بيان متميز لمجلس القضاء الأعلى، وحراك القضاة يحقق فوزا معنويا مزدوجا


2018-03-22    |   

بيان متميز لمجلس القضاء الأعلى، وحراك القضاة يحقق فوزا معنويا مزدوجا

أصدر مجلس القضاء الأعلى بيانا أمس ردا على كتاب وزير العدل سليم جريصاتي. وقد تميز هذا الكتاب في زوايا عدة:

الأولى، أنه عكس تحوّلا في أسلوب مخاطبة السلطة التنفيذية، بحيث حلّت لغة المساءلة محلّ لغة المناشدة التي غالبا ما ميّزت بياناته السابقة. وقد بدا ذلك واضحا من خلال تحميل وزير العدل صراحة مسؤولية إجهاض التعديل القانوني لآليات التشكيلات وجعل الحكومة مسؤولة عن حال الإمتعاض الذي يسود القضاء. أكثر من ذلك، ذهب المجلس إلى حد ختم بيانه بنبوءة مفادها أنه “لا يمكن أن ينتظم العمل في المحاكم”، إلا بتدخل من السلطات السياسية التشريعية في اتجاه إعادة الأمور إلى نصابها،  

الثانية، أنه ذكر بضرورة إدخال تعديلات تشريعية لضمان استقلال القضاء وإصلاح شؤونه. وقد ذكّر المجلس في هذا الخصوص بأن وزير العدل قد طلب سحب اقتراح قانون بتعديل المادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي الخاصة بالتشكيلات القضائية بحجة أنه سيتولى درسه، إلا أنه لم يفعل. وفيما أحسن المجلس انتقاد وزير العدل لامتناعه عن اقتراح أي إصلاح بديل في هذا المجال، فإن تمسك المجلس بتعديل المادة 5 من دون أي إضافات يشكل رؤية مجتزأة للإصلاح القضائي، رؤية مخالفة لمعايير استقلال القضاء. وللتذكير، التعديل المذكور ينص عمليا على تعزيز صلاحية مجلس القضاء الأعلى في نقل القضاة في مقابل إنقاص صلاحيات وزير العدل، كل ذلك من دون اقتراح أي تعديل لطريقة تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى (8 من 10 يعينون من الحكومة). والأهم هو أن تعديل المادة 5 المذكور يطرح تصورا عن الهيئة المسؤولة عن وضع التشكيلات القضائية، من دون أن يولي أي تفكير من أي نوع كان لمبدأ رئيسي قوامه أنه ليس بإمكان أحد نقل القاضي من دون رضاه.   

الثالثة، أنه ذكر بالمادة 44 من قانون تنظيم القضاء العدلي التي تنص على أن القاضي مستقل. فليس للقاضي أي رئيس مباشر أو غير مباشر كي يخضع لتعليماته. وليس هنالك قيادة أو ريادة في القضاء، لا قانونا ولا واقعا. واللافت أن المجلس ذكر في بيانه أنه ليس هنالك فصل بينه وبين القضاة طالما أن أعضاءه كلهم يتعاطون العمل القضائي وليسوا متفرغين لعمل المجلس. لا بل ذهب البيان أبعد من ذلك في اتجاه القول أن جلّ ما يميز أعضاء المجلس أنهم يتولون أعمالا إدارية محددة حصرا في المادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي. ومن هذه الوجهة، شكل البيان تصحيحا للخطاب السابق: فبعدما اعتبر المجلس في مناسبات عدة أنه يختزل السلطة القضائية، ها هو يعتبر نفسه مجرد هيئة إدارية تقوم بأعمال لضمان استقلال القضاة الذين هم يمثلون هذه السلطة.

الرابعة، أن المجلس اعترف بأهمية التحرك الجماعي للقضاة. فهو من جهة ذكر بأن اعتكاف القضاة الحاصل اليوم بخلاف إرادة مجلس القضاء الأعلى ليس الأول من نوعه، إنما حصل سابقا في 1982. ومن جهة أخرى، ذهب المجلس إلى الإشادة بإيجابية تحرك 1982 حيث ذكر أن القضاة كسبوا بنتيجته صندوق تعاضد القضاة في 1983. وبذلك، شهدنا تحولا أساسيا في خطاب مجلس القضاء الأعلى الذي غالبا ما سعى إلى إنكار حرية القضاة بالتعبير والتجمع، مجردا إياها من أي وظيفة إيجابية. ويبدو الموقف الجديد للمجلس متناسبا مع تعهد عشرات القضاة بإنشاء نادٍ للقضاة (وهو مطلب تدعمه المفكرة منذ 2006). 

الخامسة، أن المجلس ذكر بقرارات المجلس الدستوري التي تعدّ أي انتقاص من ضمانات استقلال القضاء غير دستوري. وهذا الأمر سبق أن أيدته المفكرة أيضا في عدد من بياناتها وبخاصة في دراستها حول عدم دستورية أي انتقاص من ضمانات القضاة المالية (التي تشكل جزءا لا يتجزأ من ضمانات استقلاليتهم) من دون إيجاد ضمانات بديلة متوازية.     

من هذه الزوايا كافة، أدى موقف المجلس ليس فقط إلى إعادة رسم العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية على نحو يعزز استقلالية القضاء الخارجية (تجاه السلطات الأخرى)، إنما أيضا وفي الآن نفسه، إلى إعادة رسم العلاقة بين مجلس القضاء الأعلى والقضاة على نحو يعزز استقلالية القضاء الداخلية (أي استقلالية القضاة إزاء الهرمية القضائية ممثلة بكبار القضاء). وبذلك يكون حراك القضاة قد حقق مكسبا معنويا مزدوجا. ويؤمل أن يتم تعزيز هذا المكسب من خلال إصلاحات بنيوية تبدأ بإنشاء نادٍ لتنتقل إلى الإنفتاح على القوى الديمقراطية بهدف إصلاح البنية التشريعية ضمانا لاستقلال القضاء.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية