المجلس الإقتصادي و الاجتماعي في عمره القصير: استشارة واحدة و دراسات نظرية وحضور متواصل في.. الخارج


2014-11-03    |   

المجلس الإقتصادي و الاجتماعي في عمره القصير: استشارة واحدة و دراسات نظرية وحضور متواصل في.. الخارج

كان من أهداف وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) المعلنة أن ترسم خريطة طريق لإخراج لبنان من حروب الشارع إلى الاستقرار المؤسساتي. ومن أهم المقترحات الإصلاحية في هذا المجال، ما لحظته لجهة إنشاء مجلس اقتصادي اجتماعي. ولكن، لاعتبارات مجهولة، لم يشمل التعديل الدستوري الذي لحق الوثيقة هذه النقطة. إنما تم إنشاء المجلس بموجب قانون صدر في 12-1-1995 رغم ممانعة قوى سياسية عدة. ووفق هذا القانون، يكون للمجلس المنشأ دور استشاري وتتمثل فيه القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية الرئيسية، يعمل على تنمية الحوار والتعاون والتنسيق بين هذه القطاعات وتأمين مشاركتها في صياغة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة عبر إبداء الرأي والمشورة. وهو إحدى الهيئات المرتبطة برئاسة مجلس الوزراء. وكدليل آخر على غياب الإرادة السياسية لتفعيل المجلس، تأخر صدور مرسوم تعيين أعضائه3حتى 30-12-1999 رغم أن قانون إنشاء المجلس أوجب على الحكومة تأليف الهيئة العامة الأولى في مهلة خمسة أشهر من تاريخ نشره. ورغم انتهاء ولاية الأعضاء المعينين في أواخر 2002، لم تقم السلطات العامة بتعيين هيئة جديدة له. وإذ ظهرت مؤخرا مبادرات عدة لإعادة إحياء هذا المجلس، أهمها مبادرة هيئات عدة إلى تفعيل مجلس ظل، تستعيد المفكرة القانونية هنا أهم النشاطات التي قام بها المجلس خلال فترة ولايته القصيرة بالاستناد إلى مقابلات مع رئيس المجلس وبعض الأعضاء وموظفَين، بالإضافة إلى كتيب صادر عن المجلس تحت عنوان "المجلس الاقتصادي والاجتماعي: من الحلم إلى الواقع (المحرر).   
 

إعداد نظام المجلس الداخلي
مع تعيين أعضاء هيئته العامة الأولى، وانتخاب أعضاء مكتبه الأول في 12 شباط عام 2000، عمل أعضاء المكتب على صياغة مشروع النظام الداخلي للمجلس، مشروع ملاك موظفيه ومستخدميه، ومشروع موازنته لعام 2000. وبعد تصويت الهيئة العامة على هذه المشاريع وإحالتها إلى رئاسة مجلس الوزراء، صدرت بمراسيم عن مجلس الوزراء[1] في 30 آب عام 2000، أي قبل ثلاثة أشهر من انتهاء السنة.

وبموجب هذه المراسيم، أصبح من المفترض أن يضمّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب هذه الهيئات، وبهدف معاونتها، مديرية عامة مؤلفة من ثلاث مصالح: مصلحة الشؤون الإدارية والمالية، مصلحة الإحصاء والمعلوماتية والنشر، مصلحة أمانة سر الرئاسة (وهي ملحقة برئاسة المجلس). هذا مع الإشارة إلى أن أعضاء المجلس جميعًا لا يتقاضون أي تعويض من أي نوعٍ كان.

وعن هذه المرحلة، يصرح رئيس مصلحة أمانة سر الرئاسة الأستاذ سمير نعيمة[2]أنها "كانت محفوفة بالصعوبات.. إذ لم يكن هناك مقر للعمل، فكرّس رئيس المجلس مكاتبه الخاصة لاجتماعات مكتب المجلس، وكان يتم استئجار قاعات لاجتماعات الهيئة العامة في مرحلة أولى، ثمّ في تشرين الأول عام 2001 استلم المجلس مكاتبه المؤقتة، إلى أن تمّ افتتاح المقرّ في 27 آب عام 2002، أي قبل ثلاثة أشهر من انتهاء ولاية الهيئة العامة". ويشير نعيمة إلى أن "عدد موظفي المجلس الملحوظ في المرسوم هو 52 موظفًا، فيما لم يجرِ التعيين حسب الأصول إلا لاثنين هما المدير العام ورئيس مصلحة أمانة سر الرئاسة، وجرى اعتماد نظام التعامل بالفاتورة مع ستة موظفين بقي منهم خمسة حاليًا".

مشروع تعديل قانون إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي (389/1995)
في 26 شباط عام 2001، أقرّت الهيئة العامة للمجلس مشروع تعديل لقانون إنشائه، بعدما كان مكتب المجلس قد درس الثغرات الكامنة فيه ووضع اقتراحات لتحسينها، مستعينًا بدراسات مقارنة مع قوانين إنشاء المجالس الاقتصادية والاجتماعية في الدول الأخرى، ولا سيّما فرنسا. رفع هذا المشروع إلى رئاسة مجلس الوزراء ولكن لم يُقرّ.

يتركز هذا المشروع حول محاور أساسية أبرزها (1) معالجة مسألة التأخر عن تعيين أعضاء الهيئة الجديدة عبر النص على وجوب استمرار المجلس في ممارسة مهامه حتى صدور مرسوم تعيين الأعضاء الجدد، وذلك في سعي لاستباق الفراغ وتفاديه. فبعد انتهاء ولاية الهيئة العامة الأولى، في 30 كانون الأول عام 2002 لم يجرِ تعيين هيئة عامة جديدة، رغم أنّ الأمانة العامة لمجلس الوزراء وجّهت كتابًا إلى الهيئات الأكثر تمثيلاً في كل قطاع أربع مرات طالبةً منها تقديم قوائم بأسماء مرشحيها. وقد لبّت الهيئات الطلب، إلا أن مجلس الوزراء لم يتوصّل إلى اتفاق حول التركيبة يراعي التوازنات السياسية، ما أدّى إلى فراغٍ في المجلس الاقتصادي والاجتماعي لا يزال قائمًا حتى اليوم.

ولكن الاقتراح الأهم تعلق بالأكثرية المطلوبة لإبداء الرأي تلقائياً. فبعدما نصّ القانون على أن تكون أكثرية ثلثي أعضاء المجلس، وأثبتت التجربة أن مثل هذه الأكثرية شبه مستحيلة وأن تطلبها هو بمثابة شلٍ لعمل المجلس، يقترح هذا المشروع أن تكون الأكثرية المطلوبة في هذه الحالة الأكثرية المطلقة لمجموع أعضاء المجلس، سعيًا إلى تفعيل هذه الصلاحية المناطة بالمجلس.

كما تضمنت الاقتراحات أن يستوفي أعضاء المجلس مخصصات عن كل جلسة، إضافة إلى تعويض تمثيل لرئيس المجلس.

في الدراسات والتقارير
في السنة الأولى من ولايته، وتحديدًا في أوائل شهر أيلول عام 2000، أنهى مكتب المجلس إعداد تقرير تحليلي عن "الأزمة الاقتصادية والاجتماعية" في لبنان. وفي تشرين الأول من العام نفسه، وافقت الهيئة العامة على التقرير بالإجماع بعد حوار واسع بين أعضائها أفضى إلى إدخال بعض التعديلات عليه. إلا أن المجلس فشل في إطلاق عملية التطبيق، عبر ورش العمل.

وفي السياق نفسه، اهتمّ المجلس بشروط الإنتاجية والمنافسة، فتولّت "لجنة القضايا الاقتصادية العامة" إعداد دراسة عن "واقع الأزمة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وآفاق وسبل معالجتها" شجّعت على اندماج المؤسسات الصناعية الصغيرة، وقد أقرّت هذه الدراسة الهيئةَ العامة وفق الأصول. كما أعدّ المجلس دراسة اقترح فيها إعادة جدولة ديون الشركات المتعثرة، ولكن انتهاء ولايته حال دون عرضها على الهيئة العامة.
وعلى خطٍ آخر، عملت "لجنة الزراعة وشؤون المناطق" على إعداد دراسة عن "الترشيد والبدائل في سياسات الدعم الزراعي" مرفقة بدراسة "مقارنة كلفة الإنتاج في لبنان وسوريا والأردن" حظيت بنقاش واسع في اجتماعات الهيئة العامة، ولكن لم يتسنّ لها إقرار صيغتها النهائية قبل انتهاء ولايتها.

كما جرى إعداد دراسة عن "واقع التعليم الخاص العالي في لبنان" بناءً على اقتراح "لجنة تنمية الموارد البشرية وحقوق الإنسان"، تهدف إلى تقييم الجوانب التي تهمّ كل الأطراف والمعنيين في هذا القطاع وإمكانات وسبل تطويره، بالإضافة إلى سلسلة محاضرات حول الموضوع.
وكان الحوار قائمًا دائمًا لتحديد مقومات الملف الصحي وترشيد التوجهات لحلها.
وكذلك، حظي الملف السياحي بنقاشات في اللجان ولكنها لم تفضِ إلى أي دراسة بسبب انتهاء ولاية المجلس.

في بيانات الرأي
إن دور المجلس الأساسي يكمن في كونه هيئة استشارية لمجلس الوزراء، ضمن إطار صلاحيتها، أي بالنسبة للمواضيع ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والمهني. إلا أن مجلس الوزراء لم يستعن بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي حتى 3 تشرين الثاني عام 2001، حيث تلقّى المجلس رسالة من الأمين العام لمجلس الوزراء يطلب فيها هذا الأخير إبداء الرأي في "مسودة مشروع قانون تعديل بعض مواد قانون الضمان الاجتماعي" الموضوعة من مكتب رئيس مجلس الوزراء.

وقد وضع المجلس في 29 –4- 2002 رأيه في موضوع الضمان الاجتماعي، ينطوي على صيغة تنفيذية، فيما فشلت اللجنة المؤلفة من وزارة العمل ومن ممثلي أصحاب العمل في الوصول إلى نتيجة. وقد جاء الرأي الصادر عن المجلس مخالفًا لمسودة مشروع القانون التي أعدتها رئاسة مجلس الوزراء، مثبتًا استقلالية المجلس وغلبة البعد الاقتصادي والاجتماعي على عمله، على حساب التجاذبات السياسية.

ويتكوّن هذا الرأي من قسمين: الأول يضع خطوطًا عامة للتعديلات المقترحة للنظام الإداري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي "من منطلق تأمين أداء منسق وفعّال من جهة والإفادة من التجربة الطويلة للصندوق بهدف تطوير القانون وليس تعديله بصورة جذرية من جهة ثانية"، بحسب ما جاء في نص بيان الرأي، والثاني يعرض لوجهة نظر المجلس لجهة نظام التقاعد والحماية الاجتماعية.

وقد بقي هذا الرأي في أدراج رئاسة مجلس الوزراء.

نشاط المجلس الاقتصادي والاجتماعي دوليًا
بادر المجلس إلى فتح قنوات تواصل مع المجالس في الدول الأخرى. وقد أفضت المباحثات مع نظيره الفرنسي إلى توقيع اتفاق تعاون بين المجلسين يقوم على تبادل الخبرات والمعلومات وعقد الندوات والمؤتمرات المشتركة. وفي وقت لاحق، جرى توقيع اتفاق مماثل مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي الجزائري.

ويعتبر المدير العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الأستاذ فاروق ياغي[3] أن "النشاط الخارجي المستمر حتى بعد انتهاء ولاية الهيئة العامة الأولى عام 2002 هو أهم ما يمكن الحديث عنه من بين إنجازات المجلس"، لافتًا إلى أنه "أصبح للمجلس وجود عالمي من خلال الاتصالات التي نجريها باستمرار مع المجالس العالمية من جهة، والمجالس العربية قيد الإنشاء والتي استعانت بتجربتنا لمباشرة عملها" ومؤكدًا أنه، على صعيد العلاقات الخارجية، "الطريق ممهد للهيئة العامة الجديدة التي نأمل تعيينها"[4].

تقييم نشاط المجلس الاقتصادي والاجتماعي
وجّهت إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي انتقادات كثيرة، ولعلّ أبرزها أنّ نشاطه الفعلي على الأرض لم يكن بحجم التوقعات والآمال المعقودة عليه، ما دامت محصّلة هذا النشاط لم تتجاوز بيان رأي واحد، ومجموعة دراسات نظرية لم تجد طريقها إلى التطبيق لا بواسطة المجلس ولا بواسطة هيئات أخرى. إلا أنه يسجل أيضًا الأمور الآتية:

– عمل المجلس استشاري بحت، وليس تقريريًا ولا تنفيذيًا. إن الأجهزة التنفيذية في الدولة، أي الحكومة، هي التي تتحمل مسؤولية عدم التنفيذ، فالمجلس قام بدوره على أكمل وجه عبر الدراسات الميدانية والاستعانة بالخبراء قبل وضع الدراسات النظرية،

رئاسة الحكومة لم تطلب رأي المجلس إلا في ملف واحد،
وعلى حدّ تعبير عضو المجلس ورئيس جمعية المصارف سابقًا الأستاذ جاك صراف "إنّ الطبقة السياسية لا تجرؤ حتى على سماع رأي المجتمع المدني، ولا بدّ أن جمع أصحاب العمل والعمال في هيئة واحدة أخافها إلى حدٍ دفعها إلى إيقافه عن العمل، من خلال عدم تعيين أعضاء جدد".

– آلية إبداء الرأي تلقائيًا على الملفات تتطلب أكثرية ثلثي أعضاء المجلس، وهي الأكثرية المطلوبة نفسها في مجلس النواب للتعديلات الدستورية، ما يدلّ على مدى صعوبة تأمينها،

– الحكومة، التي تأخّرت في تعيين أعضاء المجلس في هيئته الأولى، لم تولِ هذا المجلس الاهتمام الكافي، فهي لم تضع في متناوله الإمكانيات اللازمة لانطلاقته، لا سيّما المادية منها، فتأخر تعيين الموظفين (ولم يُعيّن منهم في النهاية إلا اثنان)، كما تأخر إقرار استئجار المقر (الذي لم يفتتح قبل 27 آب عام 2002).

وتبقى النتيجة واحدة: المجلس الاقتصادي والاجتماعي كان يستحق فرصة ثانية، نحو الاستمرارية، وهو لم يحصل عليها حتى الآن.

وإذا ألقينا نظرة على الشارع اللبناني ندرك أن ما يفتقده هو منبر للحوار بين مختلف الهيئات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية. وقد بدا ذلك واضحًا بخصوص مناقشة ملفي سلسلة الرتب والرواتب وقانون الإيجارات القديمة.

وكانت الحكومات المتعاقبة على مدى اثني عشر عامًا قد وعدت بإعادة تفعيل المجلس. حتى أن رئاسة الحكومة السابقة أوردت في خطة عمل[5] أعدتها للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي 2012-2015 أن تفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي هو أحد العوامل التي تمكّن من تحقيق الإصلاح، إلا أنها أشارت إلى أنه ليس من أولويات الناس. وما دامت الحكومات المتعاقبة مصرّة على إغفال هذا الموضوع، وهذا ما أثبتته السنون المنقضية، فلماذا الاستمرار في دفع بدل إيجار مقر المجلس الاقتصادي والاجتماعي على مدى اثني عشر عامًا؟ ولماذا تصرف رواتب موظفين أحدهما من الفئة الأولى والآخر من الفئة الثانية طوال هذه المدة في حين أنهما في مؤسسة مشلولة؟ ولماذا يجدد قرار التعامل بالفاتورة مع خمسة موظفين دون أي مبرر؟ أليس من أولويات الناس وضع حدٍ لهذا الهدر؟



[1] منشورة على الصفحة الإلكترونية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي www.ces.gov.lb
[2] في مقابلة أجرتها المفكرة القانونية معه
[3] في مقابلة أجرتها المفكرة القانونية معهما
[4] في مقابلة أجرتها المفكرة القانونية معها
[5]منشورة على صفحة رئاسة مجلس الوزراء الالكترونيةwww.pcm.gov.lb
 
انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية