حوار مع أنزو ترافرسو: “مأسَسة ذاكرة المحرقة اقترن بعلاقة تفاضلية مع إسرائيل”


2024-01-15    |   

حوار مع أنزو ترافرسو: “مأسَسة ذاكرة المحرقة اقترن بعلاقة تفاضلية مع إسرائيل”
أنزو ترافرسو

التقَت المفكّرة القانونية بالمؤرّخ الإيطالي أنزو ترافرسو (Enzo Traverso) الذي تناولت أبحاثه بشكل خاص التوتاليتارية وسياسات الذاكرة، وهو يدرّس حاليًّا التاريخ الثقافي في جامعة كورنال في الولايات المتّحدة الأميركية. له مؤلّفات عديدة من ضمنها:

Révolution, une histoire culturelle, Paris, La Découverte, 2022.

La fin de la modernité juive. Histoire d’un tournant conservateur, Paris, La Découverte, 2013.

المفكّرة القانونية: في كتابك “نهاية الحداثة اليهودية. تاريخ انعطاف محافظ”، بيّنتَ كيف أنّ الحداثة اليهودية قد استنفدت مسارها، وأنّ اليهود، بعد أن كانوا أهمّ مصدر للفكر النقدي، أصبحوا في مركز جهاز الهيمنة. وقد اعتمدت في ذلك على شخصيّتَين، هما تروتسكي (Trotsky)، الثوري اليهودي الروسي، وهنري كيسنجر (Henry Kissinger)، اليهودي الألماني الذي أدّى دورًا محوريًّا في المنظومة الإمبرياليّة الأميركية. هل يمكن أن تشرح لنا أكثر؟

أنزو ترافرسو: أنا استعملت مصطلح “الحداثة اليهودية”، كطريقة للتعبير عن دخول اليهود في الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية الخاصة بالعالم الغربي، وأقصد بذلك المرحلة التاريخية التي امتدّت بين منتصف القرن 18 والحرب العالمية الثانية. فقد بدأ في القرن 18، أو “عصر الأنوار” الأوروبية، النقاش حول تحرّر اليهود، سياسيًّا وقانونيًّا، عبر الاعتراف بهم كمواطنين كاملي الحقوق في الدول التي يعيشون فيها، وصولًا إلى الشروع في تطبيق ذلك في مختلف الدول الأوروبية ما بين الثورة الفرنسية والنصف الأوّل من القرن 19، باستثناء روسيا القيصرية، حيث لم يتحرّر اليهود إلّا مع ثورة 1917. لكنّ مرحلة “الحداثة اليهودية” انتهت في الثلاثينيات من القرن الماضي، مع اعتماد قوانين معادية لليهود في دول أوروبية عديدة، وصولًا إلى الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية.

طيلة هذه الفترة (أي قرابة قرنَيْن من الزمن)، أدّى اليهود، بعد خروجهم من الغيتوهات، دورًا مهمًّا في الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية الأوروبية. ولكنّ هذه الحداثة اليهودية صاحبَها حضور مزمن لمعاداة السامية، وهي ركيزة أساسية في مسار تشكُّل القوميات الأوروبية. تضع معاداة السامية حدودًا على مسارات تسيّس اليهود، الذين لم يكن بإمكانهم الانضمام إلى أحزاب اليمين المحافظة بسبب معاداتها لهم. فكان المثقّفون اليهود، بسبب ظروف موضوعية، مدفوعين دفعًا إلى أن يكون لهم موقف نقدي، وحتّى ثوري، بالأخصّ في أوروبا الشرقية. لهذا السبب، اخترت شخصية تروتسكي، القائد الكارزماتي والثوري الذي أمضى جلّ حياته في المنافي، كشخصية ترمز إلى هذه الحداثة اليهودية. لا أنفي بذلك طبعًا وجود يهود و(يهودية) محافظين جدًّا، ولا حتّى صهيونيّة كشكل يهودي من القومية الأوروبية بكلّ كليشيهاتها، ومن بينها مقاربتها العنصرية للهوية الوطنية. ولكنّ السمة البارزة لتلك الفترة، كانت دور اليهود الأوروبيين في كلّ الحركات الطلائعية، من الماركسية إلى الحداثة الأدبية، مرورًا بإنشاء علم النفس، وغيرها من حركات الفكر النقدي. انتهت هذه المرحلة مع الحرب العالمية الثانية والهولوكوست، بإبادة معظم اليهود الأوروبيين، فانتقل مركز الثقل اليهودي من أوروبا إلى الولايات المتّحدة الأميركية وإسرائيل. كان إنشاء “دولة إسرائيل”، في حدّ ذاته، قلبًا جذريًّا لكلّ ما طبع “الحداثة اليهودية”، التي كانت مرتبطة بأقلّيات مدينيّة، لها علاقة قوية بالكتاب والكتابة، ضمن شبكة أممية تتجاوز حدود الدولة-الأمّة، بأفكار كونية وكوسموبوليتية. كانت حداثة الشتات (modernité diasporique)، على نقيض فكرة “الدولة اليهودية”.

نشأت “دولة إسرائيل” في ظرفية تاريخية استثنائية، ولم تكن ممكنة بحسب رأيي لو لم يحصل الهولوكوست، مثلما كانت ستكون صعبة التنفيذ حين اشتدّت الحرب الباردة. فقد نشأت بمباركة القوى العظمى، ومن بينها الاتّحاد السوفياتي، وكان تسليحها في حرب 1948 من دول المعسكر الاشتراكي؛ ولم تكن مباركة إنشائها طريقة ليكفّر الغرب عن ذنوبه تجاه اليهود، بل ليتخلّص من مشكلة إيواء مئات آلاف الناجين من المحرقة. وسرعان ما تحوّلت إسرائيل، نتيجة للأيديولوجيا الصهيونية ولخيارات نخبها السياسية الأشكنازية، إلى قطعة من منظومة الهيمنة الغربية، في قلب الشرق الأوسط والعالم العربي.

بعد الحرب العالمية الثانية، تراجعت معاداة السامية كثيرًا في أوروبا، ولم تعدْ أساس الأيديولوجيات القومية في الغرب. في هذا السياق، وجد اليهود قبولًا غير مسبوق داخل النخب السياسية الحاكمة. هكذا وجد هنري كيسنجر، اليهودي الألماني الذي هرب من القمع النازي في العام 1938، نفسه يتحوّل إلى أحد أبرز صانعي الإستراتيجية الإمبريالية الأميركيّة. وتحوّل الشتات اليهودي في الولايات المتّحدة إلى أحد مراكز الفكر الإمبريالي، بعد أن كانت المخيلة الأميركية ترسم لليهود، في السنوات العشرين، صورة الفوضويين أو البلشفيين. كي نستعير نموذجًا تأويليًّا من إدوارد سعيد، هناك غيريّتان شكّلتا الثقافة الغربية منذ نهاية القرن 19. الغيريّة الأولى هي الآخر المستعمَر، الأقلّ قيمة، الخاضع لأوروبا بما تمثّله من حضارة وتفوّق عرقي، وهي لم تكن تطرح مشكلًا لأنّها غيرية منفصلة، عنصريًّا ومكانيًّا. أمّا الثانية، فهي تتمثّل في اليهودي، ولكنّه داخل الجسد الأوروبي وحداثته، وهو مواطن أبيض، يصعب تمييزه من البقيّة، وفي ذلك تكمن خطورتها. لذلك كان العنصريون يصوّرونها كسرطان ينهش الجسد الأوروبي من الداخل، ولهذا تولّد لديهم هاجس تمييز اليهود واختلاق سمات خاصّة بهم. في هذا السياق، ظهرت الصهيونية كمحاولة للاندماج في الغرب ولكن عبر التمايز عنه، فكان هرتزل (Herzl) يصوّر فكرة الدولة اليهودية في فلسطين كمعقل للحضارة الغربية داخل العالم البربري؛ فهي يهودية استعارت الإرث الفكري الاستعماري الأوروبي وأحكامه المسبقة، كي تثبت انتماءها إلى أوروبا.

قامت إسرائيل على إنكار ثلاثي: إنكار الشتات اليهودي، وإنكار فلسطين، وإنكار اليهودية المشرقيّة، حيث خضع اليهود العرب الواصلون إلى إسرائيل إلى مسار استيعاب ثقافي بهدف اجتثاثهم من ثقافتهم العربية.

المفكّرة: أنت تعتبر أنّ معاداة السامية لم تعدْ مكوّنًا محدّدًا في الثقافة الغربية، وتركتْ مكانها للإسلاموفوبيا التي أصبحت الشكل المهيمن للعنصرية، والتي لا تتحرّج النخب الحاكمة في المجاهرة بها. هل بإمكانك أن تفسّر لنا أكثر هذه الفكرة؟

ترافرسو: أحد أسباب معاداة السامية الكلاسيكية كانت البحث عن كبش فداء. فقد كان لكلّ المشكلات الاجتماعية سبب: اليهود. كان اليهود يُتّهمون بأنّهم مضاربون ومستفيدون من كلّ الكوارث التي تصيب الأمم… بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح من الصعب التمادي في ترويج مثل هذه الادّعاءات. التحوّل من معاداة السامية إلى الإسلاموفوبيا ظاهرة حديثة تعود إلى نحو 20 سنة. لا أعني بطبيعة الحال هنا الأفكار المسبقة الاستعمارية عن المسلمين والعرب، بل أتحدّث عن الإسلاموفوبيا كمكوّن هيكلي للفكر والسياسة المحافظة. الهدف إذًا هو البحث عن كبش فداء، واليوم، بالمحصّلة، كبش الفداء الأكثر سهولة من حيث قدرته على تعبئة الأنصار هم طالبو اللجوء والمهاجرون المسلمون المنحدرون من المستعمرات القديمة، إذ يشكّلون اليوم أقلّيات مهمّة باعتبار الهيكلة الديموغرافية في أوروبا. بطبيعة الحال ترافق التحوّل من معاداة السامية إلى الإسلاموفوبيا بإعادة تدوير جملة من الصور النمطية التي كانت فيما مضى تستعمل ضدّ اليهود، والتي أعيد استخدامها بالرجوع إلى القاموس العنصري الاستعماري الكلاسيكي. وهو ما يفسّر السهولة التي نجح بها أقصى اليمين في التخلّص من معاداة السامية وتعويضها بالإسلاموفوبيا، على الأقلّ على مستوى خطابه. ولا شكّ في أنّ إحدى أهمّ نتائج هذا التطوّر هي العلاقات الحميمة التي تربط اليوم تنظيمات أقصى اليمين الأوروبي ودولة إسرائيل. وحتّى تلك التي حافظت على معاداة السامية في خطابها، على غرار فيكتور أوربان في هنغاريا الذي ارتكزت حملته الانتخابية على التشهير بجورج سوروس (George Soros) “يهودي وول ستريت”، لها اليوم علاقات جيّدة مع إسرائيل ونتنياهو.

رسم رائد شرف

المفكّرة: في كتابك نهاية الحداثة اليهودية، اعتبرتَ أنّ ذاكرة المحرقة هي بمثابة “الديانة المدنية”، وما نلاحظه اليوم هو التوظيف الإجرامي لهذه الديانة في تبرير حرب الإبادة الجماعية على غزّة ونفي الطبيعة الاستعمارية لإسرائيل. كيف يمكن، بحسب رأيك، مجابهة هكذا توظيف؟

ترافرسو: أعتبر أنّ هذا التوظيف هو بمثابة الحصيلة القصوى لتطوّر الحداثة اليهودية بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت اندماج اليهودية في العالم الغربي، ليس فقط في ثقافته، بل كذلك ضمن أجهزة الهيمنة التي ارتكز عليها. طبعًا، كان هناك يهود يمينيون ويهود ظلاميون قبل الحرب، وكذلك، ولحسن الحظ، يهود يساريون بعدها. إذًا لا يتعلّق الأمر بالتعميم. لكن في اعتقادي كانت لذاكرة المحرقة فضائل في الفترة التي لم تكن قد تمأسست فيها بعد، أي في زمن كانت فيه المحرقة منسيّة ومكبوتة وتحتلّ مكانًا هامشيًّا في الفضاء العام وفي الثقافة بشكل عام. بعد الحرب العالمية الثانية مثلًا، أدّت ذاكرة المحرقة في فرنسا وفي دول أخرى أوروبية دورًا مهمًّا في التعبئة ضدّ الحرب في الجزائر وفي مساندة جبهة التحرير الجزائرية، لأنّ كثيرًا ممّن ناضلوا ضدّ الاحتلال النازي وضدّ الفاشية ومعاداة السامية، كانوا يرون استمرارية طبيعية وبديهية لناضلهم عبر مساندتهم كفاح الجزائريين من أجل الاستقلال. وأنا أسوق دائما مثال أدلفو كامنسكي (Adolfo Kaminsky)، أبرز وجوه هذا النضال، والذي كان يهوديًّا فرنسيًّا، أسّس زمن الحرب ورشة سرِّية لصنع جوازات سفر مزيَّفة لإنقاذ يهود من المحرقة، ثمّ عاد وأسّس ورشة جديدة زمن الحرب على الجزائر لفائدة قيادات جبهة التحرير. وأظنّ أنه قام بالشيء نفسه مع ثوّار آخرين من أميركا اللاتينية.

إذًا كان هناك استخدام سياسي تحرّري لذاكرة المحرقة في مواجهة كلّ أنواع العنصرية والتمييز. وعليه، شكّلت ذاكرة المحرقة زمن النضالات ضدّ الاستعمار حافزًا من أجل الدفاع عن حقوق الشعوب المستعمرة وعن نضالاتها من أجل التحرّر الوطني. لكنّ هذه الذاكرة التي مرّت بسيرورة طويلة تمّ دمجها تدريجيًّا في الخطاب الرسمي لدول غربية عديدة، فأصبحت ما سمّيته “ديانة مدنية”، أي ذاكرة مُمأسَسة ورسمية. تؤدّي الديانات المدنية بوصفها ديانات علمانية وظائف ضرورية. فالديموقراطية ليست فقط مجموعة قواعد أو منظومة قانونية وسياسية ومؤسّساتية، بل هي قيم كذلك، تضفي عليها الديانة العلمانية بُعدًا قدسيًّا وتثبّتها عبر جملة طقوس وشعائر تذكّر بالديانات التقليدية. سعتْ الديمقراطيات الغربية في البداية، عبر اعتمادها على المحرقة كديانة مدنية، إلى الإعلان بأنّها تأسّست على رفض العنصرية ومعاداة السامية… لكن ما إن أصبحت ذاكرة المحرقة مصدرًا لسياسة تذكارية (une politique mémorielle) (أي سياسة دولة تدير فيها السلطة إحياء هذه الذكرى وتعطى فيها الأولوية لها على حساب أخريات، مثل ذاكرة الاستعمار، اعتبارًا لأحقّيتها في الحماية وفي الاستذكار) ومكونًا في السياسة الخارجية لهذه الدول، حتّى شوّهت وظيفتها الأصلية؛ إذ إنّ مأسَسة ذاكرة المحرقة اقترنت بعلاقة تفاضلية مع إسرائيل وبانخراط غير مشروط في الدفاع عن سياستها.

وتشكّل الحالة الألمانية المثال الأسطع على ذلك. فاعتمادًا على تصريحات أنجيلا ميركل (Angela Merkel) وتصريحات أولاف شولتز (Olaf Scholz) منذ بضعة أسابيع، يُعَدّ الدفاع عن دولة إسرائيل والتضامن اللامشروط مع سياستها المصلحة العليا للدولة (raison d’Etat) في ألمانيا، وهو مبدأ شبه مقنَّن في بلد على قاب قوسَين من تبنّي قانون جديد يشترط على المهاجرين الراغبين في الحصول على الإقامة التسليم بأحقّية إسرائيل في الوجود.

كان من المفترض أن تتكامل ذاكرة المحرقة مع ذاكرة الاستعمار، باعتبار دفاعهما عن قضيّة التحرُّر نفسها. لكن ما نشهده هو صدام لهاتَين الذاكرتَين بشكل لم تعد فيه الأولى قادرة على الدفاع عن قضايا العدالة ومناهضة العنصرية. وقد شاهدنا ذلك في فرنسا، حيث تمّ توظيف ذاكرة المحرقة وقضيّة معاداة السامية من طرف حزب التجمُّع الوطني لاكتساب شرعية كمكوّن سياسي جدير بالاحترام.

ما العمل لمواجهة ذلك؟ هناك عمل بيداغوجي يجب القيام به لفضح هذا التوظيف عبر التذكير بالتاريخ، وتحديدًا بالفترة التي كان من الممكن فيها خوض النضال المعادي للاستعمار باسم ذاكرة المحرقة. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتّحدة الأميركية نفسها، تمّ خوض النضال ضدّ التمييز العنصري في الماضي تحت راية النضال ضدّ المحرقة. هذه المعركة هي سياسية، وهي كذلك ثقافية وأيديولوجية، وتستدعي الكثير من الصبر والمثابرة من أجل الاشتباك مع، وتعرية كلّ الالتباسات كالخلط الرائج بين معاداة السامية ومناهضة الصهيونية، أو اعتبار أنّ كلّ اليهود هم صهاينة ومساندون لإسرائيل، أو أنّ الفلسطينيين ليسوا إلّا ظلاميين ومعادين للسامية. كما يجب شرح أنّ الأفق الإستراتيجي الوحيد الممكن، على المدى الطويل طبعًا وليس في الوضع الحالي، هو قيام دولة ثنائية القومية تضمن الحرِّية والعدالة لمواطنيها الفلسطينيين واليهود ضمن المساواة الكاملة في الحقوق بينهم.

نشر هذا المقال ضمن الملف الخاص بالعدد 71 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان

لقراءة العدد بصيغة PDF

وهو ملف مشترك مع مجلة تونس العدد 28

انشر المقال

متوفر من خلال:

مجلة لبنان ، مقالات ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية