بيان ائتلاف استقلال القضاء حول قمع حريات المحامين (2): مجلس نقابة المحامين يعالج استبداده بمزيد منه

بيان ائتلاف استقلال القضاء حول قمع حريات المحامين (2): مجلس نقابة المحامين يعالج استبداده بمزيد منه
ائتلاف استقلال القضاء في لبنان

رغم الاعتراض الواسع على قرار مجلس نقابة المحامين في بيروت بكمّ أفواه المحامين الصادر في 3/3/2023، بقيت النقابة على عنادها لتسارع خلال الأسبوع الماضي إلى نشر كتيّب يحتوي على نظام الآداب في حلته الجديدة، وكأنّها تضع الجميع أمام الأمر الواقع أو كأنّها في سباق مع القضاء الذي وضع يده على القضية. والمؤسف أنّ القرار كما الكتيّب خليا من أي أسباب موجبة واضحة، وكأنّما بإمكان مجلس النقابة أن يقيّد الحريات كما يشاء من دون أن يكون عليه أن يعطي أيّ مبرّر لذلك. أما المبررات التي أدلى بها نقيب المحامين وأعضاء مجلس النقابة لبعض وسائل الإعلام، فإنّها رشحتْ عن تضارب وتناقض أو كانت خارج الموضوع تمامًا (مثلًا تبرير تقييد الظهور الإعلامي بمشاركة محامين في اقتحام دائرة رسمية في سياق احتجاجي أو القول إنّ إعمال الرقابة المسبقة هو قرش الوقاية الذي يوفّر قنطار علاج). لا بل أنّ بعض التّبريرات رشحتْ عن تحوير واضح للسلطة كأن يتمّ تبرير إخضاع حرية المحامين للرقابة المسبقة بقيام “حفنة منهم لا يتعدّون أصابع اليد الواحدة” (العبارة لنقيب المحامين) بانتقاد النقيب وأعضاء المجلس وبخاصة في الانتخابات النقابية. فكأنّما تقييد حرية المحامين لا يؤدّي فقط إلى إفقار النقاش العام وإضعاف الخطاب الحقوقيّ الاحتجاحيّ وحرمان الناس من المعرفة القانونية، إنّما أيضًا إلى تحصين صور هؤلاء من أي مساءلة إعلامية تمهيدًا لإجراء انتخابات عمياء تتحكم فيها شبكات السياسة والمصالح بمنأى عمّا فعله أو لم يفعله المحامون المرشحون. 

وقد بلغ تحوير السلطة أوجه بعد استدعاء المحامي نزار صاغية (وهو عضو في الائتلاف) للاستماع إليه من قبل مجلس النقابة برمّته بعد أيام من نشر بيان ائتلاف استقلال القضاء السابق، خارج أي صلاحية ومن دون توضيح أسباب الدعوة، وهو إجراء ابتدعه مجلس نقابة المحامين لفرض مزيد من السطوة على المحامين وتخويفهم بإمكانية شطبهم من دون أي محاكمة.      

وعليه، يهمّ ائتلاف استقلال القضاء إبداء الأمور الآتية: 

  1. نسجّل عجز مجلس النقابة التامّ عن تقديم أيّ مبرّر جدّي للقيود المفروضة على الحرية والتي تبقى مخالفة لمبدأيْ الضرورة والتناسب وبخاصة للمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. فعدا عن أنّ آلية الرقابة المسبقة المستجدّة تبقى عاجزة عن تحقيق الغاية المعلنة (وضع حدّ لتجاوزات “حفنة من المحامين”)، فإنّها تؤدّي إلى عقوبة جماعية وأضرار جسيمة على صعيد الحرية والنقاشات القانونية تتعدى بكثير أي فائدة قد تحققها، هذا فضلًا عن أنّ للنقابة وسائل تدخل أقل كلفة بكثير لمعالجة التجاوزات التي تدّعيها، ممّا ينفي تمامًا شرط الضرورة. إذ أنّ معالجة التجاوزات تتم عن طريق المحاسبة في إطار محاكمة عادلة وليس عن طريق تجريد أجيال من المحامين من الحريّة. 
  2. نسجّل تعنّت مجلس النقابة وإصراره على المضيّ في تحوير السلطة واستغلالها، بدل تصحيح الأمور والتراجع عن القرارات. وليس أدلّ على ذلك سوى إعراضها عن اتخاذ أي إجراء ضد تجاوزات مقززة فاقعة حصلت في الأيام الأخيرة بشتم نقيب المحامين السابق ملحم خلف، مقابل استدعاء المحامين الذين قد يتجرّأون على انتقاد قراره لتعارضه مع المواثيق والمعاهدات الدولية. وهذا الأمر إنّما يثبت أنّ تبرير المجلس تقييد الحريات بإرادته مكافحة التجاوزات هو تبرير غير صحيح. وعليه، تصبح النتيجة الوحيدة لتقييد حريات المحامين هي فتح مجال واسع لمنعهم من أداء أدوارهم في تصويب أداء السلطة وضمان المحاسبة في ظروف تحوّل فيها الشعب اللبناني برمّته إلى ضحايا لنظام لا يعاقب. وما استدعاء المحامي نزار صاغية بما يمثله بشخصه وكمدير للمفكرة القانونية من دفاع عن القضايا أمام المحاكم وخارجها وأداء دور محوري في وضع استقلالية القضاء على أجندة الإصلاحات إلّا خير دليل على ذلك. فإمّا يرضخ المحامي لقانون الصمت ويتعايش مع النظام السائد، وإمّا يصبح متمرّدًا تضيق النقابة والمحاماة عليه. 
  3. نسجّل بقلق أنّ خطاب مجلس النقابة حول الفوضى (التي تدّعي مقاومتها) ينسجم تمامًا مع خطاب رئيس حكومة تصريف الأعمال وجمعية المصارف بالحديث عن الفوضى ضدّ أي عمل محاسبة أو مساءلة قضائية. وما يزيد من هذا القلق هو تزامن استدعاء صاغية مع استدعاء الصحافيين جان قصير (ميغافون) ولارا بيطار (مصدر عام) على خلفية تحقيقات تمحورت كلّها حول حق المجتمع في العدالة وتحكّم فارّين من العدالة بزمام الحكم والسلطة. وما يزيد من قلقنا هنا أنّ هذه الاستدعاءات إنّما تستهدف مدراء ثلاث مؤسسات تشكل سندًا أساسيًا في عملية التحرّر من النظام السائد.    
  4. ندعم الطعون التي قدّمها المحامون ضد القرارات المذكورة، داعين المحامين إلى أوسع تضامن ممكن حولها كتابة وتدخلًا فيها، آملين من محكمة استئناف بيروت أن تؤدّي دورها المنتظر في حماية الحقوق والحريات. 
  5. نسجل بقلق كبير استمرار نقابة المحامين في استخدام آلية تأديب مشوّهة خلافًا لقانون تنظيم مهنة المحاماة. وقوامها استدعاء محامين للاستماع إليهم من قبل مجلس النقابة مجتمعًا والتحقيق معهم والإصرار على حق المجلس في شطب المحامين من دون محاكمة، في مواقف تنمّ كلّها عن تسلّط سريالي لا يليق إطلاقًا بإرث النقابة ونضالاتها منذ  الخمسينيات كنقابة حريات. ونحن نحذر تاليًا من اتخاذ أيّ خطوات عقابية أو تخويفية بحقّ أيّ من المحامين على خلفية ممارسة حرية التعبير والانتقاد أو مخالفة أيّ من أحكام نظام آداب المهنة المخالفة حكما للدستور والمواثيق الدولية.   
  6. أخيرًا، يعتبر الائتلاف نفسه معنيًا مباشرة في استدعاء كل من لارا بيطار وجان قصير ونزار صاغية وسيخوض معهم من موقع الشراكة معركة الحرية والعدالة. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، المهن القانونية ، حريات ، حرية التعبير



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية