تعديل قانون الارث لغير المحمديين: “المساواة” كما تفهمها الشعبوية و… الطوائف


2011-11-30    |   

تعديل قانون الارث لغير المحمديين: “المساواة” كما تفهمها الشعبوية و… الطوائف

تقدم النائب آلان عون مؤخرا باقتراح لتعديل قانون الارث لغير المحمديين. وقد برره النائب بوجوب انهاء حالة اللامساواة بين الطوائف (منال شعيا، النهار 24-10-2011) :فاذا توفي مسيحي بموجب القانون الحالي من دون ان يكون له وريث، تنتقل تركته الى الدولة، وذلك بخلاف القواعد المعمول بها لدى المسلمين والتي تنتقل التركة بموجبها الى اوقاف الطائفة المعنية. وازاء هذا الخلل، و"كسرا للغبن"، يتوجب تاليا تعديل القانون بحيث تنتقل تركة غير المحمدي على غرار تركة المحمدي عند غياب الوريث الى اوقاف طائفته وليس الى الدولة. فبرأي صاحب الاقتراح اذا كانت الأمور لا تتغير في المقلب الآخر (المقصود المسلمين) قيد انملة، فلماذا لا تطبق الامور نفسها لدى المسيحيين؟
والواقع ان هذا الاقتراح لافت: فعدا ان هذه الاشكالية لم تطرح من قبل رغم قدم القانون (1959)، فان مفاعيله الواقعية هامشية وربما نظرية محض الى درجة يصبح مجرد التفكير فيها ترفا فكريا: فعدد المسيحيين من اصحاب التركات والذين لا وريث لهم قليل جدا، ولهم باية حال ان يوصوا وفق القانون لمن يريدون، كأن يوصون للطائفة او لأي شخص بدلا عن الدولة، بحرية تامة ومن دون اي قيد.
وفي موازاة ذلك،فان النائب تجاهل تماما اللامساواة الناتجة عن القانون والتي هي تطرح اشكالية ذات ابعاد جسيمة بكل ما للكلمة من معنى. فمن المعلوم ان قانون الارث لغير المحمديين قد تضمن صراحة بندا يمنع التوارث بين هؤلاء والذين لا تسمح لهم الشريعة التي يخضعون لها من توريثهم (وهو حال المحمديين) عملا بمبدأ التعامل بالمثل. وهذا القانون يؤول بالواقع الى نتائج كارثية على صعيد العائلات متعددة الطوائف، بحيث تؤدي الى منع التوارث بين ابناء العائلة الواحدة وتاليا الى التمييز فيما بين هؤلاء وفق طوائفهم والى التمييز ما بينهم وبين ابناء العائلات المنسوب اعضاؤها الى طائفة واحدة.
وتبعا لذلك، وفي ضوء ما تقدم، يؤشر المقترح الى امور ثلاثة:
الاول، ان النائب بدا وكأنه يفرض فهما معينا لمبدأ المساواة، مفاده انه يشمل بالدرجة الأولى "المساواة بين المجموعات" فيما يبقى الفرد وكأنه غير معني به. وهذا ما يتأتى عن المبالغة في ابراز اللامساواة بين المجموعات ولو في مسألة لا تطرح اي مشكلة اجتماعية واقعية، في موازاة تجاهل تام للامساواة بين الافراد رغم مفاعيلها الكارثية. ومن انعكاسات هذا المفهوم بالطبع التضحية بالمساواة بين الافراد وبحقوقهم في حال كان من شانها حماية المساواة بين الجماعات كما يظهر بوضوح من خلال تعميم مبدأ "لا توارث عند اختلاف الدين" عملا بمبدأ التعامل بالمثل بين الطوائف.
الثاني، ان صاحب الاقتراح بدا وكانه يختلق مشكلة ويضخمها لتبريره، اكثر مما يبحث عن حل لمعالجة مشكلة مطروحة فعليا. وهذا ما يتبدى من خلال احاطتها بخطاب يسوده اللغو: فرغم اعترافه من خلال تصريحاته بان المسألة "صغيرة"، فان من شأنها ان تؤدي الى اشكال وطني في حال اهمالها، وهذا ما نستخلصه بوضوح من قوله بان "مشكلة لبنان هي في الامور المعقدة كما هي في الامور الصغيرة". لا بل ان النائب لم يجد حائلا دون ربط الاقتراح ب"الغبن" الذي يتهدد المسيحيين، وكانه يختلق معركة ومخاطر تظهر فيها طائفته مظهر الضحية المصابة بالظلم والتي يتدخل هو من خلال اقتراحه لحمايتها وانقاذها. فجل ما يفعله النظام القانوني هو ابقاء ارث المسلمين خاضعا لمعتقداتهم الدينية فيما ان اخضاع ارث المسيحيين للقانون المدني حصل من دون ممانعة الطوائف المعنية. فهل بات تمسك فئة بمعتقداتها الدينية غبنا للآخرين؟ ومن يغبن من؟ ومن هذا المنظور، يتحول التذرع بمفهوم المساواة وكأنه مجرد تكتيك سياسي يستخدمه النائب لمجاملة المشاعر الطائفية والتماهي معها، وبكلمة اخرى لاثارة الطائفية واستغلالها تحت شعارات مقبولة اجتماعيا لتحقيق مكاسب سياسية. وهكذا، لا يجد النائب اشكالا في ادعاء انه "اول الساعين الى قانون للاحوال الشخصية ونظام مدني"، وان اقتراحه ليس الا ضرورة يواجه بها الآخر المسؤول عن الغبن وعن الطائفية والذي لا يحيد عنها قيد انملة. ف"علينا ان نعيش الواقع الطائفي بالمساواة كي نستطيع الانتقال تدريجا الى المواطنة الحقة والدولة المدنية الصحيحة".
الثالث، وهو امر لا يقل خطورة، ان النائب المذكور لم يتورع في سياق حماسه في الدفاع عن المساواة بين المجموعات الى اقتراح تعديل يرمي اقله رمزيا الى تغليب روابط المواطن بطائفته على روابطه بالدولة. ففي غياب وريث من عائلته او موصى له من اختياره، فان الطائفة- وليس الدولة كما هو الوضع في القانون الحالي- هي الأحق في خلافته. لا بل ان النائب ذهب الى اعطاء مبررات لهذا الموقف من خلال الايحاء بان التضامن الاجتماعي يحصل من خلال الطائفة وليس من خلال الدولة. ف"ليس افضل من الكنيسة للاهتمام بالرعايا واهل الرعية". في ظل خطاب مماثل، يصبح مفهوم المساوة مرادفا لمفهوم "الطائفة اولا". بئس الشعبوية في التشريع!  
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، لبنان ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية