“المفكرة” ترسم خريطة “غضب” النّيلَين على أهل السودان..الفيضانات تقتل مئة شخص وتهجّر نصف مليون حتى اليوم


2020-09-09    |   

“المفكرة” ترسم خريطة “غضب” النّيلَين على أهل السودان..الفيضانات تقتل مئة شخص وتهجّر نصف مليون حتى اليوم

ظنّ السودانيون، وبعد إطاحة ثورتهم الشعبية بنظام عمر البشير وسلطنه، أنّهم سيتفرّغون لهمومهم الاقتصادية والمعيشية ولترتيب البلاد سياسياً وقانونياً وحقوقياً وغيرها على طريق الاستعادة التامّة للدولة ومقدّراتها ووضعها في خدمة الشعب.

لكن المتاريس نفسها التي استخدمها الثوّار في 2019 لحماية الخارجين للتغيير من رصاص العسكر وآليّات الدّفع الرّباعي الأمنيّة، عادت لترتفع من الصّخور والرمال والأتربة ولكن في وجه النيل الغاضب هذه المرة.

وكما في الثورة، يخوض اليوم شبان وشابات السودان في لجان المقاومة ومنظمات المجتمع المدني إلى جانب الجهات الحكومية معركة لا تستكين ليلاً نهاراً منذ الأول من أيلول/سبتمبر في وجه فيضان النيلين الأزرق والأبيض متفرّقين ومجتمعَين، في محاولة لردّ الموت المتربّص بالسودانيين مع ارتفاع أعداد الضحايا الذين قفزوا عن المئة قتيل حتى صباح اليوم الثلاثاء ومئات المصابين ونصف مليون مهجّر.

ومع ارتفاع منسوب نهر النيل في العاصمة الخرطوم 17 متراً و65 سنتيمتراً متجاوزاً أعلى ارتفاع مسجل في تاريخ السودان (17.26) ب 39 سنتيمتراً، (وفق أرقام لجنة الفيضانات في وزارة الري والموارد المائية)، دمّر النيلان الأزرق والأبيض، قبل وبعد اتحادهما، الطرق، وأغرقا المزارع النيليّة، وطمرا المزروعات والبساتين بمياه غير مشهودة، وتسببا، وفق أحدث البيانات الحكومية في انهيار 24 ألفاً و582 منزلاً كلّياً، و40 ألفاً و415 جزئياً، إضافة إلى تضرّر 179 مرفقاً، و354 من المتاجر والمخازن، ونفوق 5 آلاف و482 من المواشي”.

وقد تضررت العاصمة مثلها مثل بقية المدن والقرى السودانية من الفيضان حيث تضررت 16 ولاية سودانية من أصل 18، بينما تغيب الصورة الكلية لمناطق السودان الأخرى بسبب قطع الفيضان للطرق وعزلها بشكل كامل.

وبين غضب الطبيعة والأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا، وتجاذبات سد النهضة الإثيوبي، يقف السودانيون في حالة ذهول مما يجري، فكل شيء ينهار من حولهم.

ويستمرّ المطر وتتوالى العواصف، فيما يتابع منسوب النيل المرتفع هادراً بعزيمة نحو المنازل الغارقة على وقع هيجان الثعابين والعقارب التي اجتاحت المياه جحورها أيضاً، مما يضع الباحثين عن النجاة أمام أخطار إضافية لسمّ الزواحف.

وفي وسط بحيرات المياه الممتدة تحمل سواعد الشبّان الكهول على الأيدي ليبلغوا بهم منطقة جافّة، ويساعدون الرعاة في إنقاذ مواشيهم، بينما يفرّ كثر من هنا أو هناك مغادرين منازلهم قبل أن تتهاوى على رؤوسهم. أمّا حين يسمع أحدهم مسنّة تصيح “يا أبو مروّة”، وهي صرخة الاستغاثة المحلية التي لا يردّ عنها راد أبداً، فلا تعرف من أين يهبّ المغيثون. هنا، في السودان، لن يهتم المنقذ بمصير منزله ففي هذه البلاد تفتح الأبواب للمارّة في الأحوال العادية، فكيف إذا كان الوقت وفقت أزمات إذ يتحوّل البيت وما يتوفّر فيه من طعام وغطاء للجميع.

صور عديدة التقطت لشبّان ينامون قرب الحواجز الصخرية والرملية، ويبدو عليهم الإرهاق ولكنهم لا يتركون ساحة المعركة على ضفة النهر، حيث إن انفلت عقاله، وتجاوز الحواجز، تصبح المصيبة أكبر.

هذه المشاهد الملحميّة بخاصّة من الشباب تمثل بالنسبة لهم معركة ثانية لفاتورة النظام السابق الذي أسقطوه، بعد 30 سنة نهب فيها خيرات البلاد، ولم يهتم بشبكة تصريف المياه، أو ببنية  تحتية تساعد في هزيمة المارد. وتراهم يكملون معركتهم بترديد الأناشيد الثورية، وكأنّ النهر اليوم، وهو مصدر الحياة في السودان، تحوّل فجأة إلى شبح النظام القاتل الذي كان يحصد أرواحهم بالرصاص.

ولم تخف الحكومة الانتقالية في السودان حاجتها للمساعدة من الخارج لمواجهة التحديات. وأعلن وزير الخارجية عمر قمر الدين في لقاء مع رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في الخرطوم، عن ثقته في استجابة المجتمع الدولي لمساعدة السودان في هذا الظرف الذي يمرّ به. ولكن المعارضين يرون أنّ مسالة دعم السودان من قبل المنظمات سوف تتوقف على مساعي الحكومة السودانية في إقناع المنظمات والمانحين لدعم السودان.

التنبّؤات الجوية والتحذيرات.. ما الفائدة؟

قبل وقوع الكارثة ودفع النيل بمئات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه  نحو الضفتين وما خلفهما من بشر وحجر، دعا الخبير في مجال المناخ والتنبؤات الجوية في “مركز الإيقاد للتنبؤات المناخية” بالعاصمة الكينية نيروبي د. أبو بكر صديق محمد صالح بابكر الحكومة السودانية للاستعداد للخطر المقبل، وشدد على حسابه على فيسبوك على ضرورة أن تتحرّك الجهات الرسمية بشكل مبكر لتفادي كارثة الفيضان. وأشار يومها إلى أنّ التوقّعات المناخية لشهر آب/ أغسطس تشير إلى أنّ الأمطار  ستكون  أعلى من المتوسّط في معظم مناطق السودان. وكتب: “إنّ الظروف المناخية الحالية – وقتها – أشبه لحد كبير بتلك التى تسببت فى السيول والفيضانات بالسودان في عام 1988. ومناخ السودان يتأثر بالتقلّبات التي تحدث في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ (خاصّة المنطقة الشرقية منه). عندما تكون درجة حرارة مياه المحيط أبرد من المتوسّط تسمى هذه الظاهرة بالـ La Nina ودائماً ما تتسبّب بموسم تساقطات أعلى من المتوسط في السودان، وربما تصل في بعض الأحيان إلى فيضانات عنيفة مثل التي حدثت في 1988.  حالياً درجات حرارة سطح المحيط أبرد من المتوسط وسوف تتسبب في موسم أمطار أعلى من المتوسط. شهر آب/أغسطس تحديداً هو الشهر الأكثر مطراً في السودان، ومن المتوقع أن تكون الأمطار أعلى من المتوسط”. هكذا كانت التحذيرات، بينما ظلّت ضفاف النيل عادية وكأنّ شيئاً لم يكن، إلى أن صار المتوقع واقعاً مشهوداً.

وعندما أطلقت لجنة الفيضانات بوزارة الري والموارد المائية في العاصمة السودانية نهار الأربعاء الخامس من آب، تحذيراتها للمواطنين باتخاذ الحيطة والحذر حفاظاً على أرواحهم وممتلكاتهم، لم يهتمّ كُثر ممّن يقطنون جوار ضفّتي النيل وروافده بالسودان بالتحذير، فقد اعتادوا غضبة النهر الموسمية، ولم يخطر ببالهم أنّ المارد الأزرق سيسجّل في نقطة الديم – أول نقطة قياس لمناسيب النيل الأزرق قرب الحدود السودانية الأثيوبية ـ ارتفاعات قياسية، حيث يصل إلى خزان الروصيرص اليوم الثلاثاء 9 سبتمبر/أيلول حوالي  750 مليون متر مكعب من المياه”. والروصيرص هو خزان أول سدّ سوداني لتوليد الكهرباء قرب الحدود مع إثيوبيا.

ولم يكن في بال الأهالي أيضاً أنّ النيل الأزرق سيخرج من قمقمه عالياً ليبلغ أعلى معدل في تاريخ النهر بالخرطوم العاصمة حيث بلغ الفيضان 17 مترا و68 سنتمتراً، وهو أعلى معدّل منذ ما يزيد عن 100 عام، وفق وزارة الري السودانية.

وعلى مدار الأسبوعين الماضيين خاض النيل الأزرق وشقيقه الأبيض معركة ضد كلّ القرى القريبة من مجرى النهرين القادمين من جهتين جغرافيتين مختلفتين، فالنيل الأزرق ينحدر بعنفوانه المعروف من أعلى الهضبة الإثيوبية، بينما ينحدر النيل الأبيض من بحيرة فكتوريا اليوغندية، ليلتقيا عند الخرطوم في منطقة “المقرن” الشهيرة، ليمضيا معاً في رحلة نحو البحر الأبيض باسم نهر النيل.

ولم تستثن مياه النيل من غضبتها حتى منزل رئيس الحكومة د. عبدالله حمدوك وفقاً لمواقع سودانية عدّة. إذ أفاد شهود عيان أنّ “مياه النيل الأزرق قد غمرت أجزاء من منزل حمدوك الواقع على ضفة النيل الأزرق في مدينة الخرطوم بحري، حيث وصلته المياه من الناحية الخلفية قبل أن تقيم فرق حكومية حواجز كبيرة لمنع تسرب المياه إلى الداخل”.

منظمات المجتمع المدني في قلب المعركة

تمثل مبادرة “نفير” نموذجاً فريداً  لمبادرات العمل التطوّعي المتطوّرة في السودان وتضمّ مئات المتطوّعين. ولدت المبادرة في 2013 خلال كارثة مماثلة للسيول والفيضانات وإن بوتيرة أخف. ومنذ ذلك التاريخ، دأبت “نفير” على تطوير عملها لتقدّم جهدها الطّوعي في حالات الكوارث. واليوم  أطلقت “نفير” عملها في 5 آب.

ويوضح المتطوّع مهندس أسامة يوسف لـ”المفكرة القانونية” أنّ المبادرة تلقّت 375 بلاغاً من مواطنين تتعلّق بالفيضان، لافتاً إلى أنّ وتيرتها ازدادت منذ 28 آب، بسبب الزيادة في مناسيب تصريف النيل الأبيض بشكل خاص.

تتكوّن المبادرة من فرق عمل من ضمنها غرفة تلقّي البلاغات والمتطوّعين وغرفة المسح الميداني بجانب الإعلام والعلاقات الخارجية. وتعتمد هذه الغرف على تلقّي البلاغات على مدار الساعة، يعقبها تحرّك فريق المسح الميداني لتقييم الوضع. وفي حال خروج النيل عن مجراه في أيّ منطقة، وهي الحالات الشائعة اليوم، يتمّ توفير المواد المطلوبة لبناء “التروس” (الحواجز) على النيل، بموازاة إطلاق النداءات لانضمام مجموعات محلّية لتقديم المساعدة المطلوبة لمنع تفاقم الأوضاع.

وقد تلقّت الغرفة فعلياً حوالي 102 بلاغاً ميدانياً في الأيام الأخيرة، من بينها 70 بلاغاً عاجلاً من مناطق متأثرة بالفيضان على الشريط النيلي للنيل الأبيض حيث تم تشييد “المتاريس” المطلوبة، كما تم في بعض المناطق كـ “ود رملي” الواقعة على ضفة النيل الأبيض بضواحي الخرطوم، إجلاء السكان قبل أيام، عقب بلوغ المياه مستويات خطيرة للغاية. وجرت عملية الإجلاء بالقوارب، وحدثت تدخلات مختلفة في عدد من القرى والأحياء المجاورة للنيل جنوبي الخرطوم، ومن بينها مناطق  أبو خراز – فتيح العقليين، حيث تم إجلاء السكان في بعضها، وإقامة مخيمات طارئة للمتضررين بجانب توفير المواد الغذائية لهم.

ويعمل ما يزيد عن 220  من المتطوّعين مع “نفير” في فرق المبادرة المختلفة ومن بينهم مجموعة من المهندسين والأطباء وغيرهم من التخصصات، لتقليل المخاطر على السكان، بالتنسيق مع بعض الجهات الحكومية، ويصف أحد المتطوعين ما يعايشونه من وقائع بأنها “كارثية ونخشى أن تتطوّر أكثر”.

زوال المخاطر ليس قريباً

يرى الخبير د. صالح بابكر أنّ مخاطر فيضانات النيل لن تزول قريباً. ويتوقع في حديث لـ”المفكرة” “هطولاً للأمطار التراكمية في الهضبة الإثيوبية والحدود الشرقية للسودان في الفترة بين 8-15 أيلول/سبتمبر حيث تتراوح الأمطار بين 100 إلى 200  ملليمتر، مما يعني مزيداً من تدفّق المياه على النيل الأزرق، يضاف إليها مياه الأمطار المتوقّعة في وسط السودان ما بين 10 إلى 30 ملليمتر خلال الفترة نفسها”.

وعن فيضان النيل الأبيض يؤكد د. صالح بابكر أنّ “المؤشرات المناخية كانت تنبئ بالخطر المقبل من النيل الأبيض أيضاً، ففي شهر مايو/أيار الماضي كانت بحيرة فكتوريا، منبع النيل الأبيض بأوغندا،  قد شهدت أعلى معدلات للمياه فيها منذ 20 عاماً، وكان من المتوقع أن تقوم السلطات المحلية في جمهورية أوغندا بتصريف المياه لتخفيف الضغط على البحيرة، وبالتالي هذا من أسباب ارتفاع مناسيب النيل الأبيض”.

وهذا ما أكدته وزارة الري والموارد المائية بالسودان، حيث أشارت إلى أنّ منسوب المياه في النيل الأبيض، في أعلى مستوياته.

ويعتبر د صالح بابكر أنّ التحذيرات التي تطلقها الأجهزة الحكومية في السودان هذه الأيام من الفيضانات عامّة ولا تشعر الأهالي بالخطر ومن الأجدى أن تكون التحذيرات أكثر وضوحاً وأن تسمّي بالتفصيل المناطق المهددة بقراها ومدنها. وأضاف أنّ التحذيرات ليست كافية للحفاظ على حياة الناس، فهي تُعمّم عبر الإعلام، بينما هناك حاجة لإبلاغ المواطنين في مناطقهم كيفية قياس مدى الخطر المحدق بهم. ويضيف “الوضع الحالي كارثي بكل تأكيد، حيث فقد ما يقارب مئة شخص أرواحهم وتهدمت آلاف المنازل. إذ تبلغ كمية الوارد من مياه النيل الأزرق في محطة الديم يومياً أكثر من ضعف معدلها في  الفيضان الشهير عام 1988”.

بين لحظة وأخرى.. يطلّ الخطر 

حالياً ما بين لحظة وأخرى تنطلق مكبّرات الصوت أو الرسائل على تطبيق “واتسآب” لتحذّر أهل منطقة ما بأنّ الكارثة قد وقعت وأنّ النيل نجح في الخروج من مجراه هنا أو هناك، وما هي إلّا دقائق حتى تصبح المنطقة جزءاً من النهر. وهذا السيناريو نفسه الذي تحقق الخميس الماضي 5 أيلول/سبتمبر، عندما بلغ الخطر ولاية سنار جنوبي الخرطوم ولم يجد حاكم الولاية الماحي سليمان بدّاً من إطلاق  نداء استغاثة عاجل لنجدة سكان مدينة سنجة التي تقع على ضفة النيل الأزرق في وسط السودان. وهكذا من منطقة إلى أخرى يتكرّر السيناريو على امتداد الشريط النيلي للنهرين، ثم شريط النيل نفسه بعد اتحادهما في الخرطوم، والتوجّه شمالاً نحو مصر.

التطوّرات السريعة كما جريان النيل بشقيه، دفعت مؤخرا حكومة الفترة الإنتقالية، عبر مجلس الدفاع والأمن السوداني، لإعلان حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر، لمواجهة السيول والفيضانات، واعتبارها “منطقة كوارث طبيعية”.

ويرسم الصحافي والناشط في لجان المقاومة محمد الأقرع لـ”المفكرة” خريطة الفاجعة التي عاشها ويقول إنّ “الأضرار الناجمة عن الكارثة حتى الآن تبيّن أنّ هناك حالة خراب واسعة شهدتها بعض أحياء الخرطوم المطلّة على النيلين الأزرق والأبيض فضلاً عن نهر النيل مثل “غاردن ستي، شمبات، توتي، الكلاكلة القبة، السروراب، اللاماب، العليفون، ام دوم جنوب..الخ”، بالإضافة إلى مدن ومناطق أخرى خارج العاصمة. ويمكن للمتجوّل في تلك المناطق أن يعي حجم الفاجعة: أسر في العراء بلا مأوى، محاصيل زراعية أُتلفت، وجوه الناس تنضح حسرة وخوفاً في آن واحد حيث أنّهم ما زالوا في خط المواجهة ومرمى الخطر، ولم يبتعدوا كثيراً. كل هذا في خضم قلة حيلتهم وعجزهم كيائسين، حيث لا وجيع لهم سوى بعض حناجر المغنين وأغنيات المواساة المتكررة، إضافة إلى فتية لجان المقاومة الذين تحلقوا في مبادرات الإغاثة ودرء الكارثة، يرفعون “التروس” وينجدون الملهوف، لكن حجم الكارثة أكبر من إمكانياتهم الشحيحة” .

المنكوبون هم أيضاً من سيصابون بالفقر والأوبئة

الطبيب بكري بشير، الخبير في الصحة العامة، يرسم خريطة المخاطر الصحية الراهنة والمتوقعة في السودان  على المديين القصير والطويل، بالقول “قياس تأثيرات الفيضانات يتوقف في كثير من الأحيان على طبيعة المجتمع البشري المهدد، ويرتبط أيضاً بطبوغرافية الأرض في المنطقة المعنيّة والخصائص السكانية، كالكثافة السكانية وطبيعة المباني والبنية التحتية والتخطيط العمراني، باختصار جملة هذه العوامل تحدّد مدى التأثير الذي يمكن أن يقع”.

وعليه، في الحالة السودانية الراهنة يرى أنّه “من الجيد أن الكثافة السكانية قليلة بأماكن محددة، ولكن هناك مشكلة في البنية التحتية الخاصة بتصريف المياه، وكذلك تجمّعات ومكبّات القمامة الموجودة في العراء، بالإضافة إلى الأعمدة الكهربائية التي هي الأخرى من أكبر المهددات في الفيضانات”.

ويضيف في حديث لـ”المفكرة”: “إجمالاً يمكن تقسيم المخاطر إلى ثلاث: التأثيرات الصحية المباشرة مثل فقدان الأرواح غرقاً أو تحت المباني المنهارة، إلى جانب لدغات العقارب والثعابين حيث كثيراً ما شهدنا في السودان هذا النوع الأخير من العقارب في الوسط والشمال، وترحيل المتضرّرين، إذ يتعرّضون لمخاطر أكبر مثل الصعقات الكهربائية نتيجة وجود الأعمدة الناقلة للكهرباء وسط المناطق السكنية بجانب مخاطر التوصيلات الكهربائية داخل المنازل نفسها ففي أغلبها تكون التوصيلات داخل   البيوت مكشوف وغير محمية”.

ويشير د. بكري بشير إلى أهمية الانتباه إلى البنى التحتية الخاصة بالعلاج  كالمستوصفات والمراكز الصحية حيث تتعرض للغرق أو الإنهيار، وبالتالي  يفقد المجتمع أماكن علاج للمصابين والجرحى، وهذا يعقّد الوضع الصحي في أوان الكارثة لدرجة كبيرة “. هذه العوامل مجتمعة تفاقم حالات التسمم أيضاً وتدهور الصحة النفسية للمتضررين، إلى جانب الأمراض الوبائية التي تنتشر بسبب ضعف البنى التحتية. ويصبح الناس عرضة لأمراض وبائية منها الإسهالات المائية وأمراض الجهاز التنفسي والملاريا وغيرها، وهو ما شهده السودان في فيضانات سابقة، وسيحدث في الأيام المقبلة”.

وعلي المدى الطويل، يحذر د. بكري بشير من أنّ من يصابون في الفيضان قد يتعرضون للالتهابات تنتج عن قلّة الرعاية الصحية (غرغرينا) ويمكن أن تعرّضهم للإعاقة أو البتر بسبب عدم إمكانية الوصول إلى المراكز الصحية، وخاصة مصابي السكري أو أمراض القلب كنموذج .

 كما يشدد د. بشير على أنّ المجتمعات المتضررة بالفيضانات تتأثر على صعيد الصحة النفسية، حيث ما زال البعض يعانون نفسياً من فيضان العام 1988.

ويرى ضرورة التنبّه إلى انتشار أمراض الفقر التي تعقب الفيضان  نتيجة فقدان المواطنين لمساكنهم ومزارعهم ومواشيهم بالتوازي مع انقطاع المواصلات، وأهمها سوء التغذية، حيث تضررت المحاصيل وأتلفت. ويرى أنه يجب شمل تصنيف الضحايا ليس ممن أصيبوا مباشرة فقط بل أيضاً من يصابون بالأمراض والفقر والوبائيات.

في أسباب الكارثة

يثير كثيرون الجدل حول أسباب الفيضان. ففي الوقت الذي يرى كثر من خبراء السدود أنّ إنشاء سدّ النهضة الإثيوبي لا علاقة له بالكارثة من الناحية العلمية، فإن المشغولين بالسياسة يطرحون سؤالاً ثانياً، وهو هل يمكن لإثيوبيا إغلاق بوابات سد النهضة لحبس مياه أكبر من التي حجزتها في تموز الماضي، مما يخفف من ضغط المياه المتجهة إلى السودان من الهضبة الإثيوبية. هذه الفرضية تواجه بحقيقة أنّ حائط السد الأثيوبي لم يكتمل بعد، وبالتالي سيتعرض للانهيار إن زاد حجز المياه عن 4.9 إلى 5 مليارات متر مكعب. ويتأمّل دعاة هذا الخيار أنّه ربما يكون هذا الفيضان الأخير في السودان لجهة أنّ خزان سدّ النهضة، وفق تصميمه، سيخزّن العام المقبل حوالي 13 مليار متر مكعب. ومع انتفاء إمكانية تدخل إثيوبيا للتخفيف من الفيضان في السودان، تتّجه الأنظار نحو مصر عبر السؤال: لماذا لا تفتح القاهرة بوابات السدّ العالي لتصريف المخزون وتعيد ملأه من سحب مياه فيضان النيل خلال فترة قصيرة، مما يساعد في تخفيف الكارثة على السودان، بمعنى تقليل حجمها وزمنها، إن لم يكن هناك بدّاً من وقوعها. القاهرة بدورها، تلتزم الصمت عمّا يخصّ السدّ العالي وترسل 3 طائرات عسكرية  محمّلة بمساعدات، فيدرك من يطرحون هذا السؤال أنّ للقاهرة مصلحة كبرى في حجز المياه ببحيرة السد لأقصى حد، لتعويض أيام الجفاف التي يخشونها جراء سدّ النهضة الأثيوبي خلال السنوات المقبلة. ووفقا لتبعات الكارثة يرجّح المراقبون أن يجد السدّ الإثيوبي قبولاً أوسع ودعماً من الحكومة السودانية في الفترة المقبلة لكبح جماح الفيضان، وتنظيم جري النهر المدمّرعندما يجنّ جنونه، وبالتالي ربما تجد مصر نفسها وحيدة ضد سدّ النهضة، ليس من باب نسيان الخرطوم لمساندتها ومساعداتها، ولكن لأنّ مصلحة الخرطوم تتركز في ألّا يتكرر الفيضان.

ويطرح البروفيسور المتخصص في مجال “الهيدروليك” عاصم مغربي يطرح لـ”المفكرة “وجهة نظر مختلفة. فيقول، إنه، وبرغم ما يُطرح في الإعلام من سيناريوهات، فإنّ هناك جزءاً مفقوداً وهو ما يسمّى  بـ”سيناريو أخطاء الملء (التعبئة) الأوّل لسدّ النهضة الإثيوبي – وهو سيناريو لا يتمّ التطرق عليه”. ويرى أنّ هناك سؤالاً عالقاً “يتعلق بمكان سقوط هذه الأمطار التي تتسبّب في كل هذه الكارثة ولماذا لا يجتمع المختصّون في السودان في لجنة موحّدة ليقولوا للناس ماذا يجري؟” ويقصد أن يتمّ الإعلان بشفافية عن كمّيات المتساقطات وأخطار الفيضانات التي يمكن توقّعها ربطاً بمناسيب الأمطار وبالتالي تجنيب الناس كوارث مماثلة، أو على الأقل التخفيف منها.

ويرى البروفيسور راشد مكي، الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة في السودان، أنّ الأرقام الخاصة بمناسيب النيل غير دقيقة، وأنّ هذا الفيضان لم يتجاوز فيضان 1988. وفي السياق عينه يدعم الصحافي السوداني المتخصّص في قضايا البيئة محمد أحمد الفيلابي التساؤلات التي طرحها كل من البروفيسور مكّي ومغربي، ليقول إنّ “الصورة ليست كما يروّج لها إعلامياً بأيّ حال من الأحوال، وفي تقديري أنّ أرقام المناسيب ليس الأعلى، وهي أرقام غير دقيقة، والحل يكمن في مراجعة ملف ملء وتشغيل سد النهضة”.

انشر المقال

متوفر خلال:

السودان ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *