حملة وطنية لمكافحة زواج القاصرات في لبنان: عين على الطفل، وعيون على الطوائف


2014-03-11    |   

حملة وطنية لمكافحة زواج القاصرات في لبنان: عين على الطفل، وعيون على الطوائف

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، نظمت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية, بتاريخ 4-3-2014, بالتعاون مع معهد الدراسات النسائية في العالم العربي في الجامعة اللبنانية الأميركية حفل إطلاق الحملة الوطنية لحماية القاصرات من الزواج المبكر. وقد أثمر هذا التعاون دراسة تحت عنوان "حماية القاصرات من الزواج المبكر الواقع والمرتجى"أعدت من قبل القاضي فوزي خميس (المدعي العام لدى ديوان المحاسبة وقاضي أحداث في بيروت سابقا)،والقاضية أرليت تابت (محامية عامة استئنافية في جبل لبنان)، والقاضية ندين مشموشي (قاضية منفردة في بيروت وقاضية أحداث سابقا).

ورغم أهمية الدراسة، بدت مطالب الحملة ملتبسة وغير واضحة وبالتأكيد غير متناسبة مع إطلاق تسمية حملة عليها وهي التسمية التي تعكس تصميما في تكريس إصلاحات معينة معروفة المعالم. وهذا ما نقرأه بشكل جلي في خطاب امين سر الهيئة الوطنية, فادي كرم, الذي أشار الى انه "يتوجب على المشترع اللبناني ان يحظر زواج القاصرات او اقله عليه ان يضع ضوابط قانونية من شأنها التأكيد على اهلية القاصرة الصحية الاجتماعية والنفسية على رضاها الكامل للسماح بهذا الزواج المبكر لذا فان ما يهمنا التأكيد عليه هو وجود تكامل فيما بين دور المراجع الدينية والمراجع المدنية". وهذا ما يتأكد أيضا من خلال الانفصال الكامل بين كلمات القيمين على الهيئة والتوصيات التي خلصت اليها الدراسة، فضلا عن تعارض توصيات الدراسة نفسها فيما بينها وعن التفاوت بين مضمون الدراسة والكلمة الشفهية التي ألقاها القاضي فوزي خميس.

السيدتان الأولى والثانية تحافظان على أدبيات مراعاة الطوائف والمؤسسات الدينية خارج دائرة الانتقاد
رغم موضوع الندوة والحملة التي تم الإعلان عن اطلاقها من خلالها،فان السيدتين الأولى وفاء سليمان (زوجة رئيس الجمهورية ورئيسة الهيئة) والثانية رندة بري (زوجة رئيس المجلس النيابي ونائبة رئيسة الهيئة) لزمتا الى حد كبير الأدبيات السياسية المراعية للتعددية الطائفية والمذهبية، والتي تم تغليبها في محلات عدة على مصلحة الطفل الفضلى. وعلى هذا الصعيد،أكدت بري وبشكل صريح"على عدم جواز تحميل القيم الدينية تبعات بعض الممارسات السادية التي يرتكبها البعض بحق النساء وبحق القاصرات تحت غطاء ان الدين يمنح الرجل حق الزواج من فتاة بسن محدد".واضافت "ان التصدي لظاهرة زواج القاصرات لا يجب ان يكون تصديا لحق كرسته بعض الشرائع والأعراف انما هو تصد للنتائج المترتبة عن مثل هذا النوع من الزواج لأنه يشكل انتهاكا لحقوق الفتاة". وقد ذهبتكلمة رئيسة الهيئة الوطنية سليمان في الاتجاه نفسه بحيث اتت مراعية "لخصوصية التنوع الطائفي" ووجوب اخذه بعين الاعتبار خلال العمل على سن قوانين مناسبة تتعلق بالحد الأدنى لسن الزواج. وقد أظهرت هذه التصريحات مدى التباس توجهات الحملة التي بقيت قاصرة عن تحديد الحد الأدنى للزواج بمعزل عن الانتماء الطائفي، وكأنها تقبل بزواج قاصرين من طوائف معينة ولا تقبل بذلك في حال كان القاصرون ينتمون الى طوائف أخرى. وأخطر ما في هذه التصاريح هو صدورها عن أشخاص قيمين على هيئة لديها دور استشاري لدى رئاسة الحكومة وسائر الإدارات والمؤسسات العامة تتناول الشؤون المتصلة بأوضاع المرأة ودور تنفيذي يشملُ إعداد مشروع استراتيجيةِ وطنية خاصة بشؤون المرأة اللبنانية وتعديل وتطوير كل استراتيجية نافذة عند الاقتضاء.

وبنتيجة ذلك، تمت مقاربة المؤسسات الدينيةعلى أساس أنها شريكفي "نشر التوعية"مع إخفاء شبه كامل للأدوار السلبية التي ارتكبها بعض أعضائها وخصوصا في تغطية تزويج القاصرات.وكان لافتا غياب اي انتقاد مباشر للممارسات المرتكبة من قبل رجال الدين او لتعاطي المؤسسات الدينية في ميدان تزويج القاصرات وسط سعي الخطباء لاحتواء هذه المعضلة من بوابة الأسباب الاجتماعية كالفقر والتقاليد والجهل. كما يشار الى أن الدراسة لم تأت على ذكر الدور الذي تلعبه المؤسسات الدينية في إطار هذه القضية ومدى تصديها أوتشريعها لزواج القاصرات،انما اقتصرت على رصد وجمع التشريعات الدينية الخاصة بسن الزواج لدى الطوائف الاسلامية والمسيحية،من دون أي تحليل أو تبيان طريقة تطبيق هذه القوانين من قبل المراجع الدينية والروحية المعنية بإبرام عقود الزواج.وقد بدت من خلال ذلك وكأنها تلتفتعن المشكلة الأساسيةفي خطاب يشوبه الالتباس وما يزال أقله بحاجة الى بلورة وتوضيح.
 
نقاش قضائي خجول حول أداء ودور القضاء المدني والقضاء  الديني والعلاقة فيما بينهما في قضايا حماية القاصرات
على الرغم من أن اللجنة المعدة للدراسة تتألف من 3 قضاة، الا أن الدراسة أغفلت أي نقاش حول دور واداء القضاء المدني بشكل عام وقضاء الأحداث بشكل خاص في التصدي لقضايا القاصرات او حتى عرض لكيفية تعاطي هذا الأخير اثناء النظر في مثل هذه القضايا. فقد اقتصرت الدراسة على رصد القوانين الجزائية والمدنية التي تعالج موضوع آلية حماية القاصرة من الزواج المبكر بصورة غير مباشرة كقانون حماية الأحداث المخالفين للقانون والمعرضين للخطر وقانون العقوباتوقانون مكافحة الاتجار بالبشر وغيرها من القوانين في مجال التعليم الرسمي والمجال الصحي ومجال قانون العمل من دون شرح كيف تخدم هذه القوانين قضية حماية القاصرات من الزواج المبكر أو كيفية تطبيقها من قبل المحاكم في حال كانت تطبق. وقد بدا هذا الصمت شديد البلاغة على ضوء كلمة القاضي فوزي خميس التي ركزت هي بالمقابل على دور قاضي الأحداث في جبه بعض مفاعيل القوانين الشرعية. فكأنما استعاض خميس من خلال خطابه الشفهي عما لم يكن ممكنا تضمينه في الدراسة بنتيجة التزام الهيئة بمراعاة الطوائف. وكان خميس قد تطرق بشكل تميز عن سائر كلمات الندوة الى الدورالحمائي للقاصرات ضحايا الزواج المبكر، الذي قام به خلال توليه قضاء الأحداث في بيروت بين عامي 2004 و2009 حيث أصدر عشرات القرارات في موضوع حماية الأحداث خاصة القاصرات المعرضات للخطر سندا للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تاريخ 1989مع توسيع مفهوم الخطر مما يؤمن الحماية القانونية المطلوبة للأحداث خاصة القاصرات ضحايا الزواج المبكر وغيره من الانتهاكات."

وكانت مهمة اشارة القاضي خميس الى النزاع بين المحاكم المدنية والمحاكم الدينية لكون القضية تلامس صلاحيات المحاكم الدينية.وقد صرح القاضي خميس "عن مواجهته بعض الاشكالات من خلال بعض القرارات التي اتخذها في مجال حماية القاصرات،مع المحاكم الدينية التي اعتبرت ان هناك تعرضا لصلاحياتها. الأمر الذي تصدت له محكمة التمييز التي اصدرت قرارين هامين في العامين 2007 و2009 نتيجة طعنين في قرارين اتخذهما لحماية قاصرتين كانتا معرضتين للخطر. وقد اكدت محكمة التمييز ان تدابير الحماية المتخذة من قبل قضاة الأحداث لا تعتبر تعديا علىصلاحيات المحكمة الشرعية لأنها تقتصر على حماية الحدث من الخطر الذي يتهدده ولا يتعداه الى الصلاحية الشرعية للولي".
ولعل أبرز ما جاء في هذه الكلمة هو دعوة القاضي خميس كل من يعلم أن هناك اي انتهاك لحقوق القاصرات من خلال الزواج المبكر او غيره الى "ابلاغ قضاء الأحداث لكي يقدم بدوره حمايتهن من اي خطر قد يتهددهن وحتى لو لم يكن له الصفة نظرا لكون قانون الأحداث أباح ذلك، وان قاضي الأحداث يمكنه التحرك واجراء المقتضى القانوني بمجرد العلم".

وكانت الدراسة قد تضمنت توصيات عدة، بعضها واضح كوجوب وضع تشريع "يحدد سن الزواج بغض النظر عن طائفة القاصر أو القاصرة"، فيما بعضها الآخر يتضمن التباسا يصل أحيانا الى حد التناقض. وهذا ما نقرأه في التوصيات التي تلي مباشرة التوصية سابقة الذكر والتي تتحدث عن وجوب "اقرار نص قانوني يشترط لسن الزواج البلوغ والنضج الجسدي والعقلي، وليس مجرد تحديد سن بصورة عشوائية، لا سيما وان مستوى نضوج الصبيان والبنات يختلف بحسب البيئة التي يعيشون فيها".وهذه التوصية الأخيرة تعيد الاعتبار بالواقع للتمييز بين القصر لجهة سن الزواج المسموح به وفق طوائفهم، أو البيئة التي يعيشون بها، من دون أن يكون هنالك سياسة عامة في هذا الشأن.

ازاء هذه الاقتراحات، لا بد من الاشارة الى ان غياب محكمة للأسرة ليس المعوق ازاء حماية القاصرات من الزواج المبكر طالما أن المشكلة الأساسية تكمن في الصلاحيات المنوطة بالمرجعيات الدينية على هذا الصعيد حيث أن الأخيرة تغفل ممارسات بعض رجال الدين الذين يبرمون عقود زواج على قاصرات بما يخالف القوانين الشرعية اساسا, لتبقى خارج اطار المحاسبة.  وهذا الأمر الذي لم تتصدّ له الدراسة بشكل واضح. يضاف الى ذلك غياب اي خطوة من شأنها فتح نقاش قضائي بهدف وضع سياسة قضائية من شأنها مكافحة تزويج القاصرات. كما ان الاصرار على وضع المشكلة في الإطار الاجتماعي وايعازها الى اسباب كالفقر والدخل المحدود هو تعمية على الوجه الديني لهذه القضية المتمثل بالتجاوزات المرتكبة من قبل رجال الدين. علما أن ليس هناك أي دراسة للواقع الاجتماعي لهذه القضية او "احصائيات علمية وموثوقة تبين نسبة زواج القاصرات وتحديد سنهن ومكان اقامتهن والجهة المنظمة لعقد الزواج", بحسب ما ورد في خاتمة الدراسة.

"العنف الأسري" وتزويج القاصرات
أبرز ما ركزت عليه الكلمات هو وجوب اقرار مشروع قانون العنف الأسري. بالتأكيد لمشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري، مبدئيا دور في حماية القاصرات المتزوجات لكن بالمقابل تجدر الإشارةالى أن اللجنة حذفت تجريم تهديد النساء في قصد السيطرة عليهن أو حجز حريتهن أو إكراههن على الزواج، لينتفي معها أي دور للقانون في حال اقراره في حماية القاصرات إزاءاكراهن على الزواج المبكر[1]. وكان لافتا على هذا الصعيد تصريح نائبة رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية السيدة بري تبريرها حذف تجريم الاغتصاب الزوجي من مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري مشيرة الى "ان ازاحة هذا البند من قبل اللجنة الفرعية المكلفة بدراسة مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري محق لأنه تبين عدم امكانية اثبات حدوث هذا الفعل في غرفة نوم مقفلة",الأمر الذي أثار استياء بعض الحضور. وقد صرح النائب غسان مخيبر للمفكرة القانونية بهذا الخصوص"انه لم يتم حذف المادة المتعلقة بالاغتصاب الزوجي بل جرى تعديلها من قبل اللجنة الفرعية المكلفة بدراسة هذا القانون لتعاقب التعسف الذي قد يمارسه كل من الزوجين في استيفاء الحقوق الزوجية". واشار الى "ان الأديان والقانون المدني يعطي الحق بالعلاقة الزوجية بين الطرفين. والتعديل عاقب على التعسف باستعمال الحق عبر العنف والتهديد". ويشير نزار صاغية بالمقابل في مطالعته حول الصيغة الأخيرة للمشروع أن ادخال بند بهذا المعنى شكل التكريس المدني الأول من نوعه لحق من هذا النوع، وأن التعسف المشار اليه في القانون لا يضيف شيئا على ما هو مكرس أصلا في قانون العقوبات [2].




[1]نزار صاغية, "مشروع قانون لحماية الأسرة يعيد تعريف العنف: فرض التقاليد عنوة ليس عنفا, العنف في الخروج عنها", العدد الحادي عشر من المفكرة القانونية
[2]المرجع نفسه. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية