بين النبذ والتّأييد والمناورة: قضية فلسطين في وعي يسَارَات فرنسا


2023-11-22    |   

بين النبذ والتّأييد والمناورة: قضية فلسطين في وعي يسَارَات فرنسا

في اليوم التّالي لهجوم السّابع من أكتوبر الذي شَنّته المقاومة الفلسطينية في غلاف غزة، وجدَ حزب فرنسا الأبيّة وزعيمه جون لوك ميلونشون أنفسهم وسط ساحة حرب سياسية من دون سند، حتى من أقرب حلفائهم داخل تحالف اليسار الراديكالي. فقد أدان الحزب هجمات 07 أكتوبر ولكنه رفَض توصيف حركة حماس بـ “الإرهابية”، مُصرًّا على وَضع الهجوم في سياقه السياسي والتاريخي، الأبعد والأعمق من لحظة 7 أكتوبر المبتورة، مشيراً إلى أنّ الهجوم يأتي في سياق تكثِيف سياسة الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية وليس مجرّد “هجمات إرهابية”، مثلما أعلنت عن ذلك جميع القوى السياسية الفرنسية يميناً ويساراً. هذا الموقف المُتفرّد والشاذ فرنسياً يكشف أولاً عن مدى رسوخ فكرة دعم إسرائيل في التقليد السياسي الفرنسي المعاصر، لأسباب سياسية ونفسية موروثة. وثانياً لا يستثني هذا الدعم لإسرائيل جزءا واسعا من اليسار الفرنسي الذي من المفروض أنه يعبرّ عن مواقف مضادة للعنصرية والاستعمار ودعم حركات التحرّر، ولكنه لا يفعل ذلك إذا تعلّق الأمر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعادةً ما يستدرك باحتشام تضامنه مع الجانب الفلسطيني، مؤكّدًا على أن ذلك لا ينتقِص من دعمه لإسرائيل.

مع التّسليم بأنّ اليسار الفرنسي ليس كتلةً واحدةً، سواءً على المستوى التنظيمي أو الإيديولوجي، فإنّ اليسار الفرنسي المؤسّسي كانت مواقفه دائماً من الصراع العربي الإسرائيلي تتحرّك تحت سقف حلّ الدولتين، من دون أيّ تجاوز نحو فكرة تحرير فلسطين وإنهاء وجود إسرائيل، لأن الوجود الإسرائيلي تحوّلَ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مقابل لكراهية اليهود ومعاداة السامية. وهكذا أصبحت إسرائيل تجسيداً لفكرة “التكفير عن الذنبّ”، وهي سردية مُعمّمَة أوروبياً وأكثر وقعاً في ألمانيا وفرنسا. وينبَع ذلك من تقليد يساري عميق يدور حول ما يسميه الفيلسوف وعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي رينه جيرار “قوة الضحية”، إذ يُفصّل ذلك في كتابه “أرى الشيطان يسقط مثل البرق”[1] بالقول إن إحدى القيم الأساسية التي تُهَيمن على الثقافة التقدمية المعولمة والتي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية -وأكثر بكثير من التقدم التكنولوجي أو النمو الاقتصادي- هي: “صعود قوة الضحية”، إذ أصبحنا نعيش وفقاً للفيلسوف الفرنسي تحت حكم “الضحية التي تستخدم أيديولوجية الاهتمام بالضحايا لاكتساب السلطة السياسية أو الاقتصادية أو الروحية”. لكن هذا التمترسّ اليساري الفرنسي لم يخلُ يوماً من استثناءَات ذهب بعضها بعيداً في دعم قضية الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة، وربّما نحو مساحات عمل وأهداف وأفكار لم يتجرّأ حتى بعض العرب على الذهاب نحوها.

الصهيونية والتقليد الاشتراكي

دون التقليل من العامل النفسي لقوة الضحية، الذي لعب دوراً بارزاً في دعم اليسار الفرنسي بشقّيه الاشتراكي والشيوعي لقيام دولة إسرائيل عام 1948، فإن عاملين مهمّين آخرين كان لهما الدور الأكبر في صياغة هذا الدعم وتبريره. يتعلق الأول بموقف اليسار الشيوعي وممثله الرسمي الحزب الشيوعي الفرنسي الذي دعم قرار تقسيم فلسطين، بوصفه امتدادًا لموقف الاتحاد السوفياتي، وهو الموقف الذي شاركته فيه جميع الأحزاب الشيوعية الموالية للاتحاد السوفياتي، بما فيها الأحزاب الشيوعية العربية. حيث كانت موسكو أول دولة في العالم تعترف بإسرائيل. أما العامل الثّاني فهو “الصهيونية الاشتراكية” التي كانت أقوى أجنحة الحركة الصهيونية العالمية، والتي كانت عملياً الجناح الذي أسس الدولة الصهيونية في عام 1948 من خلال “حزب ماباي” بقيادة دافيد بن غوريون. نجحتْ هذه الصهيونية اليسارية منذ عشرينيات القرن الماضي في السيطرة على الهيئات اليهودية والصهيونيّة الرئيسية كافة في فلسطين مثل “المجلس الوطني اليهودي” و”الوكالة اليهودية”. ويرجع ذلك أساساً إلى أنّها كانت قادرة على تولّي المسؤولية وتقديم إطار للاندماج والعمل للقادمين الجدد، خاصة في ظلّ إنشاء شبكات الهستدروت (الاتحاد العامّ لنقابات العمال الإسرائيلية) والكيبوتس (تجمّع سكني تعاوني يضمّ جماعة من المزارعين أو العمال اليهود الذين يعيشون ويعملون معاً). هذه الإيديولوجيا الاشتراكية للحركة الصهيونيّة المؤسّسة للدولة جعلتْ اليسار الفرنسي، لاسيّما الاشتراكي، مسانداً قوياً لإسرائيل، معتبراً إياها “جنة المجتمع الاشتراكي وسط صحراء من الإقطاعيات العربية الرجعية”[2].

حَافظَ اليسار الفرنسي بِشِقّيه الشيوعي والاشتراكي على دعم مديد لإسرائيل، خلال حقبة الجمهورية الرابعة، رغم أنه كان داعماً لسياسات نزع الاستعمار وتصفية الإمبراطورية الفرنسية الإمبريالية. كما أن الحزب الشيوعي دَعمَ استقلال الجزائر بقوة. ترافقَ ذلك مع موقف رسمي فرنسي داعم لإسرائيل تبلور بوضوح خلال العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه فرنسا إلى جانب بريطانيا وإسرائيل ضد مصر، بعد تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس. لكن هذا الدّعم الرسمي خَفتَ نسبياً بعد قدوم الجنرال شارل ديغول إلى السلطة وتأسيس الجمهورية الخامسة. انتهت سياسة ديغول في بداية الستينات إلى فكرة إعادة صياغة العلاقات مع العالم العربي والمُستعمرات الفرنسية السابقة، من خلال تصفية الاستعمار التقليدي وكبح جماح الانجراف الفرنسي في دعم إسرائيل. وهو الموقف الذي سيظهر بوضوح في أعقاب حرب 1967 التي أكملَت فيها إسرائيل احتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية التي عجزت عن احتلالها عام 1948.

اليسار الجديد والنكسة

شهدت ستينات القرن العشرين تبلور واقع عالمي وفلسطيني جديد ومختلف. وبدَفعٍ قويّ من حركات التحرر الوطني وما حققته من انتصارات في إنهاء الاستعمار دخَلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني طوراً جديداً من مسارها، بعيداً عن وصاية الأنظمة العربية، وأخذت تُنظّم نفسها عسكرياً وسياسياً بشكل أكثر استقلالاً، مع الحفاظ على روابط دعم مع الأنظمة التي كانت تُعتبر حينذاك “ثوريةً” كمصر وسوريا والعراق. وكذلك بانتهاج أساليب نضال جديدة كانت متأثرةً بالصراع التحريري الذي تخوضه الحركة الثورية الفيتنامية ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وفي مَسارٍ موازٍ كانت الثورة الثقافية الصينية قد انطلقت، وأصبحت حدثاً تعبوياً عالمياً. كما لعبت خيبة الأمل اليسارية في حلم ”الدولة الإسرائيلية الاشتراكية المُدارة ذاتيا”[3] -التي تحوّلت إلى رمز للدولة المستعمرة بدعم من الإمبريالية الأمريكية- دوراً في بروز تيار شبابي يساري داعم لفلسطين بقوة إلى حدٍّ تَجاوزَ فيه خطّ إنهاء وجود إسرائيل والذهاب نحو دولة فلسطينية ديمقراطية علمانية، يَعيش فيها المسلمون واليهود والمسيحيون على أساس المُواطنة.

أثّرت هذه التحوّلات العالمية في اليسار الفرنسيّ، خصوصا مع بروز حركة يسارية جديدة راديكالية ذات توجهات ماوية، وتَضعُ من بين أهدافها الأساسية القضاء على اليسار التحريفي سواء كان الاشتراكي الديمقراطي أو البيروقراطي السوفياتي، وهي النواة التنظيمية التي قادتْ انتفاضة ماي 1968 والتي تأسّس عليها لاحقاً في خريف 1968 تنظيم “اليسار البروليتاري”، الذي شَكّلَ الشباب اليهودي الماركسي أغلب عناصره وقياداته. من خلال المصريين عادل رفعتّ وبهجت النادي (اسمهما الحركي المشترك محمود حسين)، ارتبطَت المنظمة الثورية الوليدة منذ بداية تأسيسها بالثورة الفلسطينية وشارَك عناصرها في دورات تدريبية في معسكرات الثورة بالأردن ولبنان أواخر الستينات، كما قادوا تظاهرات لدعم فلسطين في فرنسا، ودعَمُوا إصدار مجلة “فدائيين” التي حرّرها رفعت والنادي وموّلَتها حركة فتح. كان لهذه المجلة تأثير كبير في إعادة صياغة رواية مُختلفة عن السائد حول الصراع العربي الإسرائيلي. في عددها الأول، كانت صورة الغلاف لمقاتل مُلثّم بالكوفية ويُصوّب بندقيته الكلاشينكوف نحو السماء[4]. وسعتْ المجلة إلى ربط الثورة الفلسطينية المًسلّحة مع سردية الثورة العالمية التي تأسّست بعد الثورة الثقافية في الصين وتبنّتها معظم تنظيمات اليسار الجديد في العالم. دَفعَت هذه السياقات عشرات التروتسكيين والماويين الفرنسيين إلى الانخراط الفعلي في الثورة الفلسطينية كمقاتلين في صفوف مختلف الفصائل، ولقي عدد من الناشطين الفرنسيين حتفهم في معارك ضد الإسرائيليين في لبنان، من بينهم فرانسواز كيستمان التي استشهدت في 22 سبتمبر 1984 خلال هجوم مسلّح على السواحل الإسرائيلية تبنته حركة فتح، إلى جانب زوجها الفلسطيني فتحي خليل ضاهر. ودُفنت في مقبرة “شهداء شاتيلا” المجاورة لمخيم اللاجئين الفلسطينيين الذي يحمل نفس الإسم في بيروت. وكذلك نيكولا روبي، عضو الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الذي استشهَد عن عمر يناهز الـ25 عامًا، أثناء قصف إسرائيلي لمنطقة الفاكهاني في بيروت الغربية، في 17 جويلية 1981.[5]

ورغم أن حرب 1973 قد وضَعَت حدّاً لحماس المنظمة الثورية الماوية، التي تراجع تأثيرها في دعم الثورة الفلسطينية، وقبلها عملية ميونخ التي نفّذها تنظيم أيلول الأسود في المدينة الأولمبية عام 1972، إلا أن جزءاً من اليسار الراديكالي حافظ على روابط مع التنظيمات الثورية الفلسطينية، لاسيما مجموعة العمل المباشر (AD) ذات التوجهات الراديكالية، والتي ارتبطت بجهاز العمليات الخارجية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة وديع حداد، ونفّذَت عمليات مسلحة ضد مصالح وأهداف إسرائيلية في فرنسا خلال عقد السبعينات، ضمن برنامج عمل جديد أطلقت عليه اسم “الجبهة المناهضة للإمبريالية”، ويربط بين النضالات التي تخوضها حركات التحرر في العالم الثالث (الأطراف) بالغرب (المركز) من خلال نقل “المعركة” إلى المراكز الغربية. ورغم أن هذا التوجّه كان أقلياً ومُعتمِداً كلياً على العمل السري المسلح إلا أن تأثيره كان ذا حدّين فيما يتعلق بتضامن الرأي العام الفرنسي واليسار مع القضية الفلسطينية.

الحزب الاشتراكي: من أجل إسرائيل

في أعقاب حرب 1967 أدان الرئيس الفرنسي شارل ديغول إسرائيل لأنها بدأت الأعمال العدائية. كما طالبها بإعادة جميع الأراضي التي احتلّتها منذ الخامس من جوان، ورفض إتمام صفقة شراء طائرات “الميراج” الخمسين إلى أن يتم تنفيذ هذا الانسحاب. كان موقف ديغول مُتّسِقاً مع ما أعلنه قبل الحرب بأسابيع بأنه سيُدين الطرف الذي سيبدأ بالأعمال العدائية، معتبراً إغلاق مصر لخليج العقبة مبرراً غير كافٍ للهجوم الإسرائيلي[6]. سيؤسّس هذا الموقف لتقليد فرنسي في السياسات الخارجية يقوم على دعم حلّ الدولتين والمطالبة بوجود دولة فلسطينية مستقلّة. وَرِثَ اليمين الفرنسي هذه السياسة الديغولية، التي ظهَرَت بوضوح خلال عهد فاليري جيسكار ديستان، الذي ساهم في “إعلان البندقية” عام 1980، حين أعلنت الدول التّسع الأعضاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية عن استعدادها “للمشاركة في سياق تسوية دولية للصراع في الشرق الأوسط في نظام من الضمانات الدولية الملموسة والملزمة”، مُطالبةً بأن تكون منظمة التحرير الفلسطينية جزءاً من الحلّ، خلافاً للرأي الأمريكي والإسرائيلي الذي كان يُصنّف المنظمة ضمن قوائم الإرهاب. كما رفض ضمنًا السلام المنفصل بين مصر وإسرائيل الذي تم التوصل إليه في 17 سبتمبر 1978 في كامب ديفيد بالولايات المتحدة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن والرئيس المصري أنور السادات تحت رعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر[7].

 في مقابل هذا التوازن الديغولي، حافظَ الاشتراكيون الفرنسيون على انحياز نسبي لإسرائيل، بدفع واضح من علاقاتهم الدولية مع حزب العمل الحاكم في تل أبيب. لذلك بدَا واضحاً أن صعود أول اشتراكي إلى الرئاسة في عهد الجمهورية الخامسة، وهو فرانسوا ميتران عام 1981، سيكون عامل تحوّل في رؤية فرنسا للصراع في الشرق الأوسط. حافظ ميتران على صورة “صديق إسرائيل”، ربما لأنه يَحمل عقدة ذنب عميقة بسبب تعاونه مع حكومة الماريشال بيتان خلال فترة الاحتلال النازي. ومعَ ذلك حافظ ضمن مسارٍ موازٍ ومتناقض على رؤية الجنرال ديغول للصراع في اتجاه ضرورة إقامة دولة فلسطينية مُستقلة، وكذلك الاعتراف بمنظمة التحرير كجزء من الحلّ. لم تكن سياسة ميتران حريصةً على القضية الفلسطينية بقدر ما كانت واعيةً بأن أيّ أمل في وجود دائم ومطمئن للدولة الإسرائيلية لا بدّ أن يمرّ بحلّ تكُون فيه للدولة الفلسطينية وجود. فهو كما يصفه الدبلوماسي والمؤرخ جان بيير فيليو في كتابه “ميتران وفلسطين”، كان ملتزماً بفلسطين من منطلق الصداقة لإسرائيل.

قبل ذلك، وفي عام 1972، قامَ ميتران بزيارة إلى فلسطين المُحتلّة واكتشف مخيّمات اللاجئين في غزة. شكّلَت هذه الزيارة تحولاً نسبياً في رؤيته للوضع، بعيداً عن الرومانسية الاشتراكية التي كانت تُشكل صورة مُتخيلة عن إسرائيل. وفي عام 1974 التقى للمرة الأولى برئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. بعد صعوده السلطة بشهور كان فرانسوا ميتران أوّل رئيس فرنسي للجمهورية الخامسة يُسافر إلى إسرائيل لإلقاء خطاب أمام الكنيست، في مارس 1982. وبعيدًا عن مجرد التذكير بالصداقة بين فرنسا وإسرائيل، تحدّث علنًا آنذاك عن ضرورة وجود دولة فلسطينية ومفاوضات السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، إذا تخلت الأخيرة عن الكفاح المسلح والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود. وبعد شهور من ذلك الخطاب سيَلعب الرجل دوراً في خطة خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت بعد حصار طويل نحو تونس، وهي الخطة التي رتّبَتها الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع فرنسا وتونس، حيث ساهمت في فصل منظمة التحرير عن جبهة الكفاح المسلح وإبعادها نحو تونس. وخلال عقد الثمانينات، طوّرَت فرنسا في عهد ميتران علاقات أمنية وسياسية واسعة مع المنظمة، شأنها في ذلك شأن إيطاليا في عهد بيتينو كراكسي. ساهمت سياسة التقارب تلك في “تَليين” موقف المنظمة وصولاً إلى بداية التسعينات وقبول التسوية.

ما بعد ميتران

برحيل فرانسوا ميتران عن السلطة، خَسرَ الاشتراكيون رئاسة الجمهورية. بدا واضحاً أن الحزب -وتحت تأثير تحولات ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والمسار الليبرالي الذي انتهجه منذ العهدة الثانية لميتران (1988) أو حتى منذ سنة 1983- يتّجه نحو نسخة أقل اشتراكية وأكثر نزوعاً نحو اللبّرلة، ضامّاً إليه شرائح اجتماعية جديدة، ولاسيما نخباً فكرية وثقافية. لكن ما بدا أكثر وضوحاً بداية من تسعينات القرن الماضي هو الانحياز الشديد للحزب إلى جانب إسرائيل. في عام 2001 كتَب باسكال بونيفاس، المندوب الوطني للشؤون الاستراتيجية داخل الحزب، مُذكرة داخلية انتقد فيها عدم وجود مسافة نقدية بين الحزب والسياسات الإسرائيلية. حدَثَ ذلك على وقع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وسياسات القمع التي سلكَها رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون. تحوّلَت المذكرة الداخلية إلى كتاب منشور للعموم، تحت عنوان “هل يجوز انتقاد إسرائيل؟”، بعد أن دفع صاحبه ثمن موقفه، الذي كلّفَه الطرد من صفوف الحزب بشبهات معاداة السامية. منذ ذلك الوقت أصبح سيف معاداة السامية مُسلَّطاً على كل صوت ينتقد السياسات الإسرائيلية، رغم أن السياسة الرسمية في عهد جاك شيراك حافظَت في الحدّ الأدنى على مواقف متوازنة كانت تُمثّل الموقف الديغولي التقليدي. لكن بداية من عهد نيكولا ساركوزي، الذي كان أقرب لأفكار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، أصبحت البيئة السياسية الفرنسية، يميناً ويساراً أكثر انحيازاً لإسرائيل، رغم الحروب المُتعاقبة على غزة ولبنان.

في المقابل نَمَت على أطراف هذا التيار السائد حركات شبابية راديكالية مُعادية للعولمة ومساندة لقضية فلسطين، تضمّ داخلها نشطاء من اليسار التروتسكي والبيئي، بدفع من شبكات التضامن الأممي مع فلسطين، وكان نشاطها مُتّجهاً نحو المقاطعة والعمل الشعبي في صفوف المهاجرين والكتابة والنشر والتضامن الإلكتروني. كذلك ظهَر تيّار منشقّ عن الحزب الاشتراكي أكثر التزاماً بالاشتراكية كممارسة وله رؤية مختلفة للعلاقات الخارجية لفرنسا تزعّمه جون لوك ميلونشون وضمَّ إليه عناصر شبابية راديكالية ضمن “حزب اليسار”، الذي تحوّل عام 2016 إلى حزب “فرنسا الأبية”. لا يتجاوز هذا التيار خط حلّ الدولتين، لكنه خلافاً لبقية اليسار الفرنسي لا يُسقط حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال عسكرياً. في المقابل حافظ الحزب الشيوعي الفرنسي وحزب الخضر على مواقف قوية في إدانة احتلال الضفة الغربية وانتشار المستوطنات وحصار قطاع غزة ونظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل، لكنهم كانوا أكثر تحفظاً تجاه أي مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

أخيراً، رغم بعد المسافة، يحضر الصراع العربي الإسرائيلي بقوة في فرنسا. يعود ذلك إلى روابط تاريخية لا تنفك، حيث تحتضن فرنسا أكبر جالية يهودية في أوروبا والثانية في العالم، وتضم جالية عربية واسعة، ربما هي الأكبر في أوروبا. كما أن الصراع دائماً ما يلقي بظلاله السياسية والأمنية في الداخل الفرنسي. لذلك فإن اليسار الفرنسي كان دائماً إما حذراً في منح دعمه لقضية شعب يعاني من الاحتلال والفصل العنصري، وسخياً في منح دعمه للمحتل، لأن ما يحركّه كان دائماً حسابات السياسة الفرنسية الداخلية، ذات الموازين المختلة بين حضور إسرائيلي قوي رغم أقليّته الديموغرافية، وضعف عربي واضح رغم قوّته الديموغرافية.[1] 


[1]  René Girard – Je vois Satan tomber comme l’éclair, Paris, Grasset, 1999

[2]  Thomas Vescovi – L’échec d’une utopie : Une histoire des gauches en Israël, Paris, La Découverte, 2021

[3] Denis Sieffert – L’extrême-gauche française et la question palestinienne, Dans Matériaux pour l’histoire de notre temps 2009/4 (N° 96), pages 59 à 62

[4]  Fedayin, n° 3, mars 1970

[5] Véronique Bontemps، Jalal Al Husseini، Nicolas Dot-Pouillard et Abaher El Sakka, Penser la Palestine en réseaux, Paris, Diacritiques Éditions, Presses de l’Ifpo, 2022, pages 90 à 122.

[6] – Samy Cohen – De Gaulle et Israël. Le sens d’une rupture, Dans La politique étrangère du général de Gaulle – l’Institut de hautes études internationales, Genève, aux Presses universitaires de France, 1985

[7] – Ignace Dalle- La Ve République et le monde arabe, Paris, fayard, 2014


انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، مقالات ، فلسطين ، فرنسا



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية