القضاء الانتخابي بين تشتّت الاختصاص ومحدوديّة النجاعة


2021-01-07    |   

القضاء الانتخابي بين تشتّت الاختصاص ومحدوديّة النجاعة

اهتم الدستور التونسي الجديد بالمسألة الديمقراطية وأولاها المكانة التي تستحق بعد ثورة قطعت مع الظلم  والفساد والاستبداد. فمنذ التوطئة أكد المؤسسون على ضرورة تأسيس “نظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة“. كما شدد الدستور في الفصل 34 على أن “حقوق الانتخاب والاقتراع والترشح مضمونة طبق ما يضبطه القانون”. وحدد شروط الانتخاب والترشح للانتخابات التشريعية والرئاسية،[1] كما أحدث الدستور لأول مرة في تاريخ البلاد هيئة دستورية مستقلة تتولى “إدارة الانتخابات والاستفتاءات وتنظيمها، والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته”[2]، بعد أن كان الأمر موكولا للجهاز التنفيذي ممثلا في وزارة الداخلية لأكثر من نصف قرن.

وبذلك أصبح الحديث عن كيفية ضمان انتخابات نزيهة وشفافة وديمقراطية وتعددية محور اهتمام مختلف أطياف المجتمع التونسي من طبقة سياسية ومجتمع مدني ورأي عامّ. وفي هذا الإطار، تبنّت تونس مقاربة الانتخابات التي يديرها طرف مستقلّ عن السلطة التنفيذية وفي نفس الوقت تكون مراقبة في كل مراحلها من طرف السلطة القضائية، على اعتبار الثقة في القضاء داخل الدولة بما هو “سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات”[3]. ولا شك في أنّ حقوق الاقتراع والترشّح التي ضمنها الدستور تحتاج في بيئة ديمقراطية وليدة إلى حماية من “قضاء مستقلّ لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون”.[4] لذلك أصبح من البديهي في تونس وفي غيرها من التجارب الديمقراطية المقارنة أن يرافق القضاء المستقل جميع مراحل العملية الانتخابية ويراقب أعمال وشرعية القرارات الصادرة عن الإدارة الانتخابية في إطار ما أصبح يسمى بالعدالة الانتخابية أو القضاء الانتخابي وذلك تماشيا مع المعايير الدولية الفضلى التي تعتبر القضاء الانتخابي ضمانة لسلامة المسار الديمقراطي وتحقيق ثقة وقبول جميع الأطراف المتداخلة بالنتائج المتمخضة عن العملية الانتخابية. وهو ما يعزز شرعية الهياكل المنتخبة في كل مستويات الحكم المركزية والجهوية والمحلية.

فبالرجوع إلى الأنظمة القانونية المقارنة في المادة الانتخابية، نلاحظ اختلافا في المقاربات المعتمدة للبت في النزاعات الانتخابية. فهناك أنظمة تسند صلاحية البت في النزاعات الانتخابية إلى المجالس النيابية المنتخبة أو إلى هيئات قضائية متخصصة[5] أو لأنظمة القضاء العادي داخل الدولة، مع تخصيص ذلك النوع من النزاعات بقواعد وإجراءات خاصة[6]. كما توجد أنظمة أخرى تعتمد على توزيع الاختصاص بين أنظمة القضاء العدلي والإداري داخل الدولة وخاصة تلك التي تعتمد الثنائية القضائية في أنظمتها.[7]

ولم يكن القضاء الانتخابي في تونس وليد دستور جانفي 2014. فمنذ صدور المجلة الانتخابية بمقتضى القانون عدد 25 لسنة 1966 المؤرخ في 8 افريل 1966، تمّ إسناد البتّ في النزاعات الانتخابية إلى هياكل أو لجان شبه قضائية. غير أنها كانت تفتقد في كثير من الأحيان إلى الاستقلالية والشفافية في الإجراءات المتبعة لديها. فقد كانت “لجنة المراجعة” تنظر في النزاعات المتعلقة بالترسيم في قائمات الناخبين، وهي لجنة تتكوّن من قاضٍ يعيّنه وزير العدل بصفة رئيس وممثل عن الوالي بصفة عضو وثلاثة ناخبين يعينهم وزير الداخلية بصفتهم أعضاء. ويمكن الطعن في مقرراتها إستئنافيا لدى المحكمة الابتدائية وتعقيبيا لدى المحكمة الإدارية. أما المجلس الدستوري فقد كان ينظر في الترشحات للانتخابات الرئاسية ويعلن عن النتائج ويبت في الطعون المقدمة فيها. كما كان ينظر أيضا في الطعون المتعلقة بالانتخابات التشريعية وفي انتخاب أعضاء مجلس المستشارين. أما بالنسبة لنزاعات الانتخابات البلدية، فتنظر فيها “لجنة النزاعات” المكوّنة من حاكم يعينه كاتب الدولة للعدل بصفة رئيس وناخبين يعينان بقرار من كاتب الدولة للداخلية باقتراح من الوالي، وتصدر هذه اللجنة قرارات نهائية وغير قابلة للاستئناف. ولا شك في أن المتأمل في هيكلة النزاع الانتخابي قبل 2011 يقف عند غياب الرقابة القضائية الصرفة وانعدام الثقة في العملية الانتخابية برمتها وفي مال النزاعات المترتبة عنها. وهو ما أسهم في ندرة النزاعات الانتخابية حينها.

وبعد صدور المرسوم عدد 35 لسنة 2011 المؤرخ في 10 ماي 2011 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، تغير المشهد الانتخابي بصفة جذرية وأصبح النزاع الانتخابي حكرا على الاختصاص القضائي دون سواه. وتم إقرار وتعميم مبدأ التقاضي على درجتين في المادة الانتخابية. وبذلك أصبح القضاء العدلي مختصا بالنظر في نزاعات الترسيم بالقائمات الانتخابية ونزاعات الترشحات في الطور الابتدائي، بينما تنظر المحكمة الإدارية إستئنافيا في نزاعات الترشح وتراقب الجلسة العامة القضائية النتائج الأولية للانتخابات كما تراقب أيضا قرارات هيئة الانتخابات المتعلقة بمراقبة الحملة الانتخابية.

وبصدور دستور 27 جانفي 2014 والقانون الانتخابي الجديد عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014، تغير مشهد القضاء الانتخابي بصفة جذرية في اتجاه بسط الولاية القضائية الكاملة على مختلف مراحل المسار الانتخابي وتعميم مبدأ التقاضي على درجتين في جميع النزاعات الانتخابية. فقد تبنّت تونس نظام الثنائية القضائية بين القضاء العدلي والقضاء الإداري مع وجود قضاء مالي يختص بمراقبة حسن التصرف في المال العام. وقد وزع القانون الانتخابي صلاحية النظر في النزاعات الانتخابية على الأقضية الثلاثة في الجوانب المدنية والجزائية والمالية[8]. إلا أن المتأمل في نظام القضاء الانتخابي الجديد يلاحظ وجود بعض الهنات والنقائص خاصة تلك المتأتية من تشتت الاختصاص القضائي بين الأقضية الثلاث وعدم التنسيق بينها ومحدودية نجاعة الأحكام بما قد ينعكس سلبا على نزاهة وشفافية العملية الانتخابية برمتها. وهو ما يمكن ملاحظته والوقوف عليه في اختصاص القضاء العدلي والإداري خاصة، على اعتبار أن الثنائية القضائية التي تعتمدها تونس انعكست على توزيع الاختصاص في البت في النزاعات الانتخابية بين قطبي القضاء العدلي والإداري تماشيا مع بعض الأنظمة القضائية المقارنة.

ففي العديد من التجارب المقارنة، تسند نزاعات التسجيل وأحيانا نزاعات الترشحات إلى القضاء العدلي على غرار النظام المعمول به في فرنسا، بينما يختص القضاء الإداري في كثير من الأحيان بالبت في نزاعات الترشحات وبدرجة أقل في نزاعات النتائج. أما في تونس، لا يخرج اختصاص البت في النزاعات الانتخابية عن اختصاص مسند لقضاء عدلي غير “متخصص”(1) أو لقضاء إداري يشكو من بعض الصعوبات (2).

 

1- القضاء العدلي قضاء انتخابي غير “متخصص”

يعد النزاع الانتخابي من النزاعات الإدارية “الأصيلة” لتعلقها بتطبيق القانون الانتخابي وهو أحد فروع القانون العام أو بمراقبة شرعية أعمال الهيئة الانتخابية بوصفها من ذوات القانون العام وتتمتع بصلاحيات السلطة العامة. إلا أن المشرع ارتأى أن يسند بعض الاختصاصات في المادة الانتخابية للقضاء العدلي رغم أنه قضاء غير متخصص في المادة الإدارية ويفتقد إلى التكوين اللازم في القانون الانتخابي مما قد يؤثر سلبا على جودة ونجاعة الأحكام الصادرة عنه سواء في نزاعات الترسيم (أ) أو نزاعات الترشحات (ب) أو التعهد بالجرائم الانتخابية (ج).

 

أ- نزاعات ترسيم قائمات الناخبين شبه منعدمة

ينظر القضاء العدلي في النزاعات المتعلقة بالترسيم بقائمات الناخبين من خلال بسط رقابته على القرارات الصادرة عن الهيئة في خصوص الاعتراض على قائمة الناخبين بدائرة انتخابية بهدف شطب اسم أو ترسيمه أو تصحيح خطأ في تلك القائمة. فهيئة الانتخابات تبتّ في مطالب الاعتراض في أجل ثلاثة أيام من تاريخ توصلها بها. وتقوم بإعلام الأطراف المعنية بالقرار في أجل أقصاه 48 ساعة من تاريخ صدوره بأي وسيلة تترك أثرا كتابيا. ويمكن الطعن في القرارات الصادرة عن الهيئة أمام المحكمة الابتدائية المختصة ترابيا بتركيبتها الثلاثية وأمام المحكمة الابتدائية بتونس 1 بالنسبة إلى القرارات المتعلقة باعتراضات التونسيين بالخارج وذلك من قبل الأطراف المشمولة بتلك القرارات. ويمكن الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية من الأطراف المشمولة بها أمام المحاكم الإستئنافية المختصة ترابيا.

ويلاحظ المتابع للنزاع الانتخابي عموما ندرة القضايا المتعلقة بالترسيم بقائمات الناخبين إن لم نقل انعدامها تماما منذ سنة 2011. ففيما عدا تسجيل بعض مطالب الاعتراض أمام الهيئة على قائمات الناخبين بهدف ترسيم اسم ناخب وقع السهو عن إدراجه بالسجل والتي تبت فيها الهيئة بالرفض أو القبول، يندر الطعن في تلك القرارات أمام المحاكم الابتدائية المختصة ترابيا. وعادةً ما يكتفي المعترض بما صدر في شأن اعتراضه من طرف الهيئة. ويعود سبب ندرة الطعون المتعلقة بالترسيم إلى محدودية أهمية رهان الترسيم أو التشطيب أو التصحيح مقارنة برهان نزاعات الترشح للانتخابات أو نزاعات النتائج. علاوة على أن آليات إشهار قائمات الناخبين عبر وضعها على ذمة العموم بمقرات الهيئات الفرعية أو مقرات البلديات أو البعثات الديبلوماسية أو القنصلية بالخارج لا تضمن اطلاع الكافة عليها. كما أن النشر الإلكتروني بالموقع الإلكتروني للهيئة في شكل ملف PDF يصعب معه على الناخب التثبت من ورود اسمه في قائمة الناخبين من بين آلاف الأسماء. وهو ما يستدعي مراجعة آليات إشهار قائمات الناخبين المعتمدة حاليا بما يضمن إعلام الكافة بها بطريقة أسهل وأكثر جدوى. بالإضافة إلى ضرورة العمل على  تحسيس الناخب بأهمية ممارسة حقه في التسجيل في قائمات الناخبين وممارسة حقه في الاعتراض أمام الهيئة والطعن أمام القضاء إن اقتضى الأمر لضمان ذلك الحق.

 

ب-  البتّ في نزاعات الترشح للانتخابات التشريعية ابتدائيا فقط

ينظر القضاء العدلي أيضا في الطعون المقدمة ضد قرارات الهيئة بخصوص الترشحات للانتخابات التشريعية. إذ يمكن لرئيس القائمة المترشحة أو أحد أعضائها أو الممثل القانوني للحزب أو أعضاء بقية القائمات المترشحة بنفس الدائرة الانتخابية أن يطعن في قرار الهيئة أمام المحكمة الابتدائية المختصة ترابيا وأمام المحكمة الابتدائية بتونس 1 بالنسبة إلى قرارات الهيئة فيما يتعلق بالقائمات المترشحة في الخارج. ويتم استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية أمام الدوائر الإستئنافية للمحكمة الإدارية من قبل الأطراف المشمولة بالحكم الابتدائي أو رئيس الهيئة. ويلاحظ في هذا الإطار أن القضاء العدلي لا يختص بالنظر في نزاعات الترشح إلا بالنسبة للانتخابات التشريعية في طورها الابتدائي فقط وذلك مواصلة لما كان معمولا به في ظلّ المرسوم عدد 35 لسنة 2011 المؤرخ في 10 ماي 2011 المتعلق بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي. فقد كان الهدف من ذلك تقريب القضاء الانتخابي إلى المواطن في الجهات ورفع المشقة عنه بالتحول إلى مقر المحكمة الإدارية بالعاصمة وتبسيط إجراءات ممارسة حق الطعن ضمانا لحق الترشح للانتخابات.

إلا أنه بإرساء وتركيز الدوائر الابتدائية المتفرعة عن المحكمة الإدارية بالجهات، أصبح من الضروري مراجعة هذا الخيار التشريعي وإسناد الاختصاص لتلك الدوائر خاصة أنها موجودة في أغلب جهات الجمهورية وهي المختصة “طبيعيا” للنظر في النزاع الانتخابي بوصفه نزاعا إداريا أصيلا. علاوة على أن الاختصاص الانتخابي لا يعد اختصاصا مألوفا بالنسبة للقضاء العدلي من حيث طبيعة المادة ومن حيث غياب التكوين الكافي للقضاة العدليين في القانون العام وفي القانون الانتخابي.

 

ت– قضاء جزائي انتخابي غير فعّال

ينظر القضاء العدلي الجزائي في الجرائم الانتخابية المرتكبة طيلة المسار الانتخابي. إذ تتعهد هيئة الانتخابات من تلقاء نفسها أو بطلب من أي جهة كانت بمراقبة احترام القائمة المترشحة أو المترشح أو الحزب لمبادئ الحملة الانتخابية والقواعد والإجراءات المنظمة لها. وفي هذا الإطار، تنتدب الهيئة أعوانا على أساس الحياد والاستقلالية والكفاءة، وتكلفهم بمعاينة المخالفات ورفعها، ويؤدون اليمين أمام قاضي الناحية المختص ترابيا. ولهم صفة مأمور الضابطة العدلية على معنى أحكام الفقرة 6 من الفصل 10 من مجلة الإجراءات الجزائية. كما يتمتعون بالحماية القانونية المخولة للموظف العمومي أثناء أدائهم لمهامهم، ولهم الحق في حضور كافة الأنشطة الانتخابية التي تنظمها القائمات المترشحة أو المترشحين أو الأحزاب طيلة الحملة. ويتولى أولئك الأعوان تحرير محاضر لمتابعة الأنشطة الانتخابية ومعاينة المخالفات لقواعد الحملة والجرائم الانتخابية وتضمينها بمحضر يكون مرفقا بكافة الوثائق والمؤيدات ويرفع فورا إلى الهيئة الفرعية المختصة ترابيا. كما يمكن لهم تحرير محاضر في تلقي التصريحات أو سماع الشهود وللهيئة القيام بأبحاث أو تحريات تكميلية عند الاقتضاء. وتتمتع تلك المحاضر بالحجية وفق أحكام الفصل 155 من مجلة الإجراءات الجزائية، وتكون معتمدة بخصوص صحة المعاينات المادية المبينة بها وما تم تلقيه من تصريحات وشهادات. وتعتمد التصريحات والاعترافات المسجلة بالمحاضر ما لم يثبت خلاف ذلك على معنى الفصل 154 من مجلة الإجراءات الجزائية. وفي صورة إجراء معاينات أو الحصول على وثائق أو معلومات أو تصريحات، يتمّ التنصيص على ذلك في المحضر وإرفاقه بالمؤيدات التي تمّ الحصول عليها، ويجب تضمين إمضاء الأشخاص الذين تم تلقّي تصريحاتهم أو التنصيص على امتناعهم عن الإمضاء. وفي هذا الإطار، يمكن للهيئة الفرعية حجز الإعلانات الانتخابية وتحرير محاضر الحجز وفض الاجتماعات والاستعراضات والمواكب والتجمعات بالاستعانة بالقوة العامة عند الاقتضاء. وتعلم الهيئة النيابة العمومية المختصة ترابيا عند الاشتباه في ارتكاب جريمة انتخابية.

وفي هذا الإطار، خصص المشرع بابا كاملا للجرائم الانتخابية في القانون الانتخابي عدد 16 لسنة 2014 هو الباب السادس من الفصول 149 إلى 167 يحتوي على جرد كامل للجرائم الانتخابية التي منها ما يعود إلى اختصاص قضاة النواحي أو المجلس الجناحي ومنها ما يعدّ من الجنايات الخطيرة الراجعة لاختصاص الدوائر الجنائية. وهي تتعلق بجميع مراحل العملية الانتخابية بدءا من التسجيل ومرورا بالترشحات والحملة الانتخابية ووصولا إلى يوم الاقتراع والفرز والإعلان عن النتائج. كما وضع المشرع في الفصول 165 و 166 و 167 بعض القواعد الخصوصية المتعلقة بالمشاركة والمحاولة في الجريمة الانتخابية وسقوط الجرائم بالتقادم.

غير أن القضاء الجزائي الانتخابي في تونس بقي يراوح مكانه بسبب بطء الإجراءات الذي انعكس  سلبا على تأخر صدور الأحكام الباتة والنهائية والرادعة للمخالفات الانتخابية الخطيرة. وأصبح الإحساس بعدم العقاب هو المهيمين في المادة الانتخابية خاصة في بعض الجرائم الخطيرة على غرار جريمة الإشهار السياسي والقيام بالدعاية الانتخابية بالإدارة والمؤسسات العمومية و التربوية والجامعية ودور العبادة، وخرق الصمت الانتخابي، وبث ونشر نتائج سبر الآراء خلال الفترة الانتخابية، وتقديم التبرعات النقدية أو العينية قصد التأثير على الناخب، وتدليس التزكيات في مطالب الترشح للانتخابات الرئاسية. ويتّجه في هذا الإطار التفكير نحو إرساء نظام تقاضٍ خاص بالحملة الانتخابية بآجال تتماشى مع خصوصية المسار الانتخابي وإسناد صفة مأموري الضابطة العدلية لأعوان مراقبة الحملة بصريح عبارة القانون الانتخابي وما يترتب عن ذلك من تمتيع المحاضر التي يحررونها بالحجية القانونية بعد تلقيهم التكوين الضروري لذلك تحت إشراف قضاة النيابة العمومية وإحداث خلية للفصل السريع في الجرائم الانتخابية طيلة المسار الانتخابي وخاصة في بعض المسائل التوقيفية على غرار شبهات تدليس التزكيات التي يتوقف عليها البت في الترشحات للانتخابات الرئاسية.

 

2- قضاء إداري يشكو من بعض الصعوبات

تنظر الدوائر الإستئنافية للمحكمة الإدارية في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الابتدائية العدلية في خصوص الطعون المتعلقة بالترشحات للانتخابات التشريعية. كما تنظر في الطعون في قرارات الهيئة في خصوص الترشحات للانتخابات الرئاسية ابتدائيا على أن يقع الطعن في الأحكام الصادرة عنها أمام الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية. وتنظر تلك الدوائر أيضا في الطعون في النتائج الأولية للانتخابات ويتم الطعن في الأحكام الصادرة عنها أمام الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية. أما الدوائر الابتدائية المتفرعة عن المحكمة الإدارية فتنظر ابتدائيا في الطعون المتعلقة بالترشحات للانتخابات البلدية وتستأنف تلك الأحكام أمام الدوائر الإستئنافية للمحكمة الإدارية. فللمحكمة الإدارية سلطة تعديل قرارات هيئة الانتخابات وحتى إلغائها وقد أسند المشرع للقرارات القضائية الصادرة عنها حجية مطلقة وتنفيذية مباشرة وواجبة الاعتماد من طرف الإدارة الانتخابية عند البت في الترشحات وكذلك في الإعلان عن النتائج. فالقضاء الإداري الانتخابي يتمتع بسلطات واسعة يعبر عنها بسلطات القضاء الكامل، فهو لا يتوقف عند تفحص مدى احترام القانون بل يذهب إلى حد إلزام الإدارة الانتخابية بفعل شيء أو الامتناع عن فعل، وكذلك الحلول محلّ جهة الإدارة في مباشرة بعض الصلاحيات. فللقاضي الإداري الانتخابي سلطة تعديل قائمة المترشحين للانتخابات بالإضافة أو الحذف أو بإرجاع قائمة أو مرشح للسباق الرئاسي بعد رفضه من طرف إدارة الانتخابات. كما  له سلطة إعادة احتساب الأصوات وإعادة توزيع المقاعد المتحصل عليها والتصريح عند الاقتضاء بفوز قائمات انتخابية تم إسقاطها من هيئة الانتخابات.

ورغم الاختصاص القضائي الواسع في المادة الانتخابية المسند للمحكمة الإدارية ابتدائيا واستئنافيا، فإن أداء المحكمة الإدارية لا يخلو من بعض الصعوبات والنقائص. فقد أغرق القانون الانتخابي الطعون الانتخابية بجملة من الإجراءات والشكليات مما انعكس سلبا على قبول الطعون من الناحية الشكلية وحرم فقه القضاء الانتخابي من فرصة النظر والبت في بعض الإشكاليات القانونية الهامة لأسباب شكلية. إذ تشير الإحصائيات إلى أن عدد الطعون المرفوضة شكلا بلغ نسبة 40% من مجمل نزاعات الترشح للانتخابات البلدية لسنة 2018 على سبيل المثال.

كما يمكن للقضاء الإداري أن يواجه بعض الصعوبات المادية واللوجستية في صورة الجمع بين مواعيد انتخابية مختلفة على غرار الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقة لأوانها لسنة 2019 والتي تزامنت أيضا مع بعض الانتخابات البلدية الجزئية. وهو ما قد يؤثر سلبا على جودة العمل القضائي عموما وأعمال البحث والتقصّي خاصة وعلى ضمانات المحاكمة العادلة. وحان الوقت في أن يفكر المشرع التونسي جديا في تغيير الآجال المنصوص عليها في الدستور بخصوص الانتخابات السابقة لأوانها سواء رئاسية أو تشريعية. فلئن مرّت فرضية الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها بأقل الأضرار، فإن حدوث فرضية انتخابات تشريعية سابقة لأوانها سيضع المحكمة الإدارية في صعوبات جدية. إذ من المعلوم أن كل طور قضائي يستوجب أجل 5 أيام للنظر في الطعن الانتخابي، وبالنظر إلى عدد الطعون في الانتخابات التشريعية، فقد يكون من المستحيل في ظل الهيكلة القضائية الحالية احترام آجال البت في الطعون، وقد يؤدي الأمر إلى أن يصبح القضاء الانتخابي مجرد مصادقة بعدية على قرارات هيئة الانتخابات بما قد ينعكس سلبا على حقوق الناخبين والمترشحين وعلى كامل المسار الانتخابي.

 

* قاضٍ باحث ومدرس جامعي

ونائب رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات

 

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

[1]  الفصل 53 و 45 و74 من الدستور

[2]  الفصل 126 من الدستور

[3]  الفصل 102 من الدستور

[4]  الفصل 102 من الدستور

[5]  الأنظمة المعتمدة في أمريكا اللاتينية

[6]  هناك أنظمة أسندت الاختصاص للقضاء العدلي على غرار الأردن وليبيا  وهناك أنظمة أسندت الاختصاص للقضاء الإداري على غرار المغرب

[7]  هناك دول تقوم على توزيع الاختصاص بين القضاء العدلي والقضاء الإداري. على غرار فرنسا التي تسند نزاعات التسجيل إلى القضاء العدلي بينما يختص القضاء الإداري بالبت في نزاعات الترشحات أو نزاعات النتائج كما تسند دول أخرى نزاعات النتائج إلى القضاء الدستوري على غرار لبنان والجزائر

[8] تنظر محكمة المحاسبات في المخالفات المتعلقة بتمويل الحملات الانتخابية ويمكن لها تسليط عقوبات مالية على المترشحين وعقوبات انتخابية تتمثل في إسقاط عضوية المترشح المخالف من المجلس النيابي

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، استقلال القضاء ، البرلمان ، تونس ، حرية التعبير ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم دستورية ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *