بين وعد “التربية” بأجهزة إلكترونية والانقطاع لأشهر: تلامذة الجنوب يسألون عن مصيرهم الدراسي


2024-01-19    |   

بين وعد “التربية” بأجهزة إلكترونية والانقطاع لأشهر: تلامذة الجنوب يسألون عن مصيرهم الدراسي
مدخل مدرسة في صور

بينما يقترب العام الدراسي في لبنان من منتصفه لا يزال حوالي 6 آلاف طالب في جنوب لبنان يحاولون الانتظام في صفوفهم، يتخبّطون بخطط وزارة التربية المتغيّرة والتي لم تستطع حتى اللّحظة ضمان حقّ هؤلاء بالتعليم. ويُشير مصدر متابع  لـ “المفكرة القانونيّة” إلى أنّ أرقام التلامذة جنوبا والذين انتسبوا إلى المدارس لم يكن يتجاوز الـ 1200 تلميذ عند بدء العدوان الإسرائيلي الحالي، وأنّه مؤخرا وتحديدا منذ حوالي الأسبوعين أي بعد أكثر من ثلاثة أشهر من بدء العدوان على غزّة وما تبعه من نزوح تزامن مع بدء العام الدراسي، استطاعت الوزارة الوصول إلى أكثر من 5 آلاف تلميذ نازح جمعت بياناتهم بالتعاون مع مديري المدارس ليتمّ توزيع أجهزة لوحيّة عليهم مطلع الأسبوع المقبل لتفعيل التعليم عن بعد الذي بدأت بعض المدارس باعتماده.

خطوة اعتماد التعليم عن بعد للنازحين جنوبا، أو من بقي في قريته ومدرسته مقفلة، جاءت بعدما كانت وزارة التربية اعتمدت بداية على الطلب من التلامذة الالتحاق بأقرب مدرسة إليهم، الأمر الذي أثبت فشله بسبب عوائق عدّة منها عدم قدرة جميع المدارس القريبة من التلامذة النازحين على استيعابهم، عشوائبّة تطبيق هذا الأمر في ظلّ عدم وجود داتا لدى الوزارة عن الأعداد الفعلية لهؤلاء وأماكن تواجدهم، فضلا عن عدم استقرار النازحين في مكان واحد وأوضاعهم المعيشيّة وكلفة بدل النقل التي تكفّلت بها “اليونيسيف” مؤخرا. كما اعتمدت الوزارة على استحداث عشر مدارس ضمن خطة الاستجابة، اثنتين منها في محافظة صور يلتحق بهما حاليا 300 تلميذ.

انفصال الخطط عن الواقع

جولة المفكرة القانونية على بعض مراكز الإيواء وعلى عائلات نازحة لديها أبناء في المدارس الرسميّة وعلى مديري مدارس، تعكس تخبّط وزارة التربية بالتعامل مع العام الدراسي جنوبا، وتبيّن حجم انفصال الخطط عن الواقع، بدءا من اعتماد الالتحاق في المدارس القريبة وصولا إلى اعتماد التعليم عن بعد ومدارس الاستجابة. مع بداية العدوان على غزّة وما تبعه من اعتداءات إسرائيليّة على قرى جنوبيّة فرضت إقفال 33 مدرسة رسميّة  (6 في محافظة الجنوب و 27 في محافظة النبطيّة)  الأمر الذي أثّر على أكثر من 6 آلاف تلميذ في مدارس رسمية جنوب لبنان (بعضهم مدارسهم لم تقفل ولكن لم تعد آمنة تماما أو مكان سكن الطلاب لم يعد آمن)، اقتصرت استجابة الوزارة على تعميم التحاق التلامذة النازحين بالمدارس القريبة لأماكن نزوحهم إلا أنّ هذه الاستجابة لم تؤت ثمارها. إذ إنّه، وحسب مصدر مطلع كان عدد التلامذة النازحين الذين التحقوا بالمدارس منذ شهر تقريبا قد لا يتجاوز 1200 من أصل أكثر 6000. 

 ولا يوجد معلومات عن مدى انتظام انتساب هؤلاء التلامذة، إذ يقول مدير إحدى المدارس في محافظة الجنوب لـ “المفكرة”  إنّ 20% فقط التلامذة النازحين الذين التحقوا بمدرسة انتظموا فيها، وذلك لأسباب تتعلّق بشكل أساسي بكلفة بدل النقل واضطرار بعض عائلات هؤلاء للانتقال من منزل إلى الآخر قد يكون ليس قريبا من المدرسة. ويتحدث المدير نفسه، (فضّل عدم ذكر اسمه) عن القدرة الاستيعابية، ليشير إلى أنّ مدرسته مثلا تضطر حاليا لوضع  50 تلميذا في أحد الصفوف الابتدائيّة في غرفة واحدة.

مع فشل الالتحاق بالمدارس القريبة وبعد حوالي 3 أشهر على النزوح وتحديدا منذ أسبوعين، وحسب ما يوضح أكثر من مصدر متابع، استطاعت الوزارة الوصول إلى أكثر من 5 آلاف تلميذ نازح جمعت بياناتهم بالتعاون مع مديري المدارس ليتمّ توزيع أجهزة لوحيّة عليهم وأجهزة حاسوب محمولة للأساتذة مطلع الأسبوع المقبل لاعتماد التعليم عن بعد (بدأت بعض المدارس اعتماده)، آملة أن يُؤدي هذا الأمر إلى انتظام العام الدراسي جنوبا.

لا يعوّل الأساتذة ومديري المدارس كثيرا على اعتماد التدريس عن بعد فالتجربة السابقة التي فرضتها جائحة كورونا لم تكن ناجحة حسب ما يؤكدون. “تجربتنا مع التعليم عن بعد لم تكن ناجحة أيّام السلم فكيف أيّام الحرب؟ تقول مديرة إحدى المدارس في الجنوب مضيفة في حديث مع “المفكّرة” أنّ تأمين أجهزة لوحية للتلامذة وأجهزة حاسوب للأساتذة والإنترنت قد يُساعد في إنجاح التجربة ولكنّ الأمر يبقى صعبا”.

ما يعبّر عنه مديرو المدارس يعكسه كلام التلامذة الذين التقيناهم. ففي أحد مراكز الإيواء في محافظة الجنوب تخبرنا سالي وهي تلميذة في الأوّل ثانوي (14 عاما) نازحة من عيتا الشعب أنّ هذا يومها التعليمي الأوّل (منذ أسبوع) إذ تبدأ اليوم متابعة صفوفها في مدرستها عن بعد لأنّها لم تتمكّن من التواصل مع مدرستها في السابق، ولم تستقبلها مدرسة قريبة عملا بمبدأ الالتحاق. “لم يكن لديّ رقم مدير مدرستي، ومنذ أيّام تواصل معنا وطلب التحاقي عن بعد” تقول. لم يكن يومها الأوّل منتجا حسب تعبيرها إذ إنّها لم تستطع متابعة صفوفها على تطبيق زوم بسبب عدم قدرة والديها تأمين الإنترنت، لذلك تنتظر من أساتذتها أن يرسلوا لها الدروس عبر تطبيق واتساب لتتابعها وحدها.

حال سالي ليس استثناء في مراكز الإيواء خاصة، إذ تخبرنا أم يوسف أنّ ابنها البالغ 11 عاما ( الصف الرابع ابتدائي) بدأ منذ يومين فقط صفوفه عن بعد بعدما تواصل معها مدير مدرسته في قرية بليدا التي نزحت منها منذ حوالي الشهرين.

وتُشير أم يوسف أنّها حاولت منذ الأيام الأولى لنزوحها إلحاق ابنها في أي مدرسة قريبة إلّا أنّ أي منها لم تستقبله. “أخبروني أنّ لا مكان له في المدارس القريبة، فبقي بلا مدرسة حتى تواصل معنا المدير ليبدأ بعامه الدراسي عن بعد”. وتماما كما سالي لن يحضر يوسف صفوفه بسبب عدم قدرة والديه تأمين ثمن الإنترنت.

لا تقتصر العوائق التي تواجه التلامذة النازحين على القدرة الاستيعابيّة للمدارس القريبة أو تأمين الأنترنت بل تأمين الهاتف المحمول أو أجهزة لوحيّة ولاسيّما إذا كان للعائلة أكثر من طفل يتابع تعليمه عن بعد. “عندي 3 أطفال يتابعون دراستهم عن بعد، حاليا أعطي الأولويّة لأختهم الكبرى، هي في صف البريفيه ولديها امتحانات رسميّة، أعطيها الهاتف المحمول الوحيد الذي نملكه، أمّا شقيقيها  فأحاول تعويض دروسهما بعد انتهائها من دروسها، ” تقول إحدى النازحات التي كان أبناؤها يدرسون في الناقورة.

يأمل أولياء الأمور، كما التلامذة، أن يُساهم التعليم عن بُعد بعد تأمين الأجهزة المطلوبة والإنترنت في انتظام العام الدراسي جنوبا، ولكنّ هذا الأمر يطرح بدوره سؤالا حول خطط الوزارة لتعويض ما فات هؤلاء خلال انقطاعهم حوالي 3 أشهر عن التعليم، ولاسيّما تلامذة الشهادات الرسميّة، وعن إمكانيّة تقليص المناهج كما العام الماضي والذي كان سببه إضراب الأساتذة نتيجة عدم إعطائهم حقوقهم، الأمر الذي يطرح بدوره سؤالا عن مستوى الطلّاب والشهادة الرسميّة، وعن الفاقد التعليمي الذي تراكم خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وخلال جولتنا عبّر عدد من التلامذة الذين التحقوا بالمدارس وعادوا بعدها وتوقّفوا بسبب عدم قدرتهم على مجاراة المستوى التعليمي لأقرانهم في الصف “هنّي صاروا آخدين دروس كتير ونحن لا ” قال أحد التلامذة النازحين من قرية بيت ليف.

وفي هذا الإطار أوضح عضو لجنة التربية النيابية النائب أشرف بيضون لـ “المفكرة القانونيّة” أنّه منذ أسبوعين  تمكّنت وزارة التربية من الوصول إلى أكثر من 5 آلاف تلميذ تمّ تسجيلهم في المدارس في المنطقة المستهدفة بالعدوان وبالتالي النزوح جنوبا، وأنّه مطلع الأسبوع المقبل سيتمّ توزع أجهزة لوحيّة عليهم جميعا فضلا عن توزيع أجهزة حاسوب محمولة للأساتذة. وأنّ هناك عملا جاريا مع وزارة الاتصالات لدراسة إمكانيّة تأمين الإنترنت لهؤلاء التلامذة والأساتذة وإن كان دون ذلك بعض العوائق العمليّة كون النازحين موزعين في محافظات عدة، إضافة إلى عوائق قانونيّة.

أحد مراكز الإيواء في صور

عدم الإستقرار وبدل النقل

عدم الإستقرار أيضا يشكّل عاملا أساسيّا في عدم انتظام التلامذة النازحين في المدارس، إذ يُخبرنا أبو أحمد أنّ أبناءه الثلاثة لم يذهبوا إلى المدرسة يوما واحدا، فهو غير مستقرّ في مكان واحد وينتقل من محافظة إلى أخرى. “في كلّ مرة أفكّر في تسجيلهم في مدرسة قريبة تجبرني ظروفي المعيشيّة على الانتقال من مكان سكني، مرّة عند أقاربي ومرّة في مركز إيواء، أفكّر جدّيا بالعودة إلى منزلي وإن كانت القرية غير آمنة” يقول.

 كلفة النقل أيضا هي من العوائق الأساسيّة التي تحول دون التحاق عدد كبير من التلامذة بالمدارس. “لا يمكن الوصول إلى المدرسة القريبة مشيا، نحتاج إلى تأمين سيّارة، نحن بلا عمل وما نملكه من مال نفد، لا نستطيع تكبّد كلفة إيصال أبنائنا إلى المدرسة” تكرّر أكثر من عائلة نازحة التقيناها.

ويُشار إلى أنّ “اليونيسيف” تكفّلت ببدل النقل وأوضحت لـ “المفكرة” أنّ جميع الأطفال النازحين اللبنانيين وغير اللبنانيين الذين أُعيد تسجيلهم في المدارس الرسمية خلال العام الدراسي الحالي (في الصفوف الإعدادية والطفولة المبكرة حتى الصف 12)  مؤهلون للحصول على بدل النقل. وأوضحت “اليونيسيف” أنّ كل طفل مؤهل مسجل في برنامج بدل النقل سيحصل على دفعة شهرية قدرها 20 دولارًا أمريكيًا على مدى 4 أشهر تغطي الأشهر من تشرين الأول إلى كانون الثاني 2024 في حين سيتم تحويل الدفعة الثانية البالغة 20 دولارًا لتغطية كانون الثاني 2024. وأنّ الأمر سيتم بناءً على قائمة الأطفال النازحين الذين أعادت وزارة التربية تسجيلهم في المدارس.

وخلال جولتنا على العائلات النازحة لاحظنا أنّ عددا من العائلات وصلهم بالفعل 60 دولارا عن كلّ طفل عن الأشهر الثلاثة الماضية، وأنّ بعضهم لا يزال ينتظر بسبب عدم الانتهاء من اللوائح أو أخطاء في التسجيل وبسبب ما أسموه فوضى.

وفي إطار هذه الفوضى يُخبرنا أحد النازحين في أحد مراكز الإيواء في صور تحديدا في مهنيّة صور أنّ كلّ التلامذة في هذا المركز (12 تلميذا) لا يذهبون إلى المدارس إذ إنّه كان ينقلهم إلى المدرسة الشهر الماضي ولكنّ بدل النقل من اليونيسيف وصل إلى أولياء الأمور ولم يدفعوا له. “حاليا لا يذهبون إلى المدرسة، أنا استدنت ثمن البنزين لإيصالهم وبدل النقل وصلهم، ولم يدفعوا لي”. يقول.

أحد مراكز الإيواء في صور

وطأة النزوح

بالإضافة إلى كلّ العوائق المذكورة سابقا، كان شعور التلامذة النازحين بعدم الراحة، ولاسيّما أنّ بعضهم كان يضطّر إلى الذهاب  بالـ “بيجاما” إلى المدرسة، سببا بعدم التحاق النازحين بمدارس قريبة أو تسرّبهم بعد أيّام من الالتحاق. ” لديّ ولدان، التحقا بمدرسة قريبة بعد نزوحي إلى صور، لم يدم الأمر كثيرا، بعد أيّام من التحاقهما رفضا الذهاب، لم يشعرا بالراحة لذهابهم بثياب النوم، نحن نزحنا على عجل ولم نحضر أغراضنا الشخصيّة”. تقول إحدى النازحات لـ “المفكرة”.

وفي السياق نفسه تقول نازحة أخرى في أحد مراكز الإيواء: “عم نعبّي ماي للحمامات الخربانة أصلا، والكهرباء مقطوعة ونحن في فصل الشتاء، نجلس على العتم أغلب الأوقات، كيف نُتابع تعليم أبنائنا، ابني يقول لا أريد أن أذهب إلى المدرسة وأنا لا أستطيع الاستحمام”.

الأمر نفسه تعبّر عنه سيّدة نزحت من قرية طير حرفا منذ 3 أشهر إلى صور،  والتي تُخبرنا بأنّ ابنها منتظم في المدرسة القريبة ولكنّ الأمر يتطلب منهما (هي وابنها) مجهودا كبيرا. “يذهب إلى المدرسة منذ فترة، أواجه الكثير من الصعوبات، فهو يشعر دائما بأنّه غريب، هو نازح بالنسبة إلى زملائه، وهذا ليس سهلا عليه”.

 وكانت “اليونيسيف” أشارت في بيان لها إلى تدهور متزايد في معظم جوانب حياة الأطفال في لبنان، وإلى أنّ إغلاق عشرات المدارس في جنوب لبنان أبوابها بسبب الاعتداءات الإسرائيليّة أثّر على أكثر من 6000 طالب.

وليس بعيدا عن تخبّط الخطط، كان تحويل بعض المدارس إلى مراكز إيواء مع إبقاء العمل فيها كمدرسة، كما الحال في ثلاث مراكز إيواء في صور (مهنية صور، تكميليّة صور للبنات، تكميليّة صور الرسميّة الثانية)، خيارا غير صائب أيضا حسب تعبير أكثر من مدير مدرسة ومعني في الشأن التربوي. ولعلّ الإشكال الذي حصل بين مديرة مدرسة صور الرسمية المختلطة ونازحين من القرى الحدودية إلى المدرسة، خير دليل على ذلك.

وبغض النظر عن تفاصيل هذا الإشكال، كانت تداعياته سلبيّة بطبيعة الحال على التلامذة النازحين وعلى تلامذة المدرسة. “شعرت بالخوف، شاهدت الدرك في المدرسة، وسمعت صراخا، وبعض التلامذة بدأوا يقولون إنّ هناك إطلاق نار”. يقول أحد التلامذة الذي كان من المفترض أن يكون يتابع صفّه بأمان. “معنا تلامذة لديهم احتياجات خاصة، بدأوا يصرخون، أغلقت المعلّمة الصفّ، ولكنّنا كنا نسمع الصراخ والخبيط” يقول تلميذ آخر.

وبعيدا من الإشكال نفسه يسأل عدد من أولياء الأمور والأساتذة عن إمكانيّة انتظام عام دراسي في صفوف يتعلّم فيها تلامذة فيما تُحاذيها صفوف خصّصت للّنازحين “هل نطلب من النازحين أن يجلسوا بلا حركة خلال التدريس مثلا؟ هل نضع لهم قواعد كأنّهم تلامذة؟ وفي المقابل كيف يمكننا أن نُحافظ على أدنى القواعد المدرسيّة في ظلّ تواجد نازحين فيها”. تقول مديرة في إحدى مدارس الجنوب.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، سلطات إدارية ، مؤسسات عامة ، الحق في التعليم ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية