القضاء التونسي يجرّم التطبيع السياحي


2015-03-30    |   

القضاء التونسي يجرّم التطبيع السياحي

سجّل القضاء التونسي قراراً هامّاً بادانة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى قضائياً. فقد أصدر وكيل رئيس المحكمة الابتدائية في سوسة المنتصب للقضاء في المادّة الإستعجاليّة بتاريخ 13 مارس 2015، حكما إستعجاليا تحت عدد 49646 قضى بإلغاء رحلتين سياحيتين إلى القدس المحتلّة، كانت وكالة أسفار تنوي تنظيمهما، وأذنت للسلطات المختصة بإيقاف إجراءات السفر التي كانت مقررة إلى القدس المحتلة عبر جسر الملك حسين بالأردن بتاريخ 16 مارس 2015 الذي يقابل في مصادفة عجيبة يوم الإنتخابات الإسرائيليّة.

وقد قامت بالدعوى الإستعجالية الجمعية العربية التونسية لمقاومة الإمبريالية والصهيونيّة "قاوم" ضدّ وكالة وليد للأسفار في شخص ممثّلها القانوني وذلك بتاريخ 17 فيفري 2015 وأسّست نائبة الجمعيّة المدّعية دعواها على أنّه بلغ إلى علم منوّبتها بواسطة أحد الإعلانات أنّ وكالة الأسفار المدّعى عليها تعتزم تنظيم رحلتين الأولى إلى القدس الشريف والثانية إلى القدس الشريف والعمرة، وأنّه تبيّن من برنامج الرحلتين أنّ  الدخول إلى الأراضي الفلسطينية  سيتمّ عبر جسر الملك حسين وهو ما يوجب المرور بالسلطات الإسرائيلية إضافة إلى وجوب الحصول على التراخيص الإدارية من تلك السلطات لزيارة المسجد الأقصى وغيره من المزارات المبرمجة في الرحلة كما أنّ وكالة الأسفار المدّعى عليها تعمّدت عدم الإدلاء بالفندق الذي سيقيم فيه المشاركون في الرحلتين ولا جنسية الأدلاء السياحيين الذين سيرافقون المسافرين.

كما اعتبرت نائبة المدّعين أن تنظيم الرحلة مخالف للدستور التونسي الذي أورد في توطئته مناصرة حركات التحرر العادلة وفي مقدّمتها حركة التحرير الفلسطيني وهو كذلك مخالف لمبدأ المقاطعة العربية لإسرائيل الذي أقرته جامعة الدول العربية معتبرة أنّ الرحلتين من قبيل التطبيع مع دولة صهيونية عنصرية سبق لها الإعتداء على التراب التونسي في أكثر من مناسبة وطلبت على ذلك الأساس القضاء بإلغاء الرحلتين المعنيتين.
وقد اعتبر القاضي الإستعجالي أنّ تنظيم الرحلتين المطلوب إلغاؤهما "يخالف توطئة الدستور التونسي التي تنصّ على إلتزام تونس بمناصرة قضايا التحرر العادلة وفي مقدمتها حركة التحرر الفلسطيني ذلك أنّ مدينة الأقصى مقصد الرحلتين ترزح تحت الإحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 وذلك مثبت في أدبيات وقرارات الأمم المتحدة بمجلس أمنها وجمعيتها العامّة ومجلس حقوق الإنسان. وبالتالي فهي تخضع للسلطة السياسية والإدارية والعسكرية لإسرائيل ولا يمكن دخولها إلاّ بعد الحصول على التأشيرات والتراخيص الصادرة عن سلطات تلك الدولة وهو ما يفترض وجود علاقات رسمية بينها وبين دولة الرعايا الراغبين في الدخول إلى القدس الشريف."

وتضيف هيئة المحكمة في تعليلها أنّه "حيث أنّ الجمهورية التونسية لا تربطها أيّ علاقة رسمية مع إسرائيل لا من حيث وجودها ولا من حيث شرعيتها، كما أنّ الدولة التونسية لم يسبق لها الإعتراف بإسرائيل لا من حيث وجودها ولا من حيث شرعيتها، وبالتالي فإنّ تنظيم الرحلتين موضوع الطلب سيفرض على مواطنين تونسيين التعامل مباشرة مع دولة غير معترف بها من قبل دولتهم بشكل مخالف للقواعد الدبلوماسية والقنصلية".

وتؤكّد المحكمة في تعليلها الإستناد إلى الدستور وخاصّة توطئته وفصله 145 فيشير الحكم إلى أنّ" توطئة الدستور التونسي نصّت على إلتزام تونس بنصرة حركات التحرر العالمي وفي مقدمتها حركة التحرر الفلسطيني وبمناهضة كل أشكال الإحتلال والعنصرية كما نصّ الفصل 145 من الدستور على أنّ التوطئة جزء لا يتجزّأ من الدستور وهي بالتالي تعتبر نصّا دستوريا خالصا ويعتبر الخروج عنها خروجا عن الدستور."

ولم تكتفِ المحكمة بالتأسيس القانوني لقرارها الإستعجالي بل استطردت في استعراض جرائم الإحتلال الإسرائيلي في حق فلسطين مذكرة أنّها "تمارس شتى أنواع العنف والقتل ضد الفلسطنيين عبر تاريخ حافل بالحروب والإعتداءات المتكررة التي تسببت في قتل وتشريد الآلاف منهم".
كما تأسس الحكم  على الخطر المحتمل على المسافرين التونسيين لإحتمال وقوعهم بين أيدي المخابرات الإسرائيلية وتعاملهم مع أدلاّء سفر من إسرائيل والحال أنّ هؤلاء المسافرين يحظون بحماية الدولة التونسية.

من جهة أخرى استطردت المحكمة في تعداد إعتداءات الكيان الإسرائيلي على تونس مذكّرة أنّ "جيش الطيران الإسرائيلي شنّ غارة بتاريخ 1/10/1985 على مدينة حمام الشطّ التونسية تسببت في قتل 60 شخصا وجرح مائة آخرين من التونسيين والفلسطنيين المقيمين بتونس وهي الغارة الواقع إدانتها بموجب القرار عدد 573 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 4/10/1985 كما قامت فرقة من الوحدات الخاصّة الإسرائيلية بالتسلل إلى التراب التونسي بتاريخ 16/4/1986 وقامت بإغتيال الزعيم الفلسطيني خليل الوزير أبو جهاد الذي يتمتع بحماية الدولة التونسية باعتباره مقيما على أرضها".

وخلصت المحكمة من كل هذا الإستعراض التاريخي لعلاقة تونس بإسرائيل إلى نتيجة هامّة مفادها أنّ "الوقائع السالف ذكرها تنزّل إسرائيل منزلة العدوّ للدولة التونسية خاصة وأنّه لم يقع إبرام أي صلح بشأنها مما يكون معه التعامل مع تلك الدولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من قبيل الإعتداء على أمن الدولة الخارجي وهي الجريمة المنصوص عليها وعلى عقاب مرتكبيها بالفصلين 61 و62 من المجلة الجزائية" منزلة بذلك تنظيم الرحلتين منزلة الإعتداء المجرّم على أمن الدولة والتعامل مع عدو خارجي لها.

وانتهت المحكمة بناء على كلّ ذلك إلى "إلغاء الرحلتين المبرمجتين من قبل وكالة الأسفار المطلوبة إلى القدس الشريف المبرمجتين ليوم 16/3/2015 كالإذن للسلطات المختصّة بإيقاف إجراءات سفر المشاركين فيهما".

ولا شكّ في أنّ القرار الإستعجالي كما أوردناه جريء في حيثياته وتأسيسه والقرار الذي توصّل إليه. كما أثار جدلا إعلاميا كبيرا وصدى واسعا حتى داخل الكيان الإسرائيلي، حيث ذهبت بعض المواقع الصهيونية إلى إتهام الدولة التونسية بتوظيف القضاء لمنع الحجيج من زيارة القدس وانهال بنقد محموم على القرار الإستعجالي[1]. بل بلغ الأمر ببعض المتعاونين مع إسرائيل إلى تحدّي حكم المحكمة والسلطات التونسية بتنظيم نفس الرحلتين في شهر أبريل إنطلاقا من باريس عوض العاصمة تونس، وفي المقابل كان محلّ إشادة عربية اعتبرته سابقة تاريخية للقضاء التونسي في تجريم التطبيع مع إسرائيل[2].

والحقيقة أنّ القرار مهمّ حيث يمثّل مثالا عن أهميّة دور جمعيات المجتمع المدني والمحاماة في التقاضي الإستراتيجي الذي يستهدف إستصدار أحكام قضائية مبدئيّة تخدم قضايا هامّة. كما تكمن أهمية الحكم في تأسّسه على توطئة الدستور منعا وتجريما لكلّ تعامل مع إسرائيل وهو الأمر الذي كان محلّ مطالبات عديدة وتم في شأنه جدل سياسي كبير صلب المجلس التأسيسي إبان صياغة الدستور. وكان من المأمول دسترة تجريم التطبيع ولكن ذلك لم يحصل رغم تقديم النائب الشهيد محمد البراهمي مشروعا لفصل يتضمن تجريما للتطبيع وبذلك إنتقلت المعركة مع التطبيع من قصر باردو إلى أروقة قصر العدالة لتأخذ منحى جديدا.

غير أنّ التعليل الحماسي للقرار وجرأته وأهميّة النتيجة التي توصّل إليها لا تجعله بمنأى عن النقد، ذلك أنّ القاضي الإستعجالي بنى منعه الرحلتين على قراءة ضمنيّة لتوطئة الدستور من دون مقارعة هذه القراءة بفصل صريح يضمن حريّة أساسيّة هي حرية التنقّل حيث ينص الفصل 23 من دستور 2014 على حماية الدولة للحرمة الخاصة وحرمة المسكن وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية ولكل مواطن حرية اختيار مقر اقامته وحرية التنقل داخل الوطن وله الحق في مغادرته.

كما أن جرعة الحماسة الزائدة جعلت المحكمة لا تلقي بالا إلى مسألة الإختصاص الحكمي ولا إلى التحجير المضروب على القاضي العدلي في توجيه أذون للإدارة فقضى حكمها الإستعجالي بـ"الإذن للسلطات المختصّة بإيقاف إجراءات سفر المشاركين في الرحلتين" وهو ما يتنافى مع الفصل الثالث من القانون الأساسي عدد 38 لسنة 1996 المؤرخ في 30 جوان 1996 المتعلق  بتوزيع الإختصاص بين المحاكم العدلية والمحكمة الإدارية وإحداث مجلس لتنازع الإختصاص، فالإختصاص معقود في رأينا للقاضي الإداري لأنّه يتطلّب توجيه أذون للإدارة.
كما يقبل الحكم النقاش حول تأويل الدستور ما قد يكون مخالفا لإرادة المشرّع الدستوري (رغم إنتقادنا لذلك وما قد يكون خضع له المؤسسّون من ضغوطات دولية) لجهة عدم المصادقة على مشروع فصل يمنع التطبيع مع إسرائيل.

غير أنّ المآخذ القانونيّة على القرار الإستعجالي عدد 49646 الصادر عن وكيل رئيس المحكمة الإبتدائية بسوسة 1 لا يمكن أن تنفي شجاعة هذا القرار وهي تعكس جرأة القاضي  التونسي الذي أظهر واعيا بجرائم الكيان الإسرائيلي لا في حقّ فلسطين فحسب بل في حقّ كامل الوطن العربي كما يمثّل منعرجا هامّا في المعركة ضدّ التطبيع التي أخذت منحى قضائيّا يبرز دور المجتمع المدني والمحاماة التونسية في التقاضي الإستراتيجي ويشكّل خطوة أولى في معركة قضائية قد تكون طويلة ضدّ التطبيع.



[1]http://www.europe-israel.org/2015/03/le-tunisie-instrumentalise-la-justice-pour-empecher-des-pelerins-a-visiter-jerusalem/
[2] أنظر تقارير كل من قناة الأقصى وقناة الميادين بتاريخ 15/3/2015 حول القرار الإستعجالي ومقالة جريدة الأمة العربية حول نفس الموضوع: http://alommarabia.blogspot.com/2015/03/blog-post_694.html?spref=fb.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، محاكمة عادلة وتعذيب ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية