تنفيذها. كما ذكّرت الهيئة بأنّ “قرارات توقيف التنفيذ هي قرارات باتّة وغير قابلة لأيّ وجه من أوجه الطعن ولو بالتعقيب طبق منطوق الفصل 41 من قانون المحكمة الإدارية”، وبأنّها “واجبة التنفيذ فورا بدون توانٍ”. استندت الشكاية كذلك إلى الفصل 111 من دستور 2014 الذي يحجّر الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية أو تعطيل تنفيذها، وهو الدستور الذي صدرت القرارات القضائية زمن نفاذه، بما أنّ “دستور” سعيّد، بقطع النظر عن افتقاده لأيّ شرعيّة وأيّ مشروعيّة، لم يدخل حيز النفاذ إلا بعد ختمه في 17 أوت 2022. كما استندت إلى المادّة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 التي تنصّ على ضمان “قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لصالح المتظلمين من انتهاك حقوقهم”، وأيضًا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، المصادق عليها هي الأخرى من طرف الدولة التونسية، والتي تعتبر تعطيل القرارات القضائية من قبيل الفساد.

يشار إلى أنّ اعتبار تعامل السلطة مع ملفّ القضاة المعفيّين من قبيل الفساد، كان موضوع التصريح الإعلامي الذي يلاحق من أجله منسّق هيئة الدفاع العياشي الهمامي، بمبادرة وحرص من وزيرة العدل نفسها. إذ يجابه الهمامي من أجل هذا التصريح عقوبة قد تصل إلى 10 سنوات سجنا، على معنى الفصل 24 من المرسوم عدد 54 الذي أصدره سعيّد نفسه، بتهمة “استعمال شبكات وأنظمة اتصال لترويج ونشر إشاعات كاذبة بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام ونسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته والمستهدف منه موظف عمومي”. هذا المرسوم أثار ولا يزال معارضة كبيرة داخل الأوساط الحقوقيّة والسياسيّة والإعلاميّة، إذ تحوّل إلى أداة سهلة لملاحقة الأصوات المعارضة، وآخرها شيماء عيسى القياديّة في “مواطنون ضدّ الانقلاب” وجبهة الخلاص الوطني، بالإضافة إلى تهم “إتيان أمر موحش ضدّ رئيس الدولة” و”تحريض العسكريين على عدم إطاعة الأوامر”.

وفيما تتمادى السلطة في نهجها القمعي ليس فقط تجاه معارضيها، وإنّما أيضا تجاه ضحاياها من القضاة المعفيّين، تأتي خطوة هؤلاء لتشديد الضغط على وزيرة العدل كي تلتزم بالقانون وتنفّذ أحكام إيقاف التنفيذ وترفع المظلمة التي ساهمت بشكل مباشر فيها. فإزاء سلطة لا تعترف بالخطأ وتفضّل نهج المكابرة، بل لا تكترث حتى من منطلق إنساني أمام خوض قضاة لإضراب الجوع دام لأسابيع، لم يتبقّ للقضاة المعفيّين الكثير من الوسائل للدفاع عن حقوقهم. وبالرغّم من جدّيتها، تبقى حظوظ متابعة النيابة العموميّة لهذه الشكاية محلّ تساؤل، بالنظر إلى الضغوط السياسيّة القويّة الممارسة على قضاتها، وإلى إبقاء سيف الإعفاء الرئاسي مصلتا على رقابهم. فقد منح سعيّد لنفسه، بعد أن قام في مرحلة أولى بحلّ المجلس الأعلى للقضاء الشرعي وتنصيب مجلس مؤقت مكانه، سلطة إعفاء القضاة مباشرة، من دون اشتراط مسار تأديبي يضمن حقوق الدفاع، وذلك بناء على تقارير “الجهات المخوّلة”.

يواصل بذلك القضاة المعفيون حراكهم للدفاع على حقوقهم، معوّلين ليس فقط على تضامن زملائهم من القضاة، وإنّما أيضا على المحاماة التونسيّة، التي بدأت تتحرّك بشكل أوضح وأوسع هي الأخرى، خصوصا بعد أن طالتها الأيادي القمعيّة بشكل مباشر. لا يتعلّق الأمر فقط بملاحقة العياشي الهمامي، التي خلقت تضامنا واسعا معه داخل زملائه المحامين من كلّ الأطياف السياسيّة، وإنّما أيضا بالقرارات الأخيرة لمحكمة الاستئناف العسكريّة، بحقّ سيف الدين مخلوف، المحامي والنائب عن ائتلاف الكرامة، والمهدي زقروبة، والقاضية بسجنهما مع النفاذ العاجل وحرمان الثاني من ممارسة المحاماة لخمس سنوات، على خلفيّة ما عرف بقضيّة “المطار”. أحكام تؤكّد هي الأخرى المنحى القمعي للسلطة، وترصّ صفوف النضال نصرة للحقوق والحريات.

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، محاكم جزائية ، استقلال القضاء ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية