القضاة والاعلام في الجمهورية الثانية في تونس: عناقيد حرية لم تنضج بعد


2013-01-22    |   

القضاة والاعلام في الجمهورية الثانية في تونس: عناقيد حرية لم تنضج بعد

عملت السلطة السياسية التونسية طوال حقبة الجمهورية الأولى على صياغة علاقة بين القضاء والاعلام قوامها سلطة الممنوع. فلم يكن يسمح للقضاة بأن يتواصلوا مع وسائل الاعلام دون اجازة مسبقة من سلطة الاشراف التي تتمثل في وزارة العدل. وفي مقابل ذلك كان دور الاعلام القضائي المسموح به يختزل في نشر أخبار المحاكمات الجزائية وتأمين بعض الاستشارات القانونية أو نشر دراسات قانونية تتناول بالتعليق القوانين الحديثة. غير أن الحراك الذي ولدته الثورة ومجال الحرية الذي فرضته جعل الإعلام يتوجه بشكل أكبر الى طرح المشاكل التي يعاني منها قطاع العدالة ويسلط الضوء على الحراك الداخلي الذي يعيشه القضاة ومساعدو القضاء في إطار مقاربات تحليلية نقدية. وتطور بمقابل ذلك أسلوب تغطية وسائل الإعلام لمجريات المحاكمات القضائية فلم يعد دورها يقتصر على نقل خبرها بل أضحت تتناول مجرياتها بالتحليل وتفسح المجال لأطرافها ونوابها ليتولوا عرض وجهات نظرهم بشأنها.
أدى انهيار منظومة السلطة الاستبدادية الى القطع مع توظيف السلطة السياسية للاعلام القضائي في الدعاية لمواقفها من تحركات الهياكل المهنية للمشتغلين بقطاع العدالة. كما أنهى عهدا كان الاعلام فيه أداة تستعمل للتشهير بالمعارضين السياسيين تحت حماية المؤسسة القضائية.
دخل الاعلام الحر مجال القضاء في ذات الوقت الذي تحرر فيه القضاء من عقد السلطة غير القابلة للنقد ومن قيود واجب التحفظ الجامد فتجاوب أفراد الأسرة القضائية الموسعة مع الاعلام مما أدى  الى تطور الاهتمام العام بالشأن القضائي. وساهمت جرأة الاعلاميين في نقدهم لاداء المؤسسة القضائية في ايجاد وعي قضائي بضرورة احترام شروط المحاكمة العادلة خصوصا وقد عاينوا رقابة الاعلام لأعمالهم. كان الانفتاح المتبادل بين القضاء والاعلام ايجابيا في سياقه العام غير أن الاختلاف بين طبيعة عمل الاعلام الذي يقوم على فكرة البحث عن الخبر وتحقيق السبق فيه وطبيعة العمل القضائي الذي يقوم على الاستقراء الرصين والضوابط الاجرائية أدى الى بروز الحاجة لخلق ضوابط تضمن استمرار التواصل في اطار احترام الخصوصية.
بادرت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي في اطار بحثها عن تنظيم حرية الاعلام وحمايتها من الانفلاتات الى صياغة نص قانوني صدر بموجب المرسوم عدد 115  لسنة 2011 والمؤرّخ في 2 نوفمبر 2011  ويتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر. وحاول النص القانوني المذكور إيجاد موازنة بين  حماية حق الصحفي في النفاذ الى المعلومة وضمان حماية حرمة الحياة الخاصة للأفراد بما يحفظ للقضاء دوره كحام للحريات الفردية. فأكد القانون على أن الثلب الذي يتمثل حسب تعريفه له بالفصل 55 منه في  كل ادعاء أو نسبة شيء غير صحيح بصورة علنية من شأنه أن ينال من شرف أو اعتبار شخص معين  يعد جنحة  جزائية يتعرض مقترفها لعقوبة مالية. كما نص ذات القانون صراحة على منع نشر أعمال البحث الجزائي قبل تعهد المحكمة بها في جلستها العلنية ورتب على مخالفة مقتضياته أحكاما جزائية تتمثل في تسليط عقوبات مالية على المخالفين.
كان ينتظر مع صدور قانون ذي نفس تقدمي ساهم الاعلاميون في صياغته بما يستجيب مع تصوراتهم لضرورات عملهم أن تنحصر ظواهر خرق القانون في الممارسة الاعلامية غير أنه يتبين من مراجعة واقع الأمر أن الالتزام بالضوابط المهنية وأحكام القانون أضحى مسألة مشكوك فيها.
فقد برزت في الساحة الاعلامية التونسية ظواهر تفيد تعاظم الانفلات الاعلامي وعدم احترام القانون اذ تعددت الصحف التي اختصت في ثلب الأفراد والتشهير بهم في اطار يشتبه بعلاقته بدوائر الفساد المالي والسياسي كما غابت ضوابط حماية المعطيات الشخصية واحترام القوانين النافذة التي تضمن سرية الأبحاث العدلية عن اعتبارات عدد من المشتغلين بالصحافة. فقد أضحى نشر معلومات عن أناس بشكل يضر بسمعتهم ومكانتهم يتعمد دون اعتبار لخصوصياتهم كما أن أبحاث التحقيق الجزائي التي يستوجب القانون سريتها حماية لمجرياتها ولحق المشمولين فيها في قرينة البراءة تتداول دون أي اعتبار لما لها من خصوصية. وبالتوازي مع ذلك، سعت أطراف متعددة إلى استعمال الإعلام كأداة ضغط على القضاء في القضايا الجارية، فالتجأ أطراف النزاعات القضائية ونوابهم الى المنابر الاعلامية للتشكيك في نزاهة الهيآت القضائية التي تتعهد بملفاتهم القضائية واتهامها بكونها أدوات تستعمل لتصفيتهم سياسيا مما ساهم في تعميق أزمة الثقة العامة في المؤسسة القضائية وخلق ضغطا شعبيا على المحاكم أثر سلبيا على ظروف العمل القضائي.
كانت صعوبات تعاطي الاعلام مع الشأن القضائي وما رافقها من اتهامات بانحراف القضاة الذين انفتحوا على الاعلام عن واجب الحياد من التبريرات التي استند لها من ساءهم أن يتحرر الاعلام من قيوده لينادوا بضرورة ايجاد منظومة تشريعية زجرية تضمن الحد من حرية الاعلام ومن تحرر القضاة من واجب التحفظ بمفهومه الصارم. غير أن دراسة واقع الاعلام القضائي التونسي وقنوات التواصل بين المؤسسة القضائية والاعلام يكشف أن الانحرافات التي جدت لا تعود في أسبابها لحالة الحرية الحاصلة وانما لموروث يتعين تجاوزه لانجاح تجربة الحرية.
فقد أدى تهميش الصحافة القضائية خلال الحقبة السابقة الى ضعف في التكوين القانوني لعدد من الصحافيين الذين يشتغلون بها بما منعهم من اكتساب الآليات اللازمة لتحقيق التوافق بين اضطلاعهم بدورهم واحترام القانون الذي يؤطره. ويتجه اليوم مراجعة الأمر في اتجاه توفير تكوين قانوني شامل للصحفيين القضائيين سواء بمعهد الصحافة أو من خلال التكوين المهني المستمر ويمكن أن يتحقق ذلك بندوات مشتركة بين هياكل القضاة والمحامين المهنية وهياكل الصحافيين.
كما أن القضاء الذي كان يعتمد على الأحكام الجزائية في حمايته لحقوق الأفراد من التجاوزات الصحفية وجب عليه أن يراجع فقه قضائه المدني في المجال لتكون التعويضات التي يحكم بها تتلاءم في أهميتها المالية مع الضرر الخاص الذي يلحق بالمتضررين. فرمزية التعويضات التي تقضي بها المحاكم المدنية في القضايا التي يرفعها المتضررون من تجاوز وسائل الاعلام لخصوصياتهم قد تكون من العوامل التي تحفز تواصل الظاهرة وتناميها. ويستفاد من ذلك أن معالجة انحرافات الحرية لا يكون بالضرورة من خلال الأحكام الجزائية خصوصا وقد بينت التجربة أن الخطايا المالية التي يحكم بها في قضايا الاعلام وحق الرد الذي يكفله القانون للمتضرر لم يمنع الصحف الصفراء من البحث عن الإثارة وثلب الأفراد، وقد توفرت لها الموارد المالية اللازمة لتغطية تكاليف ما يحكم به ضدها.
ويتجه في ذات الإطار الاهتمام نحو ايجاد قنوات تضمن التواصل السوي بين المحاكم والإعلام بما يضمن حق الإعلاميين في النفاذ للمعلومة من مصادرها ووفق شروطها القانونية. ولن يتحقق ذلك الا بمراجعة هيكلة محاكم القضاء في اتجاه تخصيص قضاة عاملين بالمحاكم في الاعلام القضائي يوفرون المعلومات اللازمة للصحافيين حول القضايا الجارية ويبينون لهم حقيقة الاجراءات القضائية التي اتخذت في شأنها ويتعين تسليح القضاة المذكورين بالتكوين اللازم في مجال تخصصهم بما يسمح لهم بتفهم خصوصية عمل الطرف المقابل لهم وحاجاته.
كما أن تحرر القضاة في تعاطيهم مع الشأن العام وما تحصلوا عليهم بفضل الثورة من حرية تعبير يجب حماية استمراره وتطوره ليتحول الشأن القضائي فعليا الى شأن عام ويتعين على مختلف الأطراف تفهم الحاجة لانتظار مرور الزمن لإنضاج التجربة وتطورها. فكما يحتاج الاعلام للخبر القضائي ليتمكن من الاستجابة لانتظارات متتبعيه، يحتاج القضاة الى حرية التواصل مع الاعلام ليتمكنوا من القيام بدورهم في اصلاح مؤسستهم وبناء سلطة قضائية مستقلة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية