“النفايات” يسلّط الضوء على فعالية المجتمع المدني في لبنان


2015-01-26    |   

“النفايات” يسلّط الضوء على فعالية المجتمع المدني في لبنان

يُظهر مجلس الوزراء من جديد، في تعاطيه مع ملف النفايات، مدى تغليبه منطق المحاصصة والتسويات على المصلحة العامّة، خصوصاً من خلال القرار رقم (1) الذي أصدره في 12 كانون الثاني الحالي، وتضمّن التمديد لمطمر الناعمة، ومنح البلديات المجاورة للمطمر والمتضررة منه تعويضاً عن تلك الأضرار التي دامت 17 عاماً كـ "حوافز"، وبدء التحضير للمناقصات من أجل تطبيق خطّة المناطق الخدماتيّة. أما الجمعيات الأهلية المعنية بالبيئة، فلا تزال تعمل بكامل طاقاتها لمواجهة تلكّؤ الحكومة اللبنانية وقراراتها المجحفة بحق البيئة، على الرغم من تخلّي الأحزاب والبلديات عن مطالبها المحقّة.

ينص القرار على التمديد للمطمر ستة أشهر غير قابلة للتجديد، والإفراج عن عائدات البلديات المتضررة، فضلاً عن منح حوافز لمنطقة الغرب والشحار كتعويض محق لها عن الأضرار التي أصابتها من هذا المطمر طيلة الـ17 سنة الماضية. كما يشير إلى وجوب قيام الوزارات والإدارات المعنية بمعالجة فنية وعلمية للمطمر وانبعاثاته، بطريقة تمنع أي أثر سلبي على البيئة بعد إقفاله، والاستفادة من مخزونه بإنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها مجاناً على القرى والبلدات المحيطة به.

تعليقاً على عمل الحكومة ودور الجمعيات الأهلية بشأن ملف النفايات، يقول رئيس جمعية "الأرض – لبنان" بول أبي راشد، في حديث مع "المفكرة القانونية"، إن المجتمع المدني "ينشط في أماكن الفراغ"، موضحاً أن "التمديد للمجلس النيابي الحالي أنتج نواباً لا يمثلون الناس ومطالبهم، ولا يقومون بدورهم في محاسبة الحكومة ومراقبة عملها والملفات التي تطرحها، وهكذا يصبح عمل المجتمع المدني ضرورياً في أخذ دور سلطة الرقابة". ويشير أبي راشد إلى أن "الأرض" أجرت دراسات عدة وقدّمت إلى الحكومة حلاً بديلاً مبنياً على دور البلديات في معالجة النفايات. لكن بعد حوالي تسعة أشهر، لم يرد من الحكومة أي رد على هذا الطرح، لكنها أصدرت حلاً مناقضاً لكل المعاهدات الدولية والقوانين اللبنانية المتعلقة بالبيئة، علماً أن المواد 13 و17 من قانون المحافظة على النظافة العامّة والمواد 49 و61 و74 من قانون البلديات تنصّ على أن إدارة النفايات هي من صلاحية البلديات. ويلفت الانتباه إلى أن قرار الحكومة جاء مخالفاً للقوانين لأنه تمديدٌ عشوائيٌ يؤدي إلى تلوث خطير للبيئة، في حين أن أهالي الناعمة وافقوا على طمر العوادم فقط خلال فترة التمديد (وهي مواد لا تتفاعل وتلوّث البيئة)، على الرغم من أن هذه الموافقة حصلت تحت الضغط. ويضيف أن الحكومة أُعطيت ضمانات بعدم التحرّك في مواجهة التمديد. ويقول رئيس جمعية "الأرض" أن مجلس الوزراء وبعض الجهات السياسية تعمد إلى إغراء البلديات المجاورة للناعمة بما أسمته "حوافز" من أجل الموافقة على التمديد، ومن ضمن هذه الحوافز إلغاء الديون المترتبة على تلك البلديات. ويوضح أن كل طن من النفايات يُجمع من البلدات والقرى يكلّف البلديات حوالي 170 دولاراً أميركياً، بناءً على الاتفاق بين الحكومة وشركة "سوكلين"؛ فالتمديد يؤدي إلى زيادة الديون المترتبة على البلديات لأن هذه المبالغ تُسحَب من صندوق البلديات، ما يؤثر سلباً على مداخيلها. ويضيف أن البلديات انتظرت من الحكومة قراراً يعطيها دورها الحقيقي ويريحها من الديون المتراكمة، لا قراراً يمدّد للمشكلة. ولقد تقدّمت الجمعيات الأهلية المعنية بالبيئة بمشروع حل يُربح الخزينة والبلديات ويوفر حوالي 200 دولار عن كل طن من النفايات، وهو مبني على أسس اللامركزية، الفرز، التدوير، التسبيخ وترميم المقالع والكسارات. كما يؤكد أبي راشد معارضة الجمعيات الأهلية المعنية بالبيئة لمشروع المناطق الخدماتيّة، موضحاً أن هذا المشروع يُقسّم لبنان إلى ست مناطق، حيث إنه سيتم تلزيم منطقتين لكل شركة. وعلى هذا الأساس "سيصبح لبنان تحت رحمة ثلاث شركات تتحكم به على أساس مصالحها، وتحت رحمة المحاصصة الحكومية والتقسيمات التجارية". ويشدد على رفضه الرهان على رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط في ملف النفايات، معتبراً أن الرهان على أي شخصية سياسية يخالف القوانين، حيث إن قرار إقفال المطمر أو التمديد له يجب أن يكون بيد الحكومة وليس بيد شخص أو نائب عن المنطقة. وفي سياق متصل، يلفت أبي راشد الانتباه إلى أن القرار رقم (1) لم يتطرق إلى الرماد الناتج عن الحرق، والذي يتحول إلى مواد خطرة ومضرّة، معرباً عن سخريته من البند الأخير في هذا القرار الذي يقول إن التمديد لمطمر الناعمة تم "حرصاً على الصحة العامة".

وبدوره، يرى الأستاذ الجامعي المتخصص في الشأن البيئي مازن عبود أن "القضية أكبر بكثير من المجتمع المدني الذي يبقى ضعيفاً، على الرغم من أن بعض الجمعيات الأهلية قوية وفاعلة على الأرض"، معتبراً أن "هناك بعض الجمعيات التي تبالغ بالرفض، وقد يُساء فهمها أو استخدامها في بعض الأحيان". ويشير إلى أن بعض السياسيين يتعاملون مع هذه الجمعيات وفق مصالحهم الخاصة، قائلاً: "على سبيل المثال، إذا أراد أحد السياسيين رفع سعره يلقي بعض الضوء على جمعيات المجتمع المدني، أما إذا حصل اتفاق ما، بين رجال السياسية يُغلق الباب أمام هذه الجمعيات ولا يعود لها أي أهمية". ويشير إلى أن المشكلة في لبنان تكمن في أنه على الرغم من وجود نواة لمجتمع مدني فاعل، إلا أن النظام القائم ضربه، وأضعفته التركيبات السياسية في البلد. ويعرب عن أمله ببعض الجمعيات، مذكّراً في الوقت نفسه بأن الحكومة "ترفض التعاطي معها إلا من باب استخدامها لمصالحها الخاصة، على الرغم من أن هذه الجمعيات تعمل بإيجابية وحسن نية".

ويشبّه عبود مشكلة النفايات و"سوكلين" بجسم الإنسان الذي ترتفع حرارته: هنا لا يمكننا معالجة ارتفاع الحرارة فقط لأنها ستعود إلى الارتفاع في وقت لاحق، بل يجب معالجة سبب ارتفاع الحرارة. ويوضح أن المشكلة في لبنان هي تركيبة النظام اللبناني القائم على المحسوبيات والتسويات والمحاصصة، وطريقة تعاطي الحكومة والجهات السياسية مع هذا الملف.

أما الرهان على رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي"، فهو حصل، بحسب عبود، لأنه يُعتبر جزءاً أساسياً من المعادلة التي رُكّبت بناءً على اتفاق بين رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري وجنبلاط، مضيفاً أن الأخير يستعمل ورقة ضغط قوية جداً، لأن مطمر الناعمة في منطقته، وقد يستطيع استعمال هذه الورقة لنيل الكثير من المطالب السياسية والإنمائية والخدماتية. وبشأن عمل الحكومة في هذا الملف، يرى عبود أن مجلس الوزراء الحالي يُرحّل المشكلة إلى الحكومة المقبلة، متسائلاً: "هل بإمكان الحكومة أن تبدأ بإعداد دفاتر الشروط وأعمال المناقصات وفض العروض وتسليم المواقع والبدء بالعمل في غضون ستة أشهر فقط (فترة التمديد لمطمر الناعمة)؟ ويقول: "الواضح أن الخطة غير قابلة للتنفيذ، وأحد أسباب إخفاقها هو أنها تضع مسؤولية تأمين مواقع المطامر على المتعهدين خلال فترة زمنية محددة"، مضيفاً أن خطة من هذا النوع تحتاج إلى سنة ونصف السنة بأقل تقدير كي يتم تطبيقها كاملة. ويشدد على أن هذه الخطة غير المعدّة للتطبيق وُضعت من أجل تمرير الوقت فقط، معتبراً أن ما يدعو إلى الشك هو أن مجلس الوزراء لم يضع خطة واضحة وتركنا أمام خيارين؛ التمديد أو الغرق في النفايات. ويؤكد أن "الخطة الأساسية تُعدّ بين الأشخاص الذين يحكمون البلد بحسب مصالحهم، أما باقي الأمور فهي ليست إلا إضاعة للوقت". وفي ما يخص دور البلديات، يقول عبود إن وضع هذا الملف في عهدتها صعب، لأنها لم تُعطَ فترة تجريبية وإمكانيات مادية ولم يتم تدريبها، فهي تفتقر إلى الخبرة، موضحاً أنه "بما أن هذه الأمور لم تتوفر، وبما أن بعض البلديات ملحقة بالزعماء وقراراتهم وغير متحررة من سلطتهم، فإن نقل الملف إلى صلاحياتها لن يغيّر أي شيء".

من جهته، يؤكد رئيس جمعية "غرين لاين" علي درويش أن الجمعيات الأهلية اللبنانية كافة المعنية بالبيئة تتفق بشكل واضح في مطالبها وأهدافها، مشدداً على أن قرار التمديد لمطمر الناعمة هو ليس إلا استغلالاً للناس وإشغالاً لهم لتمرير المحاصصات والسمسرات. كما يؤكد رفض الجمعيات البيئية للمطامر والمحارق، ومطالبتها بمعالجة النفايات وإعادة تدويرها واعتماد الفرز.

هكذا، تبقى مشكلة ملف النفايات معلّقة من حكومة إلى أخرى، لكن منطق المحاصصة والتسويات الذي تغلّبه الفئات السياسية الحاكمة على المصلحة العامة يبقى ذاته، علماً أن الحل الأفضل لهذا الملف، كيفما كان، هو الذي يراعي مصالح الشعب من دون إشباع مصالح الطبقة الحاكمة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، بيئة وتنظيم مدني وسكن



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية