القضاة وإشكالية العمل بالمناطق النائية في المغرب


2015-10-07    |   

القضاة وإشكالية العمل بالمناطق النائية في المغرب

لا شكّ أنّ جلّ القضاة على غرار كافة الموظفين والأطر في بلدان العالم النامية يرغبون في الاستقرار بالمراكز الحضرية القريبة والمدن الكبرى التي تستفيد من عوامل التنمية وتتواجد بها شروط العيش من مستشفيات ومدارس خاصة وجامعات ووسائل الترفيه. يبقى أن هذا المطلب مستحيل التحقق طالما أن ثمة مناطق لم تستفد من حظها في التنمية وتحتاج هي أيضا لأطر تشتغل في كافة الميادين ومن بينها القضاء. وهذا الأمر يطرح تالياً معضلة حل مشكل التعيينات في المناطق النائية التي تعرف دوما خصاصا في عدد العاملين بها نظرا لغياب نية الاستقرار لدى أغلب من يعين فيها.
 
فشل مقاربة مناطق التأديب في حل مشكل الخصاص في المناطق النائية

إلى وقت قريب، كانت العديد من المناطق النائية في المغرب تعرفبين موظفي الدولة بمناطق التأديبفي جميع القطاعات الحساسة من عدل وصحة وتعليم..، إذ دأبت على استقبال المتأخرين في الترتيب من بين المتخرجين حديثا من المعاهد. كما عرفت كمناطق استقبال لمن اتخذت في حقهم عقوبات تأديبية نتيجة اخلالات مهنية ارتكبوها، وأحيانا نتيجة أخطاء قد تتعلق أيضا بالوقار والشرف.

إن هذه المقاربة التي اعتمدت كسنوات لحل معضلة التعيينات الموجودة في بعض المناطق النائية لم تؤتِ نتائج مرضية، لا بالنسبة للمعينين في هذه المناطق ولا بالنسبة لساكنيها. فعوض البحث عن مكامن الخلل ومحاولة معالجته عن طريق التكوين الجيد والتحفيز، كانت الادارة تلجأ لخيار الإبعاد وتعتبر التعيين في منطقة نائية أو التنقيل لها في حد ذاته عقوبة كافية لتحقيق الردع المطلوب، متناسية أن الأهمية لا تتحقق في مجرد الردع وانما في الادماج وإعادة التأهيل. في المقابل كان ساكنة هذه المناطق النائية مجبرين على تحمل أعباء تضاف إلى قسوة الظروف المناخية والجغرافية وقلة المرافق تتمثلفي التعامل مع موظفين ارتكبوا اخلالات مهنية مما يحول تأديب موظف معين إلى تأديب لساكنة المنطقة برمتها.

مقاربة التحفيز والتداول إعلاء لروح المواطنة

ينادي العديد من الفاعلين بضرورة أن يخضع التعيين والانتقال من المناطق النائية لمعايير موضوعية مضبوطة تكفل التوفيق بين المصلحة القضائية من جهة، وحق القاضي في الاستقرار وحصانته من النقل من جهة أخرى.

فإذا تحدتنا عن تعيينات القضاة الجدد، سنجد أن "مناطق التأديب" تكون في الغالب من نصيب المتأخرين في الترتيب في امتحان نهاية التمرين، علما بأن هذا الامتحان تشوبه بعض الاختلالات التي لا يتّسع المجال لذكرها. ويجدر التذكير هنا بالاستثناءات التي يعرفها دوما كل فوج قضائي بخصوص تعيين بعض المتأخرين في إحدى المدن أو الحواضر الكبرى لاعتبارات يتم تفسيرها من طرف المتتبعين بظاهرة المحاباة بسبب القرب من مراكز صنع القرار.

وعوض أن يتم تشجيع القضاة المعينين في المناطق النائية على العمل في هذه المناطق مدة محددة والاستجابة لطلب انتقالهم بعد انصرام هذه المدة، يلاحظ أن القانون الداخلي للمجلس الاعلى للقضاء يقلب المعادلة، ويتيح للقضاة المعينين في المدن الكبرى امكانية الانتقال إلى محكمة أخرى في كل وقت وحين، بينما يفرض على القضاة المعينين في المناطق النائية مددا أطول للانتقال تتراوح بين خمس سنوات للانتقال من المنطقة "ج" إلى المنطقة "أ"، وثلاث سنوات للانتقال من المنطقة "ب" إلى المنطقة "أ"، هذا في حال الاستجابة للطلب، وفي حدود المناطق الشاغرة، مما يجعل معاناة قضاة هذه المناطق مضاعفة[1].

أما الانتقال للعمل في بعض المناطق النائية المعروفة كمناطق للتأديب فيتمّ على شكلين: إما تنقيل كعقوبة تأديبية، أو انتقال بسبب الترقية. ففي هذه الحالة الأخيرة، يلجأ المجلس الأعلى للقضاء لمواجهة مشكل الخصاص في عدد من محاكم الاستئناف. وبالنظر إلى عدم وجود أي طلبات للانتقال اليها لتنقيل عدد من القضاة بمناسبة ترقيتهم إلى درجة أعلى بطريقة نظامية أو بالتكليف، للعمل في هذه المحاكم بدون طلب، وإذا كانت المجالس المتعاقبة قد دأبت على اعتماد هذه الطريقة دون التقيد بأدنى معايير، فإن المجلس الحالي اضطر لاعتماد معيار جديد وهو القرب الجغرافي. وهكذا يلاحظ أنه في الآونة الأخيرة تم تنقيل بعض القضاة بمناسبة ترقيتهم للدرجة الثانية أو الأولى من بعض المحاكم في الجنوب للعمل بمحاكم استئناف بكل من ورزازات والراشدية والعيون، ومن محاكم الشرق أو الشمال للعمل في محكمتي الاستئناف بالناظور والحسيمة.. ورغم أن هذا المعيار يلطف من الانعكاسات السلبية لتنقيل القضاة بدون طلب، فإنه يطرح العديد من التساؤلات من قبيل: لماذا يتم تنقيل قضاة دون سواهم للعمل في محكمة نائية بدون طلب؟ ما هي المسطرة المتبعة؟ هل يتم استشارة المسؤول القضائي المباشر في هذا التنقيل؟ وإذا كان الجواب بالايجاب، ألا يؤدي ذلك للتعسف في تطبيق مسطرة التنقيل حيث يتحول التنقيل للمصلحة القضائية تأديبا مبطنا أو مدخلا جديدا للمس باستقلال قضاة الأحكام؟ وإلى أي مدى يراعي المجلس الأعلى للقضاء الوضعية الاجتماعية للقضاة؟.. خاصة اذا استحضرنا أنه في الدورات السابقة تم تنقيل عدد من القضاة المتزوجين إلى محاكم خارج الدائرة الاستئنافية بدون طلب بحجة الترقية، في حين لم يتم تنقيل زملائهم من نفس الفوج رغم أنهم لا يتحملون أي التزامات عائلية؟ وإلى أي مدى يأخذ المجلس الأعلى للقضاء بمعيار سبقية العمل في منطقة نائية للبت في ملفات التنقيلات التي تتم بدون طلب، إذ لا يعقل أبدا وباسم المصلحة القضائية تنقيل قضاة للعمل بمحاكم استئناف في محاكم "نائية" دون طلب منهم والحال أنهم أمضوا سنوات من العمل المضني في محاكم ابتدائية ببعض المناطق النائية الأخرى. في حين هناك من القضاة المنتمين لنفس الفوج وأحيانا المتموقعين في نفس الرتبة في امتحان التخرج ممن لم يبرح مكتبه في إحدى كبريات المدن. وان حدث وأن تم تنقيله بسبب الترقية فلا يقع ذلك إلا على بعد حجر من المحكمة الابتدائية لمحكمة الاستئناف بنفس المدينة. 

ان معيار سبقية العمل في محكمة نائية ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في اعمال مقتضى النقل بدون طلب للمصلحة القضائية، إذ يجب استثناء القضاة الذين سبق لهم العمل في محكمة تنتمي إلى المنطقة "ج" أو "ب" من امكانية التنقيل بدون طلب، احتراما لمبدأ المساواة ولضمان تكافؤ الفرص، ولكون مراعاة المصلحة القضائية تستوجب التطبيق على الكافة احتراما لروح المواطنة التي تستدعي مساهمة وتداول الجميع على الاشتغال في جميع مناطق المغرب، دون تمييز بين المناطق النافعة منها وتلك المصنفة على أنها غير نافعة. وان كان لا بد من وجود تمييز بين المنطقتين تفرضه ضرورة الواقع الذي لا يرتفع، فإن التمييز المطلوب ينبغي أن يكون تمييزا ايجابيا لفائدة المعينين في المناطق النائية التي لم تلق بعد حظها من التنمية. فينبغي في هذه الحالة ربط العمل في هذه المناطق ببعض التحفيزات من قبيل تهيؤ ظروف استقبال القضاة الجدد المعينين في هذه المناطق أو المنتقلين اليها بتوفير السكن لهم ولأسرتهم. فلا يمكن أن نطالب القاضي بالإقامة بمقر المحكمة التي يعمل بها، ولا نوفر له سكنا يتيح له تحقيق هذا الالتزام ويراعي القيود القانونية المفروضة عليه من قبيل وجوب تجنب الشبهات والتحلي بصفات الوقار والتحفظ. وهي التزامات تصبح مرهقة في ظل العمل بالمناطق النائية أو المدن الصغرى، فضلا عن مراجعة المدد المتطلبة للانتقال، ومنح تسهيلات في حال الرغبة في متابعة الدراسات العليا، ومضاعفة مدد العطل السنوية، ومراجعة التعويضات عن العمل في المناطق النائية، وربط التنقيل لهذه المناطق بالتكليف، بعد الاعلان عن المناصب الشاغرة وفتح المجال أمام القضاة الراغبين في الاستفادة من الامكانيات التي سيتيحها التعيين بهذه المناطق طبقا للتصور المقترح.. وبهذا سيتحول التعيين أو الانتقال للعمل بهذه المناطق من تنقيل يتخذ شكل تأديب مبطن، إلى انتقال بناء على طلب قد يصبح امتيازا ينبغي اخضاعه للتباري بناء على معايير شفافة وموضوعية. ولعل تجربة الانتداب التي دشنتها وزارة العدل والحريات في توقيت سابق لحل المشاكل التي عاشتها ابتدائية الناظور[2]، المصنفة كمحكمة منكوبة، لدليل على امكانية نجاح هذه التجربة في حال تعميمها على المحاكم النائية التي توصم مجازا بأنها محاكم تأديب.



[1]– تنص المادة 28 من القانون الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء على ما يلي:
"تحدد المناطق المطلوب الانتقال منها في 3 مناطق حسب الأهمية: المنطقة أ ، المنطقة ب، والمنطقة ج".
وتضيف المادة 30 "يشترط لتقديم طلب الانتقال من منطقة لأخرى المدد التالية:
الانتقال من محكمة إلى أخرى داخل نفس المنطقة : سنتان
الانتقال من المنطقة ب إلى المنطقة أ 3 سنوات
الانتقال من المنطقة ج إلى المنطقة ب سنتان
الانتقال من المنطقة ج إلى المنطقة أ مباشرة 5 سنوات".
[2]-سبق لوزارة العدل والحريات في الموسم القضائي 2013/2014 أن أعلنت عن وجود مناصب شاغرة على مستوى المحكمة الابتدائية بالناظور، شرق المغرب التي وصفت بالمحكمة "المنكوبة"، واستقبلت الوزارة طلبات القضاة والموظفين الذين أبدوا رغبتهم في انتدابهم للعمل بهذه المحكمة التي تعرف خصاصا مهولا، وارتفاعا كبيرا في عدد القضايا غير المحكومة، وقد خصصت الوزارة ولأول مرة تعويضا اضافيا للقضاة والموظفين الذين تم انتدابهم في هذه المبادرة، كما وفرت لهم السكن والنقل طوال مدة الانتداب ، وقد اعتبرت هذه المبادرة أول سابقة للانتداب بناء على طلب ووفق شروط تحفيزية.
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، المغرب



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية