النهر يجرف ثلاثة أطفال من المخيمات: من المسؤول عن مأساة الليطاني واللاجئين على ضفافه؟


2019-02-22    |   

النهر يجرف ثلاثة أطفال من المخيمات: من المسؤول عن مأساة الليطاني واللاجئين على ضفافه؟

يندم مهنا الصالح أنه لم يأخذ الألف ليرة من ابنته آية “قلت بخليها مبسوطة فيها بدها تشتري”. كانت العاصفة الأخيرة في ذروتها في البقاع، وكان منسوب نهر البردوني الذي يعبر منطقة الفيضة في سهل زحلة يرتفع نحو مترين على الأقل. المياه الجارية تسير بسرعة منحدرة نحو نهر الليطاني في بر الياس. دخل مهنا إلى خيمته على ضفاف البردوني تاركاً آية لتقصد الدكان القريب. ثلاث دقائق كانت كافية لتختفي إبنة الأربع سنوات “ما عدنا لقيناها، فص ملح وداب”.

خرج مهنا وزوجته وعائلتهما ومعهم الجيران في الخيم الأخرى بحثاً عن آية. وحده خالها لاحظ أثرا، قال أنه لقدميها ويديها وهي تنزلق من حافة النهر نحو مجرى الماء. هناك على حجر صغير في نهاية أثر اليدين والقدمين الصغيرتين المنزلقتين، وجدوا مبلغ الألف ليرة، ليدركوا أن النهر قد جرف ابنتهم. اتصلوا بالدفاع المدني والصليب الأحمر والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وها هم بعد 13 يوما على فقدانها ما زالوا يجولون البردوني بحثا عنها :”يمكن صارت ببحيرة القرعون” يقول والدها على مسمع من أمها المتكومة في زاوية الخيمة تحضن أطفالها الصغار.

آية هي الطفلة الثالثة بعد طفلين جرفهما الليطاني وروافده أو قنواته خلال شتاء العام 2019، والثلاثة هم في عداد  68 ألف و645 لاجئا سورياً متروكين على ضفاف أنهر البردوني والغزيل (رافدي الليطاني) والليطاني نفسه بما فيه قناة القاسمية في الجنوب.

آية ربما جرفها البردوني نحو الليطاني. لكن أحمد إبن السنتين نجا من النهر لكنه لم ينجُ من النوم في بستان الموز في منطقة الزهراني بعدما جرفت فرق المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مخيما للسوريين قرب محطة الدبانة عند تقاطع الزهراني-النبطية باتجاه الأوتوستراد الساحلي نحو صور. ليلاً، وبعدما جرفت المصلحة 31 خيمة تقع مراحيضها على قناة الري التابعة لليطاني، وتروي نحو مائة هكتار من الأراضي الزراعية في المنطقة عينها. يومها، في ذلك الليل نام 17 فرداً من السوريين لم يتمكنوا من إيجاد مأوى بديل، في عراء البساتين القريبة، ويومها صحا أحمد ليلاً وطالب أبيه بالعودة إلى “البيت”، تلك الخيمة التي صارت خرابا.

مصلحة الليطاني: نزيل التعديات لبنانية وسورية

لم يعد تواجد اللاجئيين السوريين على نهر الليطاني وروافده من البردوني إلى الغزيل مرورا بكامل البقاع وصولاً إلى ليطاني الجنوب وقناة القاسمية في صور مجرد حدث عادي. الأمر “يرتبط بسلامة هؤلاء وصحتهم والبيئة المحيطة بهم من جهة، وبتنظيف الليطاني من جهة ثانية”، وفق ما يقول رئيس مجلس إدارة مصلحة الليطاني، مديرها العام سامي علوية ل “المفكرة القانونية”. يقول علوية أن الأموال التي تأتي على إسم النازحين كثيرة “أين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين؟ وأين المنظمات الإغاثية الأخرى؟ وأين وزارة شؤون النازحين ومعها وزارة الشؤون الاجتماعية؟”. أمامه على مكتبه في المصلحة، يبرز علوية الكتب التي أرسلها إلى المفوضية وكل الوزارات المعنية يطلب فيها إبعاد مخيمات “النازحين” عن الليطاني تنفيذاً لخارطة الطريق التي تضمنتها الخطة الوطنية لتنظيف الليطاني ومعالجة تلوثه في إثر إقرار القانون 63/2016 في المجلس النيابي.

هذه الكتب، وفق علوية لم ترد عليها المفوضية ولا وزارتا شؤون النازحين أو الشؤون الاجتماعية. “فلماذا تحملون المصلحة وزر مأساة السوريين على نهر الليطاني وروافده؟ زوروا هذه المخيمات وشاهدوا حياة ناسها وظروفهم الحياتية والصحية والبيئية غير الإنسانية، هم يغرقون في مخلفات التلوث والمراحيض كما الليطاني، فهل هذا إنساني؟” يقول علوية.

ويشير مدير عام مصلحة الليطاني إلى فقدان ثلاثة أطفال سوريين خلال هذا الشتاء وحده “فليصرفوا المال في مكانه ولينقلوا السوريين إلى مخيمات آمنة لا تلوث النهر، نحن مهمتنا كمصلحة أن نزيل أسباب التلوث عن الليطاني وحرمه. وهذا ما نفعله مع الصناعيين عبر القضاء، وثم الإقفال بالشمع الأحمر، ومع سكان لبنانيين، وأخرهم سكان حي العرش في عدلون الذين أنذرناهم بالتوقف عن رمي صرفهم الصحي في الليطاني. وعندما لم يستجيبوا قامت فرق المصلحة، صباح 22 شباط 2019، وبمؤازرة أمنية بنزع كامل شبكة الصرف الصحي للمنازل في الحي والتي تصب في القناة. ليس بوسعنا التهاون، وإلا لن نتقدم في تنظيف الليطاني ونقصّر في مهمتنا الأساسية: حماية النهر والناس الذين يموتون بسبب من التلوث”.

وفي كتابها بتاريخ 9-10-2018 (رقم الصادر 4044/ص) إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تمنّت المصلحة لو “تمّت مراعاة الظروف البيئية التي يعيش بها النازحون، محمّلة إياها مسؤولية تفاقم الأزمة البيئية في الحوض الأعلى نتيجة تصريف النفايات السائلة والصلبة لتجمعات النزوح، وكذلك التدهور البيئي في الحوض الأدنى نتيجة تحويل الصرف الصحي لبعض المباني التي يقطنها النازحون لا سيما في بلدة البيسارية”.

كما بينت المصلحة أن هذه “الأوضاع الكارثية تؤثر سلبا على “النازحين” أيضا ولفتت النظر إلى قيام المتعهدين المكلفين من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بنقل مياه الصرف الصحي بواسطة الصهاريج وتصريفها في النهر أو في حوضه بدلا من تفريغها في محطات التكرير”.

لذلك، أفادت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وفق علوية “عدم موافقتها على إقامة أي تجمعات للنازحين على ضفاف النهر، وحملت المفوضية مسؤولية معالجة هذه الأوضاع الشاذة بأسرع وقت.

المفوضية: لم ننشئ مخيمات

الناطقة الإعلامية في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ليزا أبو خالد أوضحت ل “المفكرة” أن المنظمات الإنسانية الدولية العاملة في لبنان “لم تنشئ أي مخيمات رسمية للاجئين السوريين في لبنان”. فهذه المخيمات “غير الرسمية الموجودة أنشئت نتيجة ترتيبات خاصة حصلت بين مالكي الأراضي واللاجئين بصفتهم الشخصية”. وأوضحتأن اللاجئين يدفعون بدل إيجار العقارات للمالكين حيث نصبوا خيمهم مباشرةَ. ولقد سعت وكالات الأمم المتحدة ولا زالت، وبالتنسيق مع السلطات المركزية والمحلية المسؤولة، بما في ذلك المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، لإنشاء مرافق الصرف الصحي الأولية للحد من تأثير هذه المخيمات على البيئة”.

وأكدت أبو خالد  “أنه يتم حالياً تفريغ مياه الصرف الصحي الآتية من مخيمات اللاجئين غير الرسمية في محطات معالجة مرخصة. كما أظهرت تقييمات الأمم المتحدة الأخيرة في البقاع أن بعض المراحيض في 14 مخيم غير رسمي من أصل 84 تقع على مقربة من نهر الليطاني، لا يتوفر فيها الحد الأدنى من المعايير الإنسانية الأساسية، كما أنها لا تتماشى مع المعايير المطلوبة للمحافظة على البيئة”. وأشارت إلى أن “وكالات الأمم المتحدة الإنسانية تواظب على معالجة هذه الفجوة من خلال تقديم الحلول والتمويل”.

ورداً على سوء الظروف المعيشية للاجئين في المخيمات على ضفاف الليطاني، رأت المفوضية “أن الظروف المعيشية في المخيمات غير الرسمية سيئة للغاية. وأن المفوضية عملت خلال الفيضانات التي سببتها العواصف الأخيرة، مع شركائها والسلطات على نقل ما يقارب 500 عائلة (2,751 لاجئ) بشكل مؤقت بعدما تضررت خيمهم بشدة، أوغمرتها مياه الفياضانات”.

وأشار أبو خالد  إلى أن “المفوضية تعمل، وبمساعدة شركائها، مع السلطات بشكل مستمر لتحديد مواقع بديلة للمخيمات الموجودة في خطر دائم من الفيضانات. لكنها، في المقابل، لا تملك سلطة نقل اللاجئين إلى مواقع أخرى في لبنان. لذا، فهي تواصل العمل مع السلطات المحلية والأمنية للحصول على الأذونات اللازمة عند الضرورة”. وأن “المهم الآن أن تعمل جميع الجهات الفاعلة معا، وأن تتضافر الجهود الرامية إلى تحقيق الهدف المشترك وهو حماية الفئات الأكثر ضعفا خلال الطقس القاسي، مع بذل كل الجهود للحفاظ على البيئة في لبنان”.

هذا في الكلام العلني، لكن ما هو الواقع على الأرض؟

المفكرة التي حرصت على متابعة قضية الليطاني وجهود تنظيفه والوصول بخطة معالجته إلى خواتيمها حرصا منها على النهر وناسه والنجاة بهذه الثروة المائية الأهم في لبنان من  الإغتيال الذي تسبب به الإهمال الرسمي على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، تحرص أيضاً على حقوق اللاجئين وحياتهم وحياة أطفالهم. وعليه، جال فريق المفكرة على عدد من مخيمات اللاجئين في الحوضين الأعلى في البقاع والأدنى في الجنوب، بما فيها مخيم محطة الدبانة الذي أزالته مصلحة الليطاني، كما زارت بعض العائلات التي نامت في عراء بساتين الموز في الزهراني.

في آخر إحصاء لمصلحة الليطاني، يوجد 974 للاجئين السوريين تصب مجارير صرفهم الصحي في الليطاني. يوجد في هذه المواقع 11 ألف و466 خيمة يقطنها 68 ألف و645 “نازحا” سورياً.

وتقدر المصلحة حجم المياه المبتذلة لهذه المخيمات ب 5 آلاف و766 متراً مكعباً في اليوم، وبمليونين و104 آلاف و655 متراً مكعباً في السنة، وهو ما يعادل 1% من مخزون بحيرة القرعون.

هذه الأرقام تترجم على أرض الواقع بما يلي: صحيح أن المنظمات الإنسانية قد أنشأت، ووفق ما عاينته المفكرة، مراحيض بالقرب من المخيمات الموجودة على ضفاف الليطاني، ولكنها مراحيض هشة، تفيض كل خمسة أيام إلى أسبوع على اللاجئين وخيمهم، فيما تسحبها الصهاريج المكلفة من المفوضية أو المنظمات الدولية الأخرى مرة في الشهر وفق ما أكده اللاجئون للمفكرة. وتفيض بعض هذه المراحيض داخل الخيم وليس فقط في اتجاه الليطاني. كما تفيض إلى الأراضي الزراعية الموجودة على ضفة النهر والتي غالبا ما تكون خيم اللاجئين منصوبة في نطاقها.

جورية، سيدة سورية تسكن في مخيم على ضفاف نهر الغزيل، تقول أن أولادها السبعة أضحوا مصابين بأمراض صدرية مزمنة، فيما لا تتوقف عن منح طفلها إبن الخمس سنوات بخاخات علاجية لمرض الربو. يفيض حمام جورية داخل خيمتها حينا، فيما يجتاح فيضان النهر أولادها وأثاث الخيمة حينا آخر “يعني عايشين بين فيضانين وبالحالتين كله جية ووسخ”، تؤكد الأرملة التي فقد زوجها في الحرب السورية وتعيل سبعة أبناء وحيدة.

على الغزيل نفسه، وتحديدا على الطريق من مجدل عنجر نحو نقطة المصنع الحدودية، تجد نحو عشرين خيمة للاجئين غارقة في قلب النهر. لا دروب تؤدي إلى هذه الخيم. لا يقل عديد الخيم الواقعة على النهر هنا عن مئة وخمسين خيمة، نصفها غارق في المياه وقد هجرها قاطنوها، ولا أحد يعرف إلى أين، فيما بقي النصف الآخر من اللاجئين ماكثين فيها لعجزهم عن إيجاد مأوى بديل.

هنا في مخيمات البقاع، تتعدد وسائل النجاة في الفيضة في زحلة، كما في المرج، كما في برالياس وقب الياس وغيرها من المخيمات الواقعة على ضفاف الليطاني وروافده.

بعد فقدان ثلاثة أطفال، صارت الأمهات يسهرن على أطفالهن “عين تنام لتصحو عين”، خوفاً من فيضان النهر وجرفهم وهم نيام. هناك في الخيم، تتكدس ألواح الفلين وصناديق الخشب. يرفعها اللاجئون أسرة تعلو بأطفالهم عن المياه التي تستوطن خيمهم بارتفاع لا يقل في العادة عن 10 إلى 20 سنتيمتراً. وهنا يصبح “المس” الكهربائي قاتلاً حين يسري في المياه إلى الأجساد شبه العارية، إذ نادراً ما تجد طفلاً ينتعل حذاء وحتى كلسات صوفية أو من النايلون.

في قلب هذه المأساة بقاعاً وجنوباً حيث تحيط بالمخيمات برك المياه الآسنة التي تفيض مما يسمونه مراحيض إلى داخل الخيم والليطاني والأراضي الزراعية المحيطة، يحصل أن تجد فريقا من منظمة دولية قد افترش الأرض وسط مجموعة من أطفال المخيم يعطونهم بعض الدروس، أو بعض الأنشطة الترفيهية أو النفسية “نحن نشكر جهودهم”، يقول حميد، القاطن في مخيم العاقبية في الجنوب “لكننا غارقون في تلوث الليطاني والتهديد بجرف مخيمنا بين لحظة وأخرى من دون أن يتأمن لنا بديل”.

يروي قاسم الحايك من لجنة المتابعة والمحاسبة في بر الياس ما حصل خلال أحد فيضانات الليطاني وروافده في البقاع: “اجتاحت المياه مشاعات نهر الليطاني وأملاك المصلحة حيث يؤجر بعض النافذين الأراضي للاجئين بمئة دولار إلى مئة ألف ليرة شهريا عن كل خيمة”.

عندما فاض النهر، “دب شباب المنطقة الصوت لإنقاذ اللاجئين في مخيمات النهر من الفيضان. وعليه تطوّعنا نحن عشرات الشبان منذ السابعة مساء لنقل الأطفال والنساء إلى المدارس والنوادي وبعض منازل أهل بر الياس والمرج والمنطقة. كان مشهد اللاجئين مؤلما، كان الأطفال شبه عراة وحفاة في درجة حرارة صفر أو أدنى. بعض الأهالي استعانوا بألواح فلين والبعض الآخر بطبليات الخشب. ولكن النتيجة كانت واحدة: الجميع غارق والروائح النتنة من المجارير والنهر معا قاتلة ولا يمكن تحملها”.

المؤسف أن بعض اللاجئين لا يجرؤ على ترك خيمهم “إذا طلعنا منها يمكن يهدوها وما نرجع تلاقي محل يأوينا”.

يقول مدير عام مصلحة الليطاني سامي علوية ل “المفكرة” أن على المفوضية والتنسيق مع وزارة شؤون النازحين، الإسراع في حل مشكلة المخيمات في البقاع والجنوب، بقاعاً تقع المخيمات على الأملاك النهرية العائدة لوزارة الطاقة وإلا لجرفناها حرصا على “النازحين” والنهر معاً. أما جنوبا فلن نترك مخيما واحداً أو تجمعاً يلوث الليطاني وقناة الري”. هذا الأمر، يضيف علوية “نفعله مع اللبنانيين قبل السوريين وليس له علاقة بهوية المتسببين بالتلوث، القضية هي واجب المصلحة ومهمتها في حماية النهر، ولتقم كل جهة بمهامها”.

وحدهم اللاجئون، بعضهم ما زال ينام في العراء “بيجوا بيصورونا وبيروحوا يجيبوا علينا مساعدات”، وفق ما تقول عبيدة التي وجدت نفسها على أحد أرصفة الغازية بعد جرف خيمتها في الزهراني. لا أحد من اللاجئين يثق بأي جهة، دولية كانت أم لبنانية “نحن الحلقة الأضعف، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله”.

لقراءة المقال باللغة الإنجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

River Floods: The Mounting Plight of Syrian Refugees in Lebanon

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، تحقيقات ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية