دور الجمعيات المهنية للقضاة في تخليق منظومة العدالة: نادي قضاة المغرب نموذجا


2012-10-01    |   

دور الجمعيات المهنية للقضاة في تخليق منظومة العدالة: نادي قضاة المغرب نموذجا

"أي مبادرة للتخليق لن يكتب لها النجاح، الا إذا انبثقت من داخل الجسم القضائي".هذه الكلماتوردت في هذا الكتاب الذي ننشره للقاضي المغربي ياسين مخلي، صاحب المبادرة في انشاء هذا النادي في 2011 والذي سرعان ما بات رقما صعبا في المعادلة القضائية المغربية. وهي عبارة تستحق التفكير في أكثر من بلد عربي، حيث تعتمد غالبا السلطة التنفيذية خطابا تظهر ذاتها فيه بصورة المتجرد المصلح ويظهر فيه القضاء مظهر الفاسد الذي تعمل هي على اصلاحه. وما يصح على التخليق يصح على الاصلاح بشكل عام، بحيث تظهر غالبا السلطة التنفيذية مظهر الفاعل المبادر الى الاصلاح فيما يبقى القضاة مجرد متلقين لا دور لهم فيه. وهذا هو الخطاب الذي سعى النادي بالدرجة الأولى الى نقضه: فلا اصلاح للقضاء الا مع تعزيز استقلالية القضاة، وبكلمة أخرى: لا اصلاح للقضاء الا اذا بات القاضي فاعلا فيه (المحرر).    
ياسين مخلي
يعتبر تخليق منظومة العدالة المدخل الحقيقي لتخليق الحياة العامة، فغير خاف على الجميع الدور المحوري الذي تلعبه السلطة القضائية في ضمان شفافية أداء باقي الوظائف داخل الدولة وكذا حماية الأمن القضائي بجميع تجلياته، والذي يعتبر محاربة الفساد أحد ركائزه الأساسية. كما أن ضمان عدالة نزيهة يعد الصورة التي تجسد مساواة المواطنين أمام القضاء وتدعم ثقتهم فيه.
ويبقى دور الجمعيات المهنية للقضاة من أهم الأدوار التي من شأنها المساهمة الواعية في تخليق منظومة العدالة، الا أن ذلك يستلزم كذلك توفر ارادة سياسية تستند الى برامج متكاملة.
أولا: أهمية دور الجمعيات المهنية للقضاة في تخليق منظومة العدالة "تجربة نادي قضاة المغرب":
تلعب الجمعيات المهنية للقضاة أدوارا جد مهمة من أجل تخليق منظومة العدالة، وذلك عن طريق اعتماد مبادرات خلاقة تروم مناقشة مواضيع التخليق بكل جرأة ومسؤولية وحس وطني. وهكذا اعتبر نادي قضاة المغرب منذ انعقاد الدورة الأولى لمجلسه الوطني يومي 26/27 نونبر 2012 تخليق منظومة العدالة من أهم انشغالاته، وذلك لارتباطه ببناء سلطة قضائية مستقلة.وقد انبثق عن ذلك تشكيل لجن جهوية ووطنية للتخليق على مستوى جميع الأجهزة.
وفي خطوة غير مسبوقة، تقدم أعضاء المكتب التنفيذي لنادي قضاة المغرب بمبادرة التصريح بديونهم وممتلكاتهم للرأي العام الوطني، والتي تم تأكيدها من طرف جميع أعضاء المجلس الوطني خلال دورته الاستثنائية.
هكذا يبدو أن روح التخليق والشفافية هي السمة التي تطبع مبادرات نادي قضاة المغرب، لكون أي مبادرة للتخليق لن يكتب لها النجاح، الا إذا انبثقت من داخل الجسم القضائي.
كما أن المكتب التنفيذي أطلق بتاريخ 8/9/2012 البرنامج الوطني لتخليق منظومة العدالة تحث شعار محاكم بدون رشوة، ويستند هذا البرنامج على المرجعية الاسلامية التي تحرم الرشوة والفساد بمختلف أنواعه، وكذا الخطاب الملكي لجلالة الملك بتاريخ 20/8/2009 والذي جاء في احدى فقراته "تخليق القضاء لتحصينه من الارتشاء واستغلال النفوذ"، ليساهم بدوره في تخليق الحياة العامة.
ويعتبر اشراك جميع المتدخلين للمساهمة في البرنامج الوطني للتخليق من أهم ركائز هذا البرنامج، وذلك بالانفتاح الكامل على هيئات المجتمع المدني المهتمة بمحاربة الفساد، وكذا باقي القطاعات الحكومية المعنية.
ثانيا: تخليق منظومة العدالة يستلزم توفر الارادة السياسية
ان المجهودات التي تقوم بها الجمعيات المهنية لتخليق منظومة العدالة وبالرغم من أهميتها ودورها في محاربة الرشوة والفساد بمختلف تجلياته، إلا أنها ومع ذلك يبقى أثرها جد محدود في غياب ارادة سياسية حقيقية وقوية.
فانتشار الفساد والرشوة داخل منظومة العدالة يؤدي الى تكريس مختلف مظاهر غياب دولة الحق وحماية حقوق الانسان بمفهومها الكوني، لأن الفساد يؤدي في كنهه الى كبح مبادئ استقلال السلطة القضائية ويعيقها، كما أنه يقضي على مبادئ المساواة والديموقراطية ويغتالها.
ان محاربة الفساد تستلزم توفر ارادة سياسية، قوية وبرامج متكاملة طويلة المدى وعملا منسجما ومستمرا من أجل التحسيس والتوعية (تقرير مجموعة الدول ضد الرشوة التابع للمجلس الأوروبي الصادر بتاريخ 23 مارس 2012 بستراسبورغ).
ولعل الترجمة الفعلية للإرادة السياسية تتجلى في اتخاذ اجراءات عملية بدل اعتماد خطاب سياسي متجدد، أو قوانين شكلية، أو حملات انتقائية بين الحين والآخر(كما جاء ذكره في تقرير اللجنة البرلمانية الأوروبية بتاريخ 6 نونبر 2009).
وتتجلى الاجراءات الفعلية التي من شأن اعتمادها المساهمة في الحد من انتشار الرشوة داخل منظومة العدالة في مجموعة من الاقتراحات من بينها:

-تسهيل ولوج المتقاضين الى العدالة والمعلومة القضائية ،

-ضمان شفافية عمل المؤسسات القضائية ،

-اعتماد آليات استطلاعات رأي المتقاضين بخصوص الادارة القضائية...

والخلاصة من كل ما ذكر أن الوقاية من الرشوة و محاربتها داخل منظومة العدالة تقتضي انخراط جميع الفاعلين في اطار ارادة سياسية قوية، فهل فعلا استطعنا الانتقال من الخطاب الى تنزيل فلسفة محاربة الفساد على أرض الواقع؟
رئيس نادي قضاة المغرب
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية