المشاركة الشعبية في صناعة الدستور الليبي


2014-04-15    |   

المشاركة الشعبية في صناعة الدستور الليبي

شكلت انتخابات لجنة الستين خطوة هامة في السير على خارطة الطريق (وإن جاءت متأخرة جدا) والآن, وبعد أن تم اختيار نواب صناعة الدستور, فإن التحدي المقبل يتمثل في كيفية تمكين فئات ومؤسسات المجتمع الليبي من المشاركة الفعلية في صناعته. إذ لا يجب أن تتحول هذه الصناعة إلى مجرد عملية تكنوقراطية محضة يمنع منها العامة والمؤسسات الأخرى, فالعقل يدفع نحو أخذ العبر من التجربة الديمقراطية الأولى (المؤتمر الوطني العام) ومن التجارب المقارنة. وعليه, فلا داع للانغلاق على النفس مرة أخرى.

والمقصود هو: ضرورة المشاركة المباشرة للمواطنين ولمؤسسات وسلطات الدولة في كل مرحلة من مراحل صناعة الدستور المرتقب؛ كي يتاح للشعب الليبي فرصة التأثير على أصحاب القرار, وأيضا على النتيجة النهائية لمحتوى مسودة الدستور لتسهيل عملية الاستفتاء عليها بنعم وبنسبة عالية. فآلية اختيار نواب الهيئة التأسيسية عبر الاقتراع الحر المباشر لا يعني اقصاء المجتمع الليبي من المشاركة في عملية الصناعة وترك الأمر محصورا في يد الهيئة دون غيرها؛ لأن التشاور مع الجمهور على نطاق واسع شاسع له مزايا سياسية وعملية, أهمها دعم وتعزيز الوحدة الوطنية وتحسين الفهم العام حول مسودة الدستور لتسهيل قبولها, كما أن ذلك سيساعد على إمداد أعضاء الهيئة بمعلومات هامة وآراء مختلفة, الأمر الذي يسهم في تقديم أفكار جديدة تؤدي (حتما) إلى ايجاد حلول وطنية مبتكرة تنسجم مع خصوصيات المجتمع الليبي, بدلا من اللجوء إلى استنساخ الحلول المنقولة من تجارب مقارنة قد تختلف في ظروفها مع الحالة الليبية, هذا فضلا عن أن المشاركة الشعبية يتولد عنها شعور حقيقي لدى المواطن بأنه الصانع الفعلي للدستور.

ويعتمد نجاح المشاركة الشعبية على عدة عوامل أهمها: 1- تأييد مؤسسات وسلطات الدولة وجميع الفصائل السياسية للمشاركة الشعبية. 2- وضع جدول زمني واقعي يتناسب مع عمل الهيئة كى لا تقع في مطب التجربة العراقية؛ إذ أتبت التجربة الأخيرة الذكر بأن صناعة الدستور تبقى مهددة بالفشل إذا كانت الفترة الزمنية المحددة لها أقصر مما يفرضه الواقع والمنطق, لاسيّما إذا ما تسبب قصر المدة في التخلي كليا أو جزئيا عن المشاركة. 3- وضع خطة عملية مدروسة وشفافة بإقامة الحوارات وورش العمل والندوات المفتوحة مع ربط وطيد بالعمل المدني والتثقيفي. 4- النص على أحكام في النظام الداخلي للهيئة من شأنها كفالة المشاركة للجميع  (بحيث لا يقتصر الأمر على مؤسسات المجتمع المدني ذات النفوذ والشهرة), فلا بد من مشاركة المؤسسات والجمعيات الحكومية وغير الحكومية وضرورة الانخراط الجدي لوسائل الإعلام لتجنب انحصار الحوار المجتمعي في المصالح الحزبية الضيقة على نحو ما حدث في تجربة المؤتمر الوطني العام 2012/2013 وفي التجربة الكينية عام 2005.
إن أخذ العوامل السابقة في عين الاعتبار من شأنه المساعدة ليس فقط على بناء توافقي وطني عريض, بل سيساعد على تلافي نقاط الضعف الحاصلة حاليا في الهيئة (نتيجة عزوف عدد من شرائح المجتمع الليبي عن المشاركة الرسمية)؛ فتطبيق المشاركة الشعبية بالشكل الصحيح سيجعل منها الوجه الآخر المكمل للمشاركة الرسمية التي جسدها الاقتراع العام الحر المباشر في 20 فبراير الماضي.
وعليه, السؤال المهم الآن, من هو المستهدف من المشاركة الشعبية؟ وكيف يمكن أن تتم؟

فيما يتعلق بالشق الأول, يمكن القول بأن المشاركة الشعبية لا يجب أن تقتصر (فقط) على الجمهور العام, فهناك أطراف بعينها يجب أن تدخل فيها: السلطات الثلاث, القيادات الدينية, القيادات السياسية, مؤسسات المجتمع المدني, ممثلي رجال الأعمال, الثوار, النقابات المهنية, الجيش والشرطة, أساتذة الجامعات, المفكرين وغيرهم.

أما فيما يتعلق بالشق الثاني, يمكن القول بشكل عام, ووفق ما أتثبته التجارب المقارنة فإنه لا توجد آلية أو طريقة واحدة للمشاركة (العراق, مصر, تونس, كينيا, جنوب أفريقيا الخ)؛ فآليات أو طرق المشاركة الشعبية يمكن أن تتغير حسب الظروف والمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتركيبة السكانية الخاصة بكل مجتمع. أما بشكل خاص فيمكن إبراز عدد من النقاط العامة للاسترشاد بها في الحالة الليبية, وهي:

1- العمل على أن تخصص الهيئة التأسيسية جلساتها الأولى للنظر في آليات وطرق المشاركة الشعبية التي يمكن أن تنسجم مع ظروف ومعطيات الحالة الليبية.
2- تضمين النظام الداخلي للهيئة أحكاما تنظم آلية وطرق المشاركة الشعبية وفق جدول زمني محدد يهتم أساسا لعقد جلسات استماع مع الأطراف والفئات والشرائح المستهدفة.
3- ضرورة فتح خطوط هاتفية مجانية ومواقع الكترونية للتواصل مع الجمهور.
4- خلق منظومة عمل متكاملة لمواكبة وقراءة وتلخيص الآلاف بل عشرات الآلاف من المقترحات والآراء التي ستستقبلها الهيئة من جراء فتح باب المشاركة.
5- العمل على نشر المقترحات والآراء وجميع المشاركات ليتاح للعامة الاطلاع عليها. وهذه النقطة لها أهمية بالغة؛ ففضلا عن أنها ستجعل الجميع على دراية وعلم بكافة أعمال الهيئة وأشغالها (الشفافية), فهي ستشجع المواطن على الاهتمام مستقبلا بأي مشاركة سياسية جديدة من أي نوع؛ لأن المواطن عندما يستجيب للمشاركة الشعبية ثم يتبين له بأن رأيه الذي أدلى لم يحظ بالأهمية الكافية، سيشعر بالإحباط وبالتالي قد لا يهتم لأي مشاركة سياسية مستقبلا.
6- تشكيل لجنة استشارية فنية من جميع التخصصات من خارج الهيئة, وأن لا تنحصر التركيبة الداخلية للجنة الاستشارية في الجانب القانوني كما يروّج لذلك البعض؛ لأن تشكيل لجنة استشارية قانونية محضة قد ينتج عنها مخاطر وسلبيات, أهمها:

امكانية أن يطغ الطابع القانوني البحث والضيق على صناعة الدستور, وتتحول بذلك مهمة اللجنة الاستشارية إلى عمل نخبوي يقصي التخصصات الأخرى. وعليه, وحتى لا يتحقق ذلك يجب أن ترتكز مهمة اللجنة الاستشارية على خبرة تقنية من تخصصات مختلفة: قانونية وسياسية وشرعية واقتصادية ولغوية واجتماعية وإدارية وهندسية وبيئية وغيرها للوصول إلى صياغة كافية وملائمة موضوعيا وفنيا وتقنيا.
وفي الختام, تجدر الإشارة بأن للمشاركة الشعبية بعض السلبيات, أهمها: التسبب في اطالة وتمديد عمر الهيئة التأسيسية إن لم يتم لها الاعداد الجيد, كما أن عدم وضع خطة مُحْكمة لضمان مشاركة جميع الأطراف قد يتسبب في فتح المجال لبعض القيادات السياسية من ذوي القدرات على الخطابة ورافعي الشعارات البراقة المنتمين لأحزاب أو تجمعات سياسية تتمتع بقوة هيكلية وقدرات مالية عالية – للتدخل في توجيه عمل الهيئة ومن تم السيطرة على صناعة الدستور.

الخـــــــــــــلاصة هي:
أن للمشاركة الشعبية في صناعة دستور ليبيا المرتقب 2014 أو ربما 2015 منافع جمة إذا ما خطط لها بحكمة ونفذت بدقة؛ لأنها ستساعد على تعزيز الوحدة الوطنية وبالنتيجة تحقيق الاستقرار السياسي وربما الأمني في البلاد؛ فضلا عن أنها ستسهل قبول مسودة الدستور عند عرضها للاستفتاء, وعليه فإن استعداد الهيئة التأسيسية وغيرها من سلطات ومؤسسات الدولة (كالمؤتمر الوطني العام أو من بعده مجلس النواب ورئيس الدولة) لمساندة ودعم المشاركة الشعبية في صناعة الدستور القادم يمثل شرطا أساسيا لنجاح العملية. 
 
  

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، ليبيا



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية